ما الدور الذي يلعبه الـ AI في "حروب أميركا"؟
11:35 - 03 مارس 2026
يتقدّم الذكاء الاصطناعي إلى قلب المشهد العسكري العالمي، انتقالاً من كونه أداة مساندة إلى فاعل مؤثر يعيد رسم خرائط القوة والنفوذ، في وقت تكشف فيه تقارير عن استخدام الجيش الأميركي نموذج "كلود" التابع لشركة Anthropic ضمن عملياته، رغم قرار الرئيس ترامب قطع العلاقات مع الشركة.
يسلط هذا التناقض بين القرار السياسي والواقع العملياتي الضوء على مدى تغلغل أدوات الذكاء الاصطناعي في البنية العسكرية الأميركية، وصعوبة انتزاعها سريعاً من منظومة باتت تعتمد عليها في التحليل والتخطيط وإدارة المعارك.
في المقابل، لا ينفصل هذا التطور عن سباق دولي محموم لإعادة تعريف مفهوم التفوق الاستراتيجي.
- استخدم الجيش الأميركي نموذج الذكاء الاصطناعي "كلود" التابع لشركة "أنثروبيك" لتوجيه هجومه على إيران، وذلك على الرغم من قرار الرئيس دونالد ترامب بقطع جميع العلاقات مع الشركة وأدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها.
- أفادت صحيفة وول ستريت جورنال وموقع أكسيوس باستخدام نظام كلود خلال القصف الأميركي الإسرائيلي المشترك المكثف على إيران الذي بدأ يوم السبت .
- يؤكد هذا -بحسب الغارديان البريطانية- مدى تعقيد سحب الجيش الأميركي لأدوات الذكاء الاصطناعي القوية من مهامه، في حين أن هذه التقنية مُدمجة بالفعل بشكل معقد في العمليات.
- وفقاً لـ "وول ستريت جورنال"، استخدمت القيادة العسكرية الأميركية هذه الأدوات لأغراض استخباراتية، فضلاً عن المساعدة في اختيار الأهداف وإجراء عمليات محاكاة ساحة المعركة.
يوم الجمعة، وقبل ساعات فقط من بدء الهجوم الإيراني، أمر ترامب جميع الوكالات الفيدرالية بالتوقف فوراً عن استخدام برنامج كلود. وندد بشركة أنثروبيك على موقع تروث سوشيال واصفاً إياها بأنها "شركة ذكاء اصطناعي يسارية متطرفة يديرها أشخاص يجهلون تماماً حقيقة العالم"".
اندلع هذا الجدل الحاد بعد استخدام الجيش الأميركي لروبوت "كلود" في غارته للقبض على رئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو، في يناير. واعترضت شركة "أنثروبيك" مشيرةً إلى شروط استخدامها التي لا تسمح باستخدام "كلود" لأغراض عنيفة، أو لتطوير أسلحة، أو لأغراض المراقبة.
منذ ذلك الحين، تدهورت العلاقات بين ترامب والبنتاغون وشركة الذكاء الاصطناعي بشكل مطرد. وفي منشور مطول على موقع إكس يوم الجمعة، اتهم وزير الدفاع، بيت هيغسيث، شركة أنثروبيك بـ"الغطرسة والخيانة"، مضيفاً أن "المقاتلين الأميركيين لن يكونوا رهائن لأهواء شركات التكنولوجيا الكبرى الأيديولوجية".
وطالب هيغسيث بالوصول الكامل وغير المقيد إلى جميع نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بشركة أنثروبيك لكل غرض قانوني. لكن وزير الدفاع أشار أيضاً إلى صعوبة فصل الأنظمة العسكرية بسرعة عن أداة الذكاء الاصطناعي، نظراً لانتشار استخدامها الواسع. وقال إن شركة أنثروبيك ستواصل تقديم خدماتها "لمدة لا تتجاوز ستة أشهر، وذلك لضمان انتقال سلس إلى خدمة أفضل وأكثر وطنية".
منذ انفصالها عن شركة أنثروبيك، دخلت شركة أوبن إيه آي المنافسة على الساحة. وصرّح سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي، بأنه توصل إلى اتفاق مع البنتاغون لاستخدام أدوات الشركة، بما في ذلك برنامج ChatGPT، في شبكته السرية.
الـ AI عنصر أساسي
يقول خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي من جامعة سان هوزه الحكومية بكاليفورنيا، الدكتور أحمد بانافع، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- العالم يشهد تحوّلاً جذرياً في طبيعة القوة العسكرية.
- "في أقل من عقد، انتقل الذكاء الاصطناعي من مختبرات البحث وشركات التكنولوجيا إلى غرف العمليات العسكرية، ليصبح عنصراً أساسياً في منظومات التخطيط وتحليل المعلومات وإدارة العمليات الميدانية".
- التقارير التي تحدثت عن استعانة جهات عسكرية أميركية بنموذج "كلود" التابع لشركة Anthropic تعكس واقعاً جديداً يتمثل في دخول النماذج اللغوية المتقدمة إلى السياقات الأمنية الحساسة، رغم وجود قيود سياسية سابقة على بعض الاستخدامات العسكرية للذكاء الاصطناعي.
ويشدد بانافع على ضرورة التمييز بين نوعين من الاستخدامات العسكرية للذكاء الاصطناعي:
- الأول استخدام تحليلي داعم يشمل تلخيص التقارير، وتحليل صور الأقمار الصناعية، وفرز كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية.
- أما الثاني فهو الاستخدام القتالي المباشر، حيث يتخذ النظام قرار الضربة أو توجيه السلاح بشكل مستقل.
ويضيف: "حتى الآن، تشير المعطيات إلى أن النماذج التوليدية تُستخدم غالباً في الإطار التحليلي، بينما يظل القرار النهائي بيد القيادات العسكرية البشرية".
ويؤكد أن الحروب الحديثة أصبحت حروب بيانات بامتياز؛ إذ تنتج الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة وأنظمة الاستشعار كماً هائلاً من المعلومات في كل دقيقة، ما يجعل التحليل البشري وحده غير كافٍ لمواكبة سرعة الأحداث. ويلفت إلى أن الأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل صور معقدة خلال ثوانٍ، واكتشاف أنماط غير مرئية للعين البشرية، وتقديم سيناريوهات سريعة لصناع القرار، وهو ما قد يكون الفارق الحاسم في ساحات القتال المتغيرة.
سباق الخوارزميات
وفي سياق متصل، يشدد بانافع على أن سباق التسلح لم يعد يقتصر على الصواريخ والطائرات، بل أصبح سباقًا في الخوارزميات والقدرة الحاسوبية، حيث تستثمر قوى كبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا مليارات الدولارات في أنظمة دفاعية وهجومية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، من الطائرات المسيّرة ذاتية التشغيل إلى أنظمة الحرب السيبرانية الذكية.
ويوضح أن القوة العسكرية في القرن الحادي والعشرين لم تعد تقاس فقط بعدد الدبابات أو حاملات الطائرات، بل بقدرة الدولة على امتلاك بيانات ضخمة وعالية الجودة، وبنية تحتية حاسوبية متقدمة، وخوارزميات قادرة على التعلم والتكيف المستمر.
وفيما يتعلق بالإشكاليات القانونية والأخلاقية، يقول إن التحدي الأكبر يتمثل في غياب إطار دولي ملزم ينظم استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل بشكل كامل، رغم النقاشات المستمرة داخل الأمم المتحدة ومراكز الأبحاث العالمية. ويضيف: "تبقى الأسئلة الجوهرية مطروحة: من يتحمل المسؤولية عند وقوع خطأ؟ وهل يمكن للآلة التمييز بدقة بين هدف عسكري ومدني في بيئات معقدة؟".
ويختتم تصريحه بالتأكيد على أن:
- الذكاء الاصطناعي لن يلغي دور الجندي أو القائد، لكنه يعيد تعريف طبيعة القوة العسكرية.
- "كما غيّرت الثورة الصناعية شكل الحروب، وكما غيّرت الطائرات والدبابات معادلات القرن العشرين، فإن الذكاء الاصطناعي يمثل اليوم عامل التحول الأكبر".
- الدولة التي تمتلك التفوق في البيانات والحوسبة والبرمجيات الذكية ستحصل على ميزة استراتيجية واضحة، لكن الموازنة بين التطور التقني والضبط الأخلاقي ستظل التحدي الأبرز في عصر حروب الخوارزميات.
مخاوف
في هذا السياق، يشير تقرير لـ Theconversation إلى أن جانباً كبيراً من المخاوف المتعلقة بالتطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي تركّز على أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل القاتلة. وهي أجهزة وبرمجيات قادرة على اختيار الأهداف ومهاجمتها دون تدخل بشري.
وقبل بضع سنوات فقط، بدا أن إجماعاً دولياً بشأن مخاطر هذه الأسلحة كان يتبلور بين الحكومات وشركات التكنولوجيا.
في فبراير 2020 أعلنت وزارة الدفاع الأميركية مبادئ لاستخدام الذكاء الاصطناعي عبر مختلف قطاعات المؤسسة، مؤكدة أنه ينبغي أن يكون الاستخدام مسؤولاً، ومنصفاً، وقابلاً للتتبع، وموثوقاً، وخاضعاً للحوكمة.
وبالمثل، صاغ حلف شمال الأطلسي في عام 2021 مبادئ مماثلة، كما فعلت المملكة المتحدة في عام 2022.
ويشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة تضطلع بدور قيادي فريد بين حلفائها الدوليين في صياغة المعايير العالمية المتعلقة بالسلوك العسكري. وقد بعثت هذه المبادئ برسالة إلى دول مثل روسيا والصين والبرازيل والهند حول الكيفية التي ترى بها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضرورة تنظيم الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي.
لاعب مباشر
من جانبه، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في Cedra Markets جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- قطاع الذكاء الاصطناعي بات لاعباً مباشراً في المعادلة الجيوسياسية، ولم يعد مجرد قطاع تكنولوجي تقليدي.
- الأسواق شهدت خلال الفترات الأخيرة نماذج واضحة على استفادة بعض الشركات من توظيف أنظمة الذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية والدفاعية.
ويشير إلى الارتفاعات التي سجلها سهم Palantir Technologies مع بداية الحرب الإسرائيلية على غزة، في ظل الحديث عن مساهمتها في دعم الأنظمة التحليلية والاستخباراتية.
ويضيف أن شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، مثل Anthropic، دخلت أيضاً في إطار الاستخدامات المرتبطة بالمؤسسات الدفاعية الأميركية، ما يعكس حجم الطلب المتزايد على هذه التقنيات في القطاعات العسكرية، سواء في تحليل البيانات أو دعم القرارات العملياتية.
ويشير يرق إلى أن طبيعة الحروب الحديثة تغيرت جذرياً، حيث أصبح العامل التكنولوجي عنصراً حاسماً في ترجيح الكفة، لافتاً إلى أن أي نظام ذكاء اصطناعي يثبت فعاليته ميدانياً يتحول فوراً إلى منتج استراتيجي عليه طلب إضافي، خصوصًا من قبل وزارة الدفاع الأميركية وحلفائها.
كما يوضح أن التطورات الأخيرة في المنطقة، بما فيها العمليات النوعية والاغتيالات السياسية، تزيد من احتمالات استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات وتحليلها واتخاذ القرار، وهو ما يعزز شهية المستثمرين تجاه هذا القطاع على المدى القصير.
مخاطر مالية
لكن في المقابل، يحذر يرق من المخاطر المالية التي تحيط بالقطاع، مشيراً إلى أن أي ركود اقتصادي محتمل أو تشدد ائتماني قد يضغط بقوة على تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي، خاصة في ظل المخاوف المتعلقة بارتفاع الديون وكلفة التمويل. وأضاف أن استمرار السياسة النقدية المتشددة من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أو العودة لرفع أسعار الفائدة مستقبلًا، قد يخلق بيئة أكثر صعوبة أمام الشركات الناشئة وصغار المستثمرين في القطاع.
ويختم حديثه بالقول إن المرحلة المقبلة ستشهد تمايزاً واضحاً داخل قطاع الذكاء الاصطناعي؛ فالشركات الكبرى ذات التدفقات النقدية القوية ستتمكن من الصمود والتوسع، بينما قد تواجه الشركات الصغيرة ضغوطًا تمويلية حادة إذا استمرت معدلات التضخم مرتفعة وتشددت شروط الإقراض، ما قد يؤدي إلى موجة اندماجات أو خروج بعض اللاعبين من السوق.




