تحركات ترامب الدولية تعمّق الانقسام داخل الولايات المتحدة
12:13 - 29 يناير 2026تكشف تطورات السياسة الخارجية الأميركية في بداية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب عن مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب في علاقات واشنطن الدولية، إذ تحولت التحركات الخارجية إلى عنصر أساسي في تشكيل صورة القيادة الأميركية داخلياً وخارجياً.
التوتر مع الحلفاء، والتقلب في المواقف، والتصعيد يعقبه التراجع، كلها سمات باتت تطبع الأداء الأميركي على الساحة العالمية.
تعكس هذه التحولات صداماً واضحاً بين نهج أميركي تاريخي قام لعقود على التحالفات والتعددية، وبين رؤية أكثر أحادية تضع مبدأ "أميركا أولاً" فوق الاعتبارات المؤسسية والشراكات طويلة الأمد.
وتطرح هذه المعادلة تساؤلات جوهرية حول الكلفة السياسية الداخلية لخيارات ترامب الخارجية، وما إذا كانت الفوضى الدولية تنعكس تراجعاً في شعبيته أم تعزز ارتباط قاعدته به.
الشؤون الدولية
يشير تقرير لـ "بلومبيرغ" إلى أن:
- ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الثانية المضطربة تختبر مدى تقبّل الرأي العام للاضطرابات.
- يتراجع حلفاء أميركا أمام الصدمة التي أحدثها ترامب في الشؤون الدولية، في الوقت الذي يحتج فيه آلاف المواطنين الأميركيين على الفوضى التي أحدثها في الداخل.
- يشير التراجع غير المعهود للإدارة هذا الأسبوع في مينيسوتا إلى اعتراف متردد بأن برنامج الترحيل الجماعي، بصيغته الحالية، قد تجاوز خطاً أحمر لن يلتزم به معظم الرأي العام.
يشير استطلاع جديد نُشر يوم الأربعاء من قِبل مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، وهو هيئة غير حزبية، إلى أن ترامب يذهب أيضاً إلى أبعد مما يرغب فيه معظم الأميركيين في تفكيك النظام الدولي القائم على التحالفات والذي شكّل أساس السياسة الخارجية الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية.
تتتبع الدراسة نتائج استطلاعات الرأي التي أجراها المجلس منذ عام 1974 حول مواقف الأميركيين من السياسة الخارجية. وعلى مدار هذه الفترة الطويلة، وجدت دراسة مجلس شيكاغو استمرارية أكبر بكثير من التغيير في الآراء حول الدور العالمي لأميركا.
يخلص التقرير إلى أن "الأغلبية من مختلف الأطياف السياسية تؤيد دوراً فاعلاً للولايات المتحدة في العالم، وتدعم تحالفاتها، وتؤيد وجودها العسكري في الخارج".
كما يرى معظمهم أن "التجارة الدولية مفيدة للبلاد"، ويدعمون حلف شمال الأطلسي، ويؤيدون التدخل العسكري في حال تعرض حلفاء الولايات المتحدة للهجوم.
أما ترامب، بتهديداته ضد الحلفاء التقليديين، واستخفافه بحلف شمال الأطلسي، وتقاربه مع الديكتاتوريين، وفرضه تعريفات جمركية أحادية الجانب واسعة النطاق، فهو يرفض هذه المبادئ رفضاً قاطعاً.
اتجاهات الناخبين
على الجانب الآخر، يتفق الاستراتيجيون من كلا الحزبين الأميركيين على أنه في معظم الظروف، لا يعتمد سوى عدد ضئيل جداً من الأميركيين في قراراتهم الانتخابية على السياسة الخارجية بشكل أساسي. ففي الانتخابات الرئاسية لعام 2024، على سبيل المثال، قال 4 بالمئة فقط من الناخبين في استطلاع آراء الناخبين بعد الإدلاء بأصواتهم إن السياسة الخارجية كانت أهم قضية أثرت في اختيارهم.
ومع ذلك، وفق التقرير:
- من الخطأ استنتاج أن السياسة الخارجية لا تؤثر على نتائج الانتخابات. فباستثناء الاقتصاد، نادرًا ما يعتمد الناخبون في اختيارهم على قضية واحدة؛ والسياسة الخارجية ليست استثناءً في هذا الصدد.
- ما تفعله السياسة الخارجية هو تشكيل تقييمات قيادة الرئيس. فعلى سبيل المثال، عزز سقوط طالبان والمراحل الأولى من حرب العراق صورة جورج دبليو بوش كرئيس قوي وحاسم. في المقابل، أدى الانسحاب من أفغانستان إلى تشويه صورة الكفاءة الثابتة التي كانت ذات قيمة كبيرة لجو بايدن في حملة 2020.
- وبالمثل، فإن تدهور العلاقات الأميركية مع العالم اليوم، والذي أحدثه ترامب، يعزز شعور العديد من الناخبين بأنه يُطلق العنان لفوضى عارمة، سواء في الخارج أو في الداخل. يُفاقم الاضطراب العالمي الاضطراب الداخلي.
السياسات الخارجية
يرى خبير العلاقات الدولية، أبو بكر الديب، أن: فوضى السياسة الخارجية للرئيس الأميركي دونالد ترامب لا تمثل عاملاً عابراً في مسيرته السياسية، إنما تُعد عنصراً مركزياً سيترك أثراً متناقضاً على صورته وشعبيته في آنٍ واحد.
ويشير الديب، لدى حديثه مع موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" إلى أن الارتباك والعشوائية الظاهرة في إدارة الملفات الدولية، من الانسحابات المفاجئة من الاتفاقات، إلى التصعيد ثم التراجع، ومن التهديد العلني إلى عقد الصفقات خلف الكواليس، عمّقت لدى قطاعات واسعة داخل الولايات المتحدة، لا سيما النخب السياسية والمؤسسات الأمنية والاقتصادية، الانطباع بأن ترامب رئيس غير قابل للتنبؤ ويفتقر إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى.
ويؤكد أن هذا النمط من السلوك أضعف الثقة به كرجل دولة، وأسهم في تغذية المخاوف من كلفة دولية واقتصادية قد تنعكس داخلياً، وهو ما يمكن استثماره انتخابياً ضده باعتباره عبئاً على استقرار الولايات المتحدة ودورها العالمي.
لكن الديب يضيف على الجانب الآخر، أن هذه الفوضى نفسها تمثل مصدر قوة لترامب لدى قاعدته الصلبة، التي لا تقيم السياسة الخارجية بمعايير التوازن الدولي أو الأعراف الدبلوماسية، بل تنظر إليها كساحة لاستعراض القوة وفرض الهيمنة.
ويتابع أن أنصار ترامب يقرؤون قراراته الصادمة ولغته الحادة بوصفها كسراً لما يسمونه "نفاق المؤسسة" وتمرداً على نظام عالمي يرونه مجحفاً بالاقتصاد الأميركي، ما يعزز صورته كزعيم "يفعل ما يقول" ولا يخضع للضغوط، حتى عندما تبدو قراراته غير محسوبة.
ويختم الديب حديثه بالتأكيد على أن "فوضى السياسة الخارجية لترامب لن تؤدي إلى إسقاطه شعبياً بقدر ما ستعمّق الاستقطاب حوله؛ إذ ستضعف قدرته على توسيع قاعدته الانتخابية وجذب المترددين، لكنها في المقابل ستزيد من تماسك أنصاره، ليبقى تأثيرها النهائي مرتبطًا بميزان التعبئة الداخلية أكثر من كلفتها الخارجية، في رهانٍ دائم على كسب جمهور غاضب في الداخل حتى لو خسر ثقة العالم".
تغير جذري
ويشير تقرير لـ theconversation إلى أنه:
- بعد مرور عام على ولاية دونالد ترامب الثانية، بات من الواضح أن السياسة الخارجية الأميركية قد شهدت تحولاً جذرياً لم تشهده خلال الثمانين عاماً الماضية.
- بعد الحرب العالمية الثانية، أبرمت الولايات المتحدة نظاماً من المعاهدات والتحالفات، والتزمت بموجبه بدعم المؤسسات والقواعد والقوانين الدولية، فضلاً عن تعزيز الازدهار العالمي من خلال التجارة الحرة وتسهيل الوصول إلى الأسواق.
- لكن كل هذه الأمور تتعارض مع رؤية ترامب للسياسة الخارجية.
- يبدو أن ترامب مصمم على التخلي عن هذا الموقف الراسخ في السياسة الخارجية، وعلى التخلي عن دور بلاده القيادي في قمة النظام الدولي.
- بل يبدو عازماً على تدمير العديد من مبادئ ومؤسسات هذا النظام ، واستبدالها برؤية مختلفة تماماً للعلاقات الدولية.
ويضيف التقرير: بفضل خبرته في مجال العقارات، ينظر ترامب إلى العالم من منظور نفعي بحت.. ويبدو أنه يعتبر التحالفات عبئاً مالياً ومصدراً للضعف الأمني، ويرى أن نظام التجارة المفتوحة مجحف بحق الولايات المتحدة باعتبارها أكبر سوق في العالم.
كما يبدو أن ترامب يجد التعامل مع الديمقراطيات أكثر صعوبة من التفاوض مع الحكام المستبدين. فبالنسبة له، يعمل النظام العالمي القائم على القواعد والمؤسسات الليبرالية على منع الولايات المتحدة من استغلال قوتها على أكمل وجه.
امتداد للولاية الأولى
بدوره، يقول استاذ العلاقات الدولية، الدكتور محمد عطيف، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- السياسة الخارجية الأميركية خلال السنة الأولى من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب (2025–2026) اتسمت بقدر كبير من الاستمرارية مع توجهات ولايته الأولى.
- مبدأ "أميركا أولاً" ظل حاضراً بقوة، إلى جانب تفضيل المقاربات الأحادية على حساب الأطر متعددة الأطراف.
- هذا التوجه تجسد في جملة من القرارات، من بينها تقليص أو تجميد جزء معتبر من المساعدات الخارجية، ومراجعة استراتيجية الأمن القومي بما يعزز التركيز على النصف الغربي للكرة الأرضية، فضلًا عن اتخاذ مواقف وتصريحات حادة تجاه بعض الدول المصنفة خصوماً مثل إيران وفنزويلا، وكذلك تجاه بعض الشركاء والحلفاء، خاصة الاتحاد الأوروبي في ملفات محددة.
ويضيف عطيف أن هذه السياسات قابلة لتفسيرات متعددة في الأدبيات الأكاديمية؛ إذ يمكن قراءتها، من جهة، باعتبارها تعبيراً عن مقاربة واقعية قومية تركز على المصالح المباشرة وتقليص كلفة الالتزامات الخارجية، ومن جهة أخرى كجزء من استراتيجية تفاوضية تهدف إلى إعادة تعريف شروط الشراكات والتحالفات القائمة.
ويتابع أن هذا النمط من السياسة الخارجية أسهم في إدخال قدر من عدم اليقين في علاقات الولايات المتحدة مع شركائها التقليديين، ودفع عدداً من الفاعلين الدوليين إلى مراجعة حساباتهم الاستراتيجية.
وعلى الصعيد الدولي، يؤكد أن استطلاعات رأي عابرة للحدود، من بينها تلك الصادرة عن مركز "بيو"، أظهرت تراجع مستويات الثقة في القيادة الأميركية مقارنة بفترات سابقة، مع بروز توجهات أوروبية وآسيوية نحو تنويع الشراكات وتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، مضيفاً أن إعادة ترتيب الأولويات قد تتيح لواشنطن في المقابل تركيز مواردها على قضايا تعتبرها أكثر إلحاحًا، وعلى رأسها المنافسة مع القوى الكبرى، خاصة الصين.
أما داخلياً، فيوضح عطيف أن استطلاعات رأي أُنجزت مطلع عام 2026، من بينها رويترز/إبسوس وماريست، كشفت أن معدلات الموافقة على أداء الرئيس تراوحت بين 38 و40 بالمئة، مع تقييم أقل نسبيًا لأدائه في السياسة الخارجية، مشيراً إلى أن الرأي العام الأميركي يظل أكثر تأثراً بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية الداخلية مقارنة بالسياسة الخارجية، ما لم تنعكس التوترات الخارجية بشكل مباشر على الداخل.
ويختم بالقول:
- إن تأثير خيارات السياسة الخارجية في السنة الأولى من الولاية الثانية لترامب على مكانة الولايات المتحدة الدولية وشعبيته الداخلية يظل مفتوحًا على أكثر من سيناريو.
- قد تتيح هذه الخيارات فرصاً لإعادة تعريف الدور الأميركي وفق مقاربة أكثر انتقائية، لكنها في الوقت ذاته تطرح تحديات تتعلق بإدارة التحالفات والحفاظ على قدر من الاستقرار الدولي.
- التقييم النهائي يبقى رهينًا بتطور النتائج العملية لهذه السياسات خلال عام 2026 وما بعده.








