كيف تسعى إيران لتسييل مضيق هرمز؟
14:56 - 27 مارس 2026ذكرت صحيفة فاينانشال تايمز أن إيران تعمل على إنشاء نظام جديد للمرور المعتمد للسفن عبر مضيق هرمز، في خطوة تعكس تشديدًا لسيطرتها على هذا الممر البحري الحيوي، وسط مؤشرات من طهران إلى أن هذه الترتيبات قد تستمر حتى بعد انتهاء حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويمثل مضيق هرمز أحد أهم شرايين التجارة العالمية، إذ كان يمر عبره نحو 20 بالمئة من صادرات النفط العالمية قبل أن تقدم إيران، مع اندلاع الحرب، على إغلاقه أمام معظم حركة الشحن.

تحذيرات أميركية وموقف إيراني متصلّب
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد طالب مرارًا طهران بإعادة فتح المضيق، محذرًا من عواقب استمرار الإغلاق. وفي أحدث تصعيد، منح ترامب، مساء الخميس، إيران مهلة إضافية حتى 6 أبريل لفتح المضيق، ملوّحًا باستهداف بنيتها التحتية لقطاع الطاقة في حال عدم الامتثال.
في المقابل، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية هذا الأسبوع أن السفن "غير المعادية" فقط ستُسمح لها بالعبور، وذلك "بالتنسيق مع الجهات الإيرانية المختصة"، مؤكدة أن السفن الأميركية أو الإسرائيلية أو أي أطراف أخرى "مشاركة في الحرب" لن يُسمح لها بالمرور.
"نظام جديد" للمضيق بعد الحرب
وأشار وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى أن بلاده تعتزم فرض "نظام جديد" لإدارة المرور في المضيق بعد انتهاء الحرب، مؤكدًا أن إيران تمارس سيادتها عليه "حتى لو أراد البعض اعتباره مياهًا دولية".
وقال عراقجي، في حديث للتلفزيون الرسمي الإيراني يوم الأربعاء: "نسعى في المستقبل إلى إرساء ترتيبات جديدة لعبور آمن".
مخاوف واسعة لقطاع الشحن العالمي
وتثير هذه التصريحات تساؤلات بعيدة المدى بشأن إمكانية الوصول إلى أحد أهم طرق الملاحة في العالم، فضلًا عن تحديات عملية تواجه شركات الشحن.
ويمتد مضيق هرمز بعرض لا يتجاوز 21 ميلًا بحريًا في أضيق نقاطه، وهو مقسوم بين المياه الإقليمية الإيرانية والعُمانية. إلا أن انحناءه الحاد، وسلسلة الجبال الممتدة على الجانب الإيراني، يمنحان الحرس الثوري الإيراني رؤية مباشرة وسهلة لاستهداف السفن العابرة.
وقال توم شارب، القائد البحري البريطاني السابق: "إنه المضيق الأقل استقامة على الإطلاق. عندما تعبره، تأتيك التهديدات من جميع الاتجاهات".
انهيار حركة المرور البحرية
قبل اندلاع النزاع، كانت نحو 135 سفينة تعبر المضيق يوميًا. لكن منذ الضربات الأميركية–الإسرائيلية الأولى على إيران، تراجعت حركة الملاحة إلى حد شبه كامل.
ووفقًا لبيانات S&P Global، لم يُسجَّل بين الأول و25 من مارس سوى 116 رحلة عبور، بانخفاض نسبته 97 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من شهر فبراير.
رسوم باهظة لضمان المرور الآمن
وأظهرت البيانات أن السفن التي تمكنت من العبور تعود في معظمها إلى شركات صينية أو هندية أو من دول الخليج، في حين كانت عدة سفن جزءًا من "الأسطول الخفي" الخاضع لعقوبات غربية بسبب نقله النفط الإيراني.
ونقلت صحفية فاينانشال تايمز عن لويدز ليست إنتليجنس "Lloyd’s List Intelligence" ومصدر، أن بعض السفن دفعت ما يصل إلى مليوني دولار لإيران مقابل ضمان المرور الآمن عبر الخليج.
وأكد علاء الدين بروجردي، عضو بارز في البرلمان الإيراني، في تصريحات للتلفزيون الرسمي يوم الأحد، أن أي سفينة تعبر هذا الممر الاستراتيجي تدفع رسومًا قدرها مليونا دولار، مضيفًا: "يتم تطبيق نظام جديد في هذا الممر المائي".
يشير مسؤولون إيرانيون إلى أن فرض رسوم على الممرات المائية ليس أمرًا جديدًا:
- الدنمارك كانت تفرض لقرون رسومًا على السفن العابرة لمضائقها
- تم إلغاء هذه الرسوم عام 1857
- كما يُستشهد بـقناة السويس كنموذج لممر مائي مدفوع (مع التأكيد بأنه استشهاد يخالف القانون الدولي باعتبار قناة السويس يقع على كلا الجانبين ضمن الأراضي المصرية)
وقال يحيى آل إسحاق، رئيس غرفة تجارة طهران: "إيران كانت متساهلة أكثر من اللازم"، مضيفًا أن فرض رسوم قد يدر 70 إلى 80 مليار دولار سنويًا.
تنسيق مباشر وتصاريح عبور خاصة
وقال مارتن كيلي، رئيس قسم الاستشارات في مجموعة إي أو إس لإدارة المخاطر، وهي شركة متخصصة في إدارة الأزمات، إن عملية الموافقة تضمنت مفاوضات بين حكومتي إيران عبر سفاراتها في الدول المعنية.
وبحسب كيلي، تحصل السفينة بعد الموافقة على رمز خاص تقوم ببثه عبر قناة VHF 16 — التردد الدولي للطوارئ — عند اقترابها من المضيق، فيما تقوم السلطات الإيرانية بمراجعة وثائقها، بما في ذلك وجهة الشحنة وجنسية الطاقم.
تحول في مسارات الشحن العالمية
تُظهر بيانات تتبع السفن أن الشحنات التي عبرت المضيق منذ اندلاع المواجهات لم تكن متجهة إلى الولايات المتحدة أو أوروبا، بل توجهت معظمها إلى شرق آسيا، مع بعض الشحنات نحو شرق أفريقيا وأميركا الجنوبية.
كما أن السفن تسلك مسارًا يقع بالكامل داخل المياه الإقليمية الإيرانية بدلًا من الممرات البحرية التقليدية، ما يتيح لطهران التحقق بصريًا من تفاصيل السفن، رغم استهداف منشآتها الرادارية من قبل الولايات المتحدة.
قيود قانونية دولية على تحركات إيران
رغم ذلك، يؤكد خبراء قانونيون أن الوضع القانوني لمضيق هرمز مختلف.
وأوضحت يوهانا هيالمارسون، أستاذة القانون البحري في جامعة ساوثهامبتون، أن إيران — باعتبارها دولة ساحلية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار — يحق لها:
- تنظيم حركة المرور
- تعليق العبور لأسباب أمنية
لكن لا يحق لها:
- عرقلة "المرور البريء"
- التمييز بين السفن التابعة لدول مختلفة
ورغم أن إيران والولايات المتحدة ليستا طرفين في الاتفاقية، فإن قواعدها تُعد مرجعًا دوليًا ملزمًا عرفيًا.
مخاطر فقدان أهمية المضيق
يحذر دبلوماسيون من أن سعي إيران لفرض سيطرة مشددة على المضيق قد يؤدي على المدى الطويل إلى تقليص أهميته الاستراتيجية.
وقال أحد الدبلوماسيين: "إذا بدأت إيران في تصنيف السفن المسموح لها أو الممنوعة، فإن دول الخليج ستبحث عن بدائل، مثل خطوط الأنابيب".









