إلى أي مدى تتأثر طوكيو بتداعيات حرب إيران؟
13:05 - 29 أبريل 2026
تُظهرُ أحدث البياناتُ أن الاقتصاد الياباني يواصل تسجيل أداء تجاري قوي، مدفوعاً بزخم الصادرات وتنامي الطلب العالمي، رغم بيئة دولية تتسم بقدر متزايد من عدم اليقين.
يعكس هذا التماسك الظاهري قدرة لافتة على التكيّف، لكنه يخفي في طيّاته اختلالات كامنة مرتبطة بارتفاع كلفة الواردات وتقلبات أسواق الطاقة.
تسلط التطورات الجيوسياسية، وعلى رأسها التوترات في الشرق الأوسط، ضغوطاً متصاعدة على ثاني أكبر اقتصاد في آسيا، في ظل اعتماده الهيكلي على واردات النفط. ومع تصاعد المخاطر على سلاسل الإمداد وطرق الشحن الحيوية، تتزايد التحديات أمام الشركات اليابانية التي تواجه ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج وتآكلاً في الهوامش الربحية.
تضع هذه المعطيات صنّاع السياسات النقدية أمام معادلة دقيقة، بين احتواء التضخم المدفوع بعوامل خارجية والحفاظ على وتيرة النمو الاقتصادي. وبينما يواصل البنك المركزي نهجه الحذر، تلوح في الأفق سيناريوهات أكثر تعقيداً، قد تدفع الاقتصاد الياباني نحو مرحلةٍ تتقاطع فيها ضغوط الركود مع تسارع الأسعار.
الصادرات والواردات
ويشير تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن:
- صادرات وواردات اليابان استمرت في الارتفاع خلال شهر مارس، على الرغم من أن توقعاتها في الأشهر المقبلة لا تزال غامضة بسبب الصراع في الشرق الأوسط.
- أظهرت بيانات حكومية صدرت يوم الأربعاء ارتفاع الصادرات في مارس بنسبة 11.7 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
- وبذلك، امتدت سلسلة المكاسب للشهر السابع على التوالي، متجاوزةً بذلك كلاً من ارتفاع فبراير البالغ 4.0 بالمئة وتوقعات الزيادة البالغة 11 بالمئة التي وردت في استطلاع رأي أجرته شركة LSEG المتخصصة في البيانات الاقتصادية.
- ارتفعت الواردات بنسبة 10.9 بالمئة، وهي نسبة أعلى قليلاً من الزيادة التي بلغت 10.3 بالمئة في شهر فبراير.
ومع ذلك، بحسب التقرير، لا تزال التوقعات التجارية للبلاد غير مؤكدة بالنظر إلى أن حرب إيران بدأت في أواخر فبراير وأن العديد من السفن التي وصلت في مارس كانت قد غادرت الشرق الأوسط قبل بدء الأعمال العدائية.
- تعتمد اليابان على الشرق الأوسط في الغالبية العظمى من نفطها، وهي عرضة للاضطرابات في طرق الشحن المتصلة بمضيق هرمز، وهو ممر مائي رئيسي تم إغلاقه فعلياً بسبب الصراع.
- تؤدي اضطرابات تدفق الطاقة والسلع الأساسية الأخرى إلى تآكل أرباح الشركات، حيث يؤدي النقص في هذه السلع إلى ارتفاع التكاليف بالنسبة للشركات اليابانية. وقد يؤثر ذلك سلباً على الانتعاش الاقتصادي للبلاد.
كما أن ارتفاع أسعار الطاقة يُنذر بتسارع التضخم العام، في حين أن الطلب على الدولار كملاذ آمن قد أدى إلى ضعف الين، مما زاد من فاتورة الواردات اليابانية.
تأثيرات
يقول المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- التأثيرات على الاقتصاد الياباني، وتحديداً في طوكيو، باتت ملموسة، لكنها لم تصل حتى الآن إلى مستوى الأزمة الحادة أو الكارثية.
- اليابان تظل عرضة لمخاطر كبيرة نتيجة اعتمادها شبه الكامل على استيراد احتياجاتها من الطاقة، ما يجعلها شديدة الحساسية لارتفاع أسعار النفط، وهو ما ينعكس مباشرة في اتساع العجز التجاري وارتفاع معدلات التضخم.
وفي المقابل، يشير الرفاعي إلى أن الصادرات اليابانية أظهرت أداءً قوياً ومفاجئاً، حيث سجلت نمواً بنحو 11.7 بالمئة (إلى مستوى قياسي بلغ 11,003.3 مليار ين) على أساس سنوي في مارس 2026، مدعومة بزيادة الطلب العالمي على أشباه الموصلات والمعدات المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويشدد على أن تداعيات الحرب تمثل تحدياً متصاعداً أمام الآفاق التجارية لليابان، إلا أنها، حتى الآن، تقتصر على إبطاء وتيرة النمو الاقتصادي دون أن تؤدي إلى انهيار شامل.
معدل الفائدة
وأبقى البنك المركزي الياباني معدل الفائدة الرئيسي ثابتاً عند 0.75 بالمئة يوم الثلاثاء، بينما قام بمراجعة تقديرات التضخم بالزيادة مع تصاعد مخاطر جانب العرض نتيجة للحرب الإيرانية.
جاء قرار الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة بتصويت منقسم بنتيجة 6-3، وهو ما يتوافق مع تقديرات المحللين الذين استطلعت رويترز آراءهم. واقترح الأعضاء المعارضون رفع سعر الفائدة إلى 1 بالمئة، بحجة أن التوترات في الشرق الأوسط قد حوّلت مخاطر الأسعار نحو الارتفاع.
فيما خفض بنك اليابان توقعاته للنمو خلال السنة المالية 2026 من 1 بالمئة إلى 0.5 بالمئة، ورفع توقعاته للتضخم الأساسي بشكل حاد من 1.9 بالمئة إلى 2.8 بالمئة. وحدد البنك هدفه الرئيسي للتضخم عند 2 بالمئة.
وحذر البنك من أن النمو الاقتصادي في اليابان من المرجح أن يتباطأ حيث من المتوقع أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط الخام بسبب أزمة الشرق الأوسط إلى تقليص أرباح الشركات ودخول الأسر الحقيقية "من خلال عوامل مثل تدهور شروط التبادل التجاري".
ونقلت شبكة "سي إن بي سي" الأميركية عن رئيس قسم الاقتصاد الياباني في مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس، شيجيتو ناجاي، قوله:
- إن "وضعاً يشبه الركود التضخمي الخفيف جداً قد يحدث هذا العام" بالنسبة لليابان.
- الدخل الحقيقي المتاح كان سلبياً "لفترة من الوقت".. من المتوقع أن تشهد البلاد نمواً راكداً وتضخماً يتجاوز 2 بالمئة.
من جانبه، يقول كبير محللي الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" أن:
تأثير الحرب على الاقتصاد الياباني أعمق بكثير مما يبدو.
- اليابان لا تواجه فقط أزمة طاقة، بل معادلة اقتصادية معقدة تجمع بين ارتفاع التضخم، ضعف الين، وضغوط على النمو.
- الاقتصاد الياباني يعتمد بشكل هيكلي على واردات الطاقة من الخارج، حيث تأتي نحو 90 بالمئة من واردات النفط من منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يجعل أي اضطرابات جيوسياسية أو انقطاع في الإمدادات تهديداً مباشراً لأمنه الاقتصادي.
- أي تصعيد عسكري ينعكس فوراً في ارتفاع تكاليف الوقود والكهرباء والنقل، ما يرفع بدوره كلفة الإنتاج على الشركات اليابانية، خصوصاً في قطاعات رئيسية مثل صناعة السيارات والصناعات التحويلية.
ويشير إلى أن الحرب تضع اليابان في مأزق اقتصادي حقيقي، إذ إن التضخم الحالي مدفوع بشكل كبير بارتفاع أسعار الطاقة وليس بقوة الطلب المحلي، وهو ما يُعرف بالتضخم المستورد. ويلفت إلى أن بنك اليابان لا يزال يحافظ على أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة، رغم تزايد الأصوات داخل البنك المطالبة برفعها، في ظل القلق من استمرار الضغوط التضخمية.
ويضيف أن رفع أسعار الفائدة بشكل سريع قد يضغط على النمو الاقتصادي، في حين أن التأخر في اتخاذ هذه الخطوة يؤدي إلى مزيد من ضعف الين، وهو ما يزيد من تكلفة الاستيراد، خاصة أن اليابان تسدد قيمة وارداتها من النفط والغاز بالدولار. ويؤكد أن تراجع العملة يفاقم الضغوط على الميزان التجاري ويقلص هوامش أرباح الشركات التي لا تستطيع تمرير ارتفاع التكاليف إلى المستهلك.
وفيما يتعلق بإجراءات الحكومة، يوضح أنها تحاول امتصاص الصدمة عبر استخدام الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط وتقديم دعم لأسعار الوقود، إلا أن هذه الإجراءات تظل قصيرة الأجل ولا تمثل حلاً دائماً.
ويشير إلى أن الأسواق، خاصة أسواق الأسهم، تراقب عن كثب تطورات أسعار النفط وتداعياتها على أرباح الشركات والصادرات، لافتاً إلى أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين سيؤثر سلباً على نتائج الأعمال.
ويختتم صليبي حديثه بالتحذير من أن السيناريو الأكثر إزعاجاً لليابان يتمثل في الدخول في حالة "ركود تضخمي"، حيث يتباطأ النمو الاقتصادي بالتزامن مع استمرار ارتفاع التضخم، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً لصناع السياسات في المرحلة المقبلة.
سيناريو الركود
وتجنبت اليابان بصعوبة الركود التقني في الربع الأخير من عام 2025، حيث نما اقتصاد البلاد بنسبة 0.3 بالمئة على أساس ربع سنوي و1.3 بالمئة على أساس سنوي بعد تعديل النسبة.
تسارع التضخم في اليابان لأول مرة منذ خمسة أشهر ، حيث ارتفع إلى 1.8 بالمئة في مار ، مع تصاعد المخاوف بشأن أسعار الطاقة نتيجة الحرب مع إيران. وقد ألغت اليابان الضرائب على البنزين وقدمت دعماً حكومياً في محاولة للتخفيف من آثار ارتفاع أسعار النفط.
بلغ معدل التضخم الرئيسي 1.5 بالمئة، مقارنة بـ 1.3 بالمئة في فبراير، وظل أقل من هدف البنك المركزي البالغ 2 بالمئة للشهر الثاني على التوالي.
انخفض معدل التضخم ”الأساسي” الذي يستثني أسعار كل من المواد الغذائية الطازجة والطاقة، إلى 2.4 بالمئة من 2.5 بالمئة في فبراير، مسجلاً أدنى مستوى له منذ أكتوبر 2024.
وقال بنك اليابان: "من المتوقع أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط الخام إلى ارتفاع الأسعار، وخاصة أسعار الطاقة والسلع، مع استمرار التحركات الرامية إلى تمرير زيادات الأجور إلى أسعار البيع"، بحسب ما نقلته شبكة "سي إن بي سي" الأميركية.






