ما هي الشركات الأكثر استفادة من أحداث فنزويلا؟
10:57 - 08 يناير 2026
تُعيد التطورات المتسارعة في فنزويلا وضع قطاع الطاقة العالمي أمام لحظة مفصلية، بعدما تحولت العملية الأميركية التي انتهت بالقبض على الرئيس نيكولاس مادورو في كاراكاس إلى عامل سياسي–اقتصادي بالغ التأثير، يتجاوز البعد الأمني ليطال أسواق النفط وحسابات الشركات الكبرى.
فقد بدا واضحاً أن التحرك الأميركي لم يكن معزولاً عن رهانات الطاقة، إنما جاء في سياق أوسع لإعادة تشكيل موازين النفوذ في واحدة من أغنى دول العالم بالموارد الهيدروكربونية.
تُسلّط هذه المستجدات الضوء على مفارقة لافتة في المشهد الفنزويلي، حيث تمتلك البلاد أكبر احتياطيات نفط مؤكدة عالمياً، لكنها تعاني في الوقت نفسه من انهيار حاد في الإنتاج والبنية التحتية نتيجة عقود من سوء الإدارة والعقوبات والعزلة الدولية. ومع القبض على مادورو، تتزايد التوقعات بإعادة فتح الملف النفطي الفنزويلي أمام الاستثمارات الأجنبية، في مقدمتها الشركات الأميركية، ضمن مساعٍ لإحياء الاقتصاد المنهك وتخفيف الضغوط على سوق الطاقة العالمي.
تفتح هذه المرحلة الباب أمام إعادة تقييم شاملة لخريطة المستفيدين من التحول الجاري، بدءاً من شركات الإنتاج والتكرير الأميركية، مروراً بمطالبات التعويض العالقة منذ عهد هوغو تشافيز، وصولاً إلى تأثيرات محتملة على تدفقات النفط وأسعار الخام عالمياً. وفي قلب هذا المشهد، تبرز فنزويلا كساحة اختبار جديدة لمدى قدرة السياسة الأميركية على ترجمة القوة العسكرية إلى نفوذ اقتصادي طويل الأمد في أسواق الطاقة.
شيفرون في المقدمة
ويشير تقرير لـ "نيويورك تايمز" إلى أن:
- شيفرون كانت آخر شركة نفط أميركية كبرى لا تزال تنتج النفط في فنزويلا، بعد سنوات عديدة من مغادرة شركات أخرى مثل إكسون موبيل وكونوكو فيليبس.
- لسنوات، استمرت شيفرون في العمل مستفيدةً من استثناءات قصيرة الأجل من العقوبات الأميركية.
- ثم، في أواخر فبراير ، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه سيمنع الشركة فعلياً من الإنتاج في فنزويلا.
- بعد عشرة أشهر، تغير الوضع جذرياً. فقد تراجع ترامب عن موقفه خلال الصيف، سامحاً لشركة شيفرون بمواصلة عملياتها في فنزويلا.
- والآن، باتت الشركة في وضع مثالي للاستفادة بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس نيكولاس مادورو في كاراكاس خلال عطلة نهاية الأسبوع، وكثفت الضغط على البلاد لتشجيع المزيد من الاستثمارات من شركات الطاقة الأميركية.
بحسب التقرير، فإن رهاناً كبيراً قبل نحو عقدين من الزمن هو ما ميّز شركة شيفرون عن غيرها من المنتجين الأميركيين في فنزويلا. فقد كان هوغو تشافيز، رئيس البلاد آنذاك، يؤمّم أجزاءً من صناعة النفط الفنزويلية، مُجبراً المستثمرين الأجانب على قبول حصص أصغر في المشاريع دون تعويضهم.
انسحبت شركتا إكسون، أكبر شركة نفط أميركية، وكونوكو فيليبس، وظلتا تسعيان، دون جدوى تُذكر، للحصول على مليارات الدولارات من دعاوى قضائية ضد فنزويلا. ورأت شيفرون في ذلك فرصة سانحة.
ويُعتقد على نطاق واسع أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات النفط الخام في العالم، وقد استغلت مواردها ببراعة لفترة من الزمن - ففي عام 1997، أنتجت ما يقرب من 5 بالمئة من نفط العالم. لكن سوء الإدارة والفساد والإهمال أدت إلى تدهور صناعتها، وتنتج البلاد الآن حوالي 1 بالمئة فقط من إمدادات النفط العالمية، بحسب التقرير.
قطاع النفط والغاز
يقول رئيس قسم الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- المستفيد الأول والمباشر من التطورات الأخيرة المرتبطة بفنزويلا هو قطاع النفط والغاز، وعلى رأسه شركات الطاقة الأميركية الكبرى.
- شركة شيفرون تُعد الأبرز في هذا السياق؛ كونها الشركة الأميركية الكبرى الوحيدة التي واصلت العمل في فنزويلا بترخيص خاص.
- هذا الأمر يمنح الشركة أفضلية واضحة للاستفادة من أي انفتاح محتمل في صادرات النفط الفنزويلي أو من مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية النفطية.
- انعكس ذلك بالفعل على تداولات سهم شيفرون خلال الأسبوع الحالي.
- شركة كونوكو فيليبس مرشحة أيضاً للاستفادة، لا سيما في ظل مطالبات مالية ومستحقات ضخمة لم تُسوَّ بعد.. أي عودة للاستثمار أو حتى تسويات قانونية قد تنعكس إيجابًا على أداء سهم الشركة في الأسواق.
- إكسون موبيل، باعتبارها من عمالقة النفط العالميين، قد يكون لها دور مؤثر على المدى المتوسط على أقل تقدير، خصوصاً في حال سُمح لها بالعودة إلى النشاط داخل فنزويلا أو تحصيل تعويضات مرتبطة بقضايا تحكيم سابقة.
ويؤكد أن المستفيدين لا يقتصرون على شركات الإنتاج فقط، بل يمتدون إلى شركات الخدمات النفطية ومعدات الطاقة مثل شلومبرجير وغيرها، مشيراً إلى أن هذه الشركات قد تشهد طلباً قوياً نتيجة الحاجة إلى صيانة وتحديث البنية التحتية النفطية المتقادمة في فنزويلا، خاصة مع عودة الاستثمارات الأجنبية واستئناف عمليات الإنتاج.
ويختتم حديثه بالإشارة إلى أن:
- شركات التكرير الأميركية مثل ماراثون بتروليوم وPBF Energy قد تستفيد كذلك، نظراً لقدرتها على معالجة الخام الفنزويلي الثقيل في حال توجيه الإمدادات إلى خليج المكسيك، ما يساهم في خفض تكاليف المواد الخام وتحسين هوامش الربح والتشغيل،.
- بعض شركات الدفاع والصناعات العسكرية قد تستفيد بشكل غير مباشر، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وعدم استقرار المشهد بالكامل في فنزويلا، وهو ما قد ينعكس على الأسواق عبر قنوات ثانوية مرتبطة بطبيعة تطورات الأحداث.
تعويضات
ويذكر تقرير آخر لصحيفة "نيويورك تايمز" أن:
- شركات النفط الغربية تكافح لاسترداد عشرات المليارات من الدولارات التي تقول إن فنزويلا مدينة لها بها.. وهي ديون قد تعقد بشكل كبير جهود الرئيس ترامب لإجبار الشركات الأميركية على إنتاج المزيد من النفط في البلاد.
- تتصدر شركتا إكسون موبيل وكونوكو فيليبس قائمة شركات النفط التي لديها مطالبات مالية كبيرة ضد فنزويلا، التي ألقت القوات الأميركية القبض على رئيسها نيكولاس مادورو خلال عطلة نهاية الأسبوع في كاراكاس.
- كانت شركات النفط الأميركية والأوروبية تمتلك في السابق عمليات كبيرة في فنزويلا، المصنفة كأكبر دولة في العالم من حيث احتياطيات النفط المؤكدة. إلا أن معظم شركات الطاقة الغربية انسحبت من البلاد بعد خلافات مع حكومتها اليسارية، ومنذ ذلك الحين، أدى الفساد وسوء الإدارة والإهمال إلى تراجع كبير في إنتاج النفط.
- تخوض شركات النفط الأجنبية صراعاً منذ عقدين من الزمن للحصول على تعويضات عن إجبارها على مغادرة البلاد في عهد سلف الرئيس مادورو، هوغو تشافيز.
وصرّح مسؤولون تنفيذيون وخبراء في قطاع النفط بأنه إلى حين تسوية هذه الديون، ستتردد هذه الشركات بشدة في استثمار المزيد في البلاد، وهو ما جعله الرئيس ترامب أحد أهدافه الرئيسية لإنعاش الاقتصاد الفنزويلي.
مصافي التكرير
يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الشركات الأكثر استفادة مما يجري في فنزويلا حالياً هي شركات النفط الأميركية.
- المستفيد الأكبر فعلياً هو قطاع مصافي التكرير في الولايات المتحدة.. عدد من المصافي، خصوصًا في خليج المكسيك، جرى تصميمها أساساً لتكرير النفط الفنزويلي الثقيل، وهو ما يجعلها مهيأة تقنيًا للاستفادة فور عودة الإنتاج الفنزويلي وانتعاشه تدريجياً.
بينما يشير على الجانب الآخر، إلى أن الارتفاعات القوية التي سُجلت في بعض الأسهم الفنزويلية في سوق كاراكاس لا تعكس بالضرورة تعافيًا حقيقيًا للاقتصاد أو لقطاع الطاقة.
ويؤكد أن قطاع النفط الفنزويلي يحتاج إلى وقت طويل للتعافي، موضحاً أن هناك تقديرات تشير إلى ضرورة ضخ استثمارات ضخمة وعلى مدى قد يصل إلى عشر سنوات لإعادة القطاع إلى مستوياته السابقة، لا سيما أنه يعاني من تهالك كبير في البنية التحتية. ويُذكّر بأن فنزويلا، رغم امتلاكها أكبر احتياطي نفطي مؤكد عالمياً، كانت تنتج سابقاً أكثر من 3 ملايين برميل يومياً، بينما يتراوح إنتاجها الحالي بين 700 و900 ألف برميل يومياً فقط.
ويشير إلى أن الفائدة الحقيقية للشركات النفطية ستكون على المدى الطويل، في ظل استمرار الضبابية السياسية وعدم وضوح الاتجاه المستقبلي في فنزويلا، وهو ما يقيّد قرارات الاستثمار الكبرى في المرحلة الراهنة.
ويتابع يرق أن بعض الشركات الصينية والإسبانية، إضافة إلى شركات دولية أخرى لا تزال تحتفظ بوجود في فنزويلا، قد تحقق مكاسب متفاوتة في حال تحسن الأوضاع، مؤكدًا أن فنزويلا دولة غنية بالموارد الطبيعية، ليس فقط النفط، بل أيضًا الفحم الحجري والذهب، حيث تُقدَّر احتياطاتها من الذهب بمئات الأطنان.
ويختتم بالقول إن الاستفادة في المرحلة الثانية لن تقتصر على شركات النفط فقط، بل ستشمل أيضًا شركات المصافي وشركات التعدين والموارد الطبيعية، في حال اتجهت البلاد نحو انفتاح اقتصادي أوسع واستقرار سياسي يسمح بإعادة تشغيل هذه القطاعات بشكل فعّال.






