شكوك حول مدى إمكانية استمرار الزخم في وول ستريت
17:10 - 06 يناير 2026تتوقع وول ستريت عاماً محمّلاً بزخم غير مسبوق، وسط ثقة واسعة باستمرار دورة الصعود رغم كل التحديات، وبدعم من مكاسب متتالية، في مشهد يعكس ثقة واسعة باستمرار دورة الصعود رغم كل الاضطرابات.
تعكس هذه الثقة تفاؤلاً عريضاً بإمكان استمرار العوائد المرتفعة، مع رهان متزايد على شركات التكنولوجيا العملاقة وسباق الذكاء الاصطناعي، وسط توقعات بوصول مؤشر S&P500 إلى مستويات قياسية جديدة، ما يضع الأسواق الأميركية على واحدة من أقوى وتيراتها منذ عقود، وفق تقديرات مؤسسات كبرى وبيانات تاريخية.
لكن يتسلل القلق تدريجياً إلى هذا المشهد المشرق، إذ تطرح التقييمات المرتفعة، واحتمالات تباطؤ الأرباح، وتصاعد المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية، أسئلة جوهرية حول متانة هذا الصعود، وما إذا كان زخم وول ستريت قادراً فعلاً على الصمود أمام اختبار الواقع في عام يبدو مشبعاً بالتوقعات وحدود المخاطرة.
في هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن:
- العديد من المستثمرين يشعرون وكأن مؤشر ستاندرد آند بورز 500 يسير على نظام آلي، ولا يلوح في الأفق سوى عوائد متزايدة.
- في العام الماضي، سجل المؤشر القياسي 39 مستوى قياسياً جديداً -بعد 57 مستوى في العام الذي سبقه - محققاً مكاسب سنوية بلغت 16.4 بالمئة.
- تتوقع وول ستريت استمرار الوضع على ما هو عليه هذا العام.
- توقع المحللون الذين استطلعت آراؤهم شركة فاكت سيت ، في المجمل، أن يصل السعر المستهدف لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنهاية عام 2026 إلى 7968.78 نقطة، أي أقل بقليل من 8000 نقطة.
- هذا يعني ارتفاعاً إضافياً بنسبة 16 بالمئة عن إغلاق نهاية العام يوم الأربعاء الماضي عند 6845.50 نقطة، وسيضع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 على أفضل وتيرة له خلال أربع سنوات منذ التسعينيات، وفقاً لبلومبيرغ.
ويشير التقرير إلى أن ثمة شكوك مطروحة؛ فالتقييمات المرتفعة للغاية، خاصةً لما يُسمى بـ"السبعة الرائعة" وهي شركات التكنولوجيا العملاقة المتنافسة بقوة في سباق الذكاء الاصطناعي، تُثير قلق بعض المستثمرين. وقد اجتذب الحماس المفرط للذكاء الاصطناعي مستثمرين من جميع أنحاء العالم. والآن، يطرحون أسئلة أكثر جدية.
ونقل عن رئيسة استراتيجية الأسهم الأميركية في شركة آر بي سي كابيتال ماركتس،لوري كالفاسينا، قولها: "ليس الأمر أنهم يكرهون فجأةً تجارة الذكاء الاصطناعي أو لا يؤمنون بها، لكنني أعتقد بأن هناك صدمةً من ارتفاع التقييمات". ومع ذلك، يتوقع "النموذج الأساسي" الذي وضعته كالفاسينا وفريقها أن ينهي مؤشر ستاندرد آند بورز 500 عام 2026 عند 7750 نقطة.
وقالت إنه على الرغم من أن النموذج لم يستبعد "بعض التقلبات الإضافية"، إلا أنه يتوقع أن يظل التوقع قائماً حتى لو انخفض السوق الإجمالي بنسبة 5 إلى 10 بالمئة.
شهدت أسواق الأسهم موجة بيع حادة في أبريل بعد إعلان الرئيس ترامب فرض تعريفات جمركية قاسية على دول حول العالم. ثم تراجعت الإدارة عن العديد من هذه التعريفات تدريجياً، وانتعشت الأسواق. ورغم هذا التراجع، يواصل مؤشر ستاندرد آند بورز 500 صعوده القوي للعام الرابع على التوالي، مما ساعد عمالقة وول ستريت على تحقيق أرباح طائلة.
استمرار الزخم
من جانبه، يقول المدير التنفيذي لشركة VI Markets، أحمد معطي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" إنه لا يرى تراجعاً في الزخم في وول ستريت خلال العام 2026، بل على العكس يتوقع أن يزداد هذا الزخم، موضحاً أن الولايات المتحدة الأميركية تسعى إلى ذلك، في ظل دعم واضح من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهذا التوجه.
ويضيف: "إدارة ترامب تعمل على إحداث تغييرات داخلية بما يخدم هذا المسار"، مشيراً إلى أن الحفاظ على زخم وول ستريت يُعد من الأهداف الرئيسية. كما سيدعم ذلك الاتجاه تغيير رئيس الاحتياطي الفيدرالي بما يتماشى مع رؤية ترامب، وهو ما يدعم استمرار الزخم في الأسواق.
ويوضح معطي أن هذا الزخم قد يتعرض للضغوط في حال حدوث تباطؤ في نمو أرباح شركات الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي قد يُشكّل خيبة أمل كبيرة للأسواق ويدفعها إلى التراجع. كما يشدد على أن مزيداً من الضعف في سوق العمل، أو صدور بيانات اقتصادية سلبية تعكس تباطؤ نمو الاقتصاد الأميركي، قد يسهم أيضاً في تقليص الزخم.
ويتابع معطي أن تصاعد المخاطر الجيوسياسية والتجارية، لا سيما في حال زيادة التوترات بين الولايات المتحدة والصين، قد يؤدي إلى تراجع الزخم أو على الأقل حدوث تصحيح في الأسواق. ويلفت إلى أن عودة التضخم بقوة تمثل عامل خطر إضافياً، إذ قد يضطر حينها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى تبني سياسات نقدية أكثر تشددًا، حتى وإن جاءت على عكس توجهات ترامب.
وينبه إلى أن التقييمات المرتفعة للأسهم تمثل مصدر قلق للمستثمرين، إذ قد تؤدي إلى زيادة المخاوف لدى المستثمرين الأفراد والمؤسسات، ما قد يضغط على أسعار الأسهم. ويؤكد أن استمرار التقييمات العالية دون نمو حقيقي في الأرباح قد يقود في نهاية المطاف إلى تكوّن فقاعة سعرية.
وينبه إلى إن الأسواق بحاجة إلى ارتفاع فعلي في معدلات النمو والأرباح لتقترب من مستويات التقييم الحالية، موضحاً أنه في حال عدم تحقق ذلك، ستستمر التحليلات والأخبار في التحذير من التقييمات المرتفعة إلى أن تتشكل فقاعة وتنفجر.
البحث عن الفرص
ويشير تقرير لـ "رويترز" إلى أن:
- المستثمرون العالميون سيسعون بنشاط هذا العام إلى البحث عن فرص في قطاعات الأسواق المالية التي لا تحظى بتقييم جيد، حيث تدفع المخاوف المتزايدة بشأن فقاعة الذكاء الاصطناعي المتداولين إلى النظر إلى ما هو أبعد من أسهم التكنولوجيا ذات القيمة العالية، وفقاً لعدد من المحللين.
- شهدت الأسهم الأميركية تقلبات حادة في عام 2025، حيث انخفضت إلى ما يقارب منطقة السوق الهابطة في أبريل عقب فرض الرئيس دونالد ترامب تعريفات جمركية واسعة النطاق، قبل أن تنتعش في نهاية المطاف إلى مستويات قياسية.
- قال المحللون إنه من المتوقع أن يستمر الزخم التصاعدي في عام 2026، على الرغم من أن المستثمرين قد يضطرون إلى أن يكونوا انتقائيين بشأن الأصول التي يختارونها.
- "هذه البيئة مواتية للاستثمار النشط"، هذا ما قاله الاستراتيجيون في معهد بلاك روك للاستثمار.
تفاؤل ظاهري
بدوره، يقول خبير أسواق المال محمد سعيد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"،إن المشهد في وول ستريت خلال عام 2026 يبدو محاطاً بهالة من التفاؤل الظاهري، تستند إلى توقعات بنمو أرباح الشركات بنحو 15 بالمئة، لا سيما في قطاع التكنولوجيا، مدعوماً بوعود الذكاء الاصطناعي.
ويضيف أن هذا الزخم القوي يقف في الواقع على أرضية هشة قد لا تتحمل ثقل التوقعات المرتفعة، إذ إن الأسواق قامت بالفعل بتسعير سيناريوهات مثالية تفترض خفضاً للفائدة ونمواً اقتصادياً مستقراً، في حين أن الواقع يحمل في طياته مخاطر حقيقية قد تقلب المشهد رأساً على عقب.
ويشير سعيد إلى أن أخطر هذه المخاطر يتمثل في احتمال انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي، التي تضخمت بصورة مقلقة، حيث يجري إنفاق مئات المليارات على البنية التحتية لهذه التقنية دون ضمانات واضحة لتحقيق عوائد مالية تتناسب مع هذا الحجم الضخم من الاستثمارات. ويوضح أنه في حال بدأ المستثمرون في التشكيك بجدوى هذه النفقات، أو تعثرت شركات كبرى في تحقيق الأرباح المنتظرة، فإن الأسواق قد تشهد تصحيحاً سعرياً عنيفاً يطيح بالتقييمات الفلكية لقطاع التكنولوجيا الذي قاد موجة الارتفاعات الأخيرة.
ويتابع أن المخاطر لا تقتصر على قطاع التكنولوجيا فقط، بل تمتد إلى أساسيات الاقتصاد الكلي، حيث تصطدم الصورة الوردية بواقع تضخم عنيد لا يزال أعلى من مستهدف 2 بالمئة، ما يضع الاحتياطي الفيدرالي في مأزق حقيقي ويجعل مسار خفض الفائدة ضبابياً ومعقداً، خاصة في ظل الانقسام داخل الفيدرالي حول توقيت وحجم التيسير النقدي. ويؤكد أن استمرار أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول سيضغط على هوامش أرباح الشركات، ويرفع تكلفة الاقتراض، ويجعل السندات خيارًا أكثر جاذبية، ما يسحب السيولة من أسواق الأسهم.
ويضيف سعيد أن المخاطر السياسية تزيد من تعقيد المشهد، سواء عبر التدخلات المحتملة في استقلالية البنك المركزي، أو شبح الإغلاق الحكومي وأزمات سقف الدين، وهو ما يرفع علاوة المخاطر في وقت يحتاج فيه المستثمرون إلى قدر أكبر من اليقين والاستقرار.
ومن زاوية أخرى، يوضح أن المستهلك الأميركي، وهو المحرك الرئيسي للاقتصاد، بدأ يُظهر علامات تعب واضحة، مع تباطؤ سوق العمل وتراجع وتيرة خلق الوظائف وارتفاع البطالة تدريجياً، ما ينعكس سلباً على الثقة الاستهلاكية.






