هل تدفع حرب إيران الاقتصاد الأميركي نحو الركود التضخمي؟
09:22 - 18 مارس 2026
لم تعد أسواق الطاقة العالمية والدوائر الاقتصادية في واشنطن تنظر إلى الصراع في الشرق الأوسط كحدث سياسي عابر، بل كصدمة هيكلية تعيد صياغة مخاوف اقتصادية ظن الكثيرون أنها طويت مع حقبة السبعينيات. فبينما كان القلق العام الماضي يتركز على "الحروب التجارية" والتعرفات الجمركية المتبادلة، فرضت حرب إيران واقعاً جديداً يتجاوز حدود الضرائب ليضرب عصب الإمدادات الحيوية.
إن حالة الترقب التي تسود وول ستريت اليوم تنبع من حقيقة أن الارتفاع الحاد والمستدام في أسعار النفط، تزامناً مع هشاشة سوق العمل، يضع الاحتياطي الفيدرالي أمام معضلة تاريخية بين كبح التضخم ودعم النمو. هذا المشهد المعقد يعيد إلى الأذهان مصطلح "الركود التضخمي" الذي يجمع بين أسوأ كابوسين اقتصاديين: الأسعار الملتهبة والركود الخانق.
أمام هذا الواقع المتأزم، تبرز التساؤلات الأكثر إلحاحاً: لماذا تُعيد تداعيات حرب إيران شبح الركود التضخمي للأسواق الأميركية؟ وبين التعرفات والنفط.. هل يواجه الاقتصاد الأميركي حقاً كابوس الركود التضخمي؟
ويرى خبراء اقتصاد، في تصريحات خاصة لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، أن الحرب الحالية تمثل "صدمة ثانية" تُفاقم حالة عدم اليقين وتضع الاقتصاد الأميركي أمام "أسوأ سيناريو محتمل" للركود التضخمي، حيث يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الله الشناوي أن تداعيات الصراع تُقيد قدرة الاحتياطي الفيدرالي على خفض الفائدة خشية اشتعال الأسعار، مما يهدد بتآكل مستويات المعيشة وتضرر سوق العمل بشكل أعمق.
ويتفق معه الخبير الاقتصادي الدكتور عماد الدين المصبح مؤكداً أن المشهد يجسد "صدمة مزدوجة" ناتجة عن تضخم مدفوع بالتكلفة (Cost-Push) وليس زيادة الطلب، وهو ما يمثل الجوهر الكلاسيكي للركود التضخمي، وينذر بانزلاق الولايات المتحدة نحو مسار يعيد إحياء هذا الكابوس التاريخي نتيجة تقاطع ارتفاع تكاليف الطاقة مع هشاشة سوق العمل وتراجع زخم الاستثمار.
ما هو الركود التضخمي؟
يحدث الركود التضخمي عندما يجتمع تباطؤ في النمو مع ارتفاع في معدلات البطالة وتسارع في التضخم. وقد صاغ السياسي البريطاني "إيان ماكليود" هذا المصطلح في عام 1965، جامعاً بين كلمتي "الركود" و"التضخم". وكان العديد من الاقتصاديين يشكون سابقاً في إمكانية حدوثه، لأن تباطؤ الطلب عادةً ما يحد من قدرة الشركات على رفع أسعار السلع والخدمات، مما يضع سقفاً للأسعار. ومع ذلك، يمكن أن يحدث إذا واجه الاقتصاد ضغوطاً تصاعدية جديدة على الأسعار - مثل الرسوم الجمركية أو صدمات إمدادات النفط - التي لا تنتج عن زيادة الطلب.
بين صدمات السبعينيات والواقع الراهن
وبحسب تقرير نشرته وكالة "بلومبرغ" واطلعت عليه "سكاي نيوز عربية"، فإن التوترات الجيوسياسية الراهنة أعادت صياغة خارطة المخاطر في الأسواق الأميركية، حيث لم يعد القلق مرتبطاً بالسياسات الحمائية أو الرسوم الجمركية كما كان الحال في العام الماضي، بل بات التركيز منصباً على احتمالية ترسيخ الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة الحرب.
وأوضح التقرير أن أي فترة ممتدة من ارتفاع تكاليف الطاقة تهدد بدفع الاقتصاد نحو الركود، تزامناً مع استمرار الضغوط التصاعدية على الأسعار.
وأشار إلى أن التاريخ الاقتصادي يربط هذه الظاهرة بمزيج من "الصدمات الخارجية" وعثرات السياسات، مستشهداً بما حدث في السبعينيات عندما أدى فك الارتباط بالذهب وحظر النفط عام 1973 إلى قفزة في "مؤشر البؤس" الأميركي الذي وصل إلى ذروته عند 22 بالمئة عام 1980.
وفيما يخص تطور المخاطر الحالية، بيّن التقرير أن تعطل حركة الشحن في مضيق هرمز وهشاشة سوق العمل الأميركية يمثلان بيئة خصبة لنمو الركود التضخمي. ونقل التقرير عن سال غواتيري، كبير الاقتصاديين في "BMO Capital Markets"، قوله إن حرب إيران سترفع التضخم وتزعزع ثقة المستثمرين، رغم استبعاده وصول مستويات البطالة إلى ما كانت عليه في منتصف السبعينيات حين بلغت 9 بالمئة، وقفز التضخم إلى ما فوق 10 بالمئة."
كما لفت التقرير إلى التحديات التي تواجه صانعي السياسة النقدية، حيث أورد تصريحاً لـ "أوستن غولسبي"، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، حذر فيه من أن صدمات العرض المرتبطة بالنفط قادرة على دفع الاقتصاد في اتجاه ركودي تضخمي.
ضغوط العرض واختبار أسعار النفط
وفي حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" قال الخبير الاقتصادي الدكتور عماد الدين المصبح أستاذ الاقتصاد في كليات الشرق العربي: "برزت مخاوف الركود التضخمي مجدداً في المشهد الاقتصادي الأميركي إثر تعرضه لصدمة مزدوجة، تتمثل في ضغوط سعرية ناجمة عن ارتفاع تكاليف الطاقة، وتزامنها مع تباطؤ محتمل في النشاط الاقتصادي وسوق العمل. وفي ظل هذا المشهد، لا يُعزى ارتفاع الأسعار إلى زيادة الطلب (Demand-Pull)، بل إلى تضخم مدفوع بالتكلفة (Cost-Push)، حيث تؤدي "صدمة العرض" إلى تضخم تكاليف الإنتاج والنقل، لتُضعف بدورها القدرة الشرائية ومعدلات الاستثمار، وهو ما يُمثل الجوهر الكلاسيكي لظاهرة الركود التضخمي".
وأضاف: "وقبيل اندلاع حرب إيران، أشارت المعطيات الأميركية إلى أن معركة كبح التضخم لم تُحسم بعد، إذ سجل مؤشر أسعار المستهلكين في فبراير 2026 نمواً بنسبة 2.4 بالمئة على أساس سنوي، في حين استقر التضخم الأساسي عند 2.5 بالمئة، متجاوزاً بذلك هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 بالمئة. وتزامن ذلك مع مؤشرات تدل على تراجع زَخَم سوق العمل، حيث ارتفع معدل البطالة إلى 4.4 بالمئة بزيادة أعداد العاطلين إلى 7.57 ملايين شخص".
وأشار الدكتور المصبح إلى أن الحرب وما رافقها من اضطرابات في أسواق الطاقة أدت إلى مفاقمة الوضع، مُنذرة بقفزات حادة في أسعار النفط والوقود. وتشير التقديرات السوقية إلى تداول خام "برنت" فوق حاجز 100 دولار للبرميل، مع احتمالية ملامسته مستوى 120 دولاراً في حال استمرار تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز الاستراتيجي. وانعكس ذلك محلياً بارتفاع أسعار البنزين في العقود الآجلة الأميركية إلى نحو 3.09 دولارات للغالون بحلول 17 مارس، مسجلاً زيادة شهرية تتجاوز 57 بالمئة.
ديناميكية الأزمة وتحديات السياسة النقدية
لم يتعرض الاقتصاد الأميركي لهذه الأزمة بمعزل عن بيئة اقتصادية كانت تعاني مسبقاً من ضغوط تضخمية ناجمة عن السياسات والتعرفات التجارية، بحسب الدكتور المصبح، الذي أكد أن الإشكالية لا تكمن في تأثير النفط وحده، بل في تقاطعه مع تضخم هيكلي كامن، مما يُهدد بتحويل التباطؤ الاقتصادي المعتاد إلى أزمة أكثر تعقيداً.
وأوضح أنه في حال استقرار أسعار الطاقة عند هذه المستويات المرتفعة، ستعمد الشركات إلى تمرير الزيادة في التكاليف إلى المستهلك النهائي، مما يؤدي إلى تآكل المداخيل الحقيقية للأسر وتراجع إنفاقها على القطاعات الأخرى، ليضغط بذلك على معدلات النمو والتضخم في آنٍ واحد.
ونوه الخبير الاقتصادي المصبح بأن هذه المعطيات تفرض تحدياً بالغ التعقيد أمام السياسة النقدية، وقال: "فصناع القرار في مجلس الاحتياطي الفيدرالي يواجهون مفاضلة صعبة.. فإن خُفضت أسعار الفائدة لتحفيز النمو والتوظيف، تفاقمت مخاطر التضخم، وإن أُبقيت السياسة النقدية مشددة لكبح الأسعار، زادت الضغوط على اقتصاد يعاني أساساً من الهشاشة. ولهذا، تعكس التوقعات الحالية ميلاً لدى الفيدرالي للحفاظ على الفائدة ضمن نطاق 3.50 بالمئة إلى 3.75 بالمئة، في خطوة تُظهر حذراً شديداً حيال هذا التوازن الحرج.
بناءً على ما سبق، يخلص الدكتور المصبح إلى أن "الاقتصاد الأميركي، وإن لم يدخل فعلياً في مرحلة ركود تضخمي شاملة بعد، إلا أنه ينزلق نحو مسار يعيد إحياء هذا السيناريو المخيف. فارتفاع أسعار الطاقة في توقيت يتسم بصلابة التضخم وتزايد البطالة، يجعل الولايات المتحدة عُرضة لأسوأ التوليفات الاقتصادية الممكنة: مستويات أسعار مرتفعة، ونمو اقتصادي متباطئ في الوقت ذاته.
ارتباك الأسواق المالية ومخاطر استدامة الوضع المالي
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الله الشناوي أستاذ الاقتصاد في جامعة الزقازيق في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية": "إن حرب إيران أدت إلى تفاقم حالة عدم اليقين،" مؤكداً أنه لا مفر من تأثيرها المباشر على موازين الاقتصاد الكلي عبر قنوات التجارة وأسواق الطاقة والمال.
وأوضح الشناوي أن الاقتصاد الأميركي يواجه حالياً "صدمة ثانية" شبيهة بالركود التضخمي في غضون عام واحد، حيث تمهد الحرب الطريق لرفع معدلات التضخم وعوائد السندات، وتعطيل سلاسل الإمداد، وزعزعة ثقة المستثمرين والشركات.
وأشار الدكتور الشناوي إلى أن الركود التضخمي يمثل "أسوأ سيناريو محتمل" وأصعب معضلة أمام صانعي السياسات، لأن قدرة الاحتياطي الفيدرالي على التدخل بخفض أسعار الفائدة ستكون مكبلة بخشية زيادة اشتعال التضخم. ولفت إلى ظاهرة غير معتادة في الأسواق المالية، وهي ارتفاع عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات لتصل إلى 4.25 بالمئة، مما يشير إلى تخلص المستثمرين من السندات الحكومية بدلاً من الإقبال عليها كملاذ آمن، مؤكداً أن ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل يشكل عائقاً كبيراً أمام الانتعاش، خاصة وأن الولايات المتحدة دخلت الحرب وهي تعاني من وضع مالي عام "غير مستدام.
وحذر الشناوي من أن هذا الارتفاع في الفائدة طويلة الأجل سيتسبب في زيادة تكاليف قروض الرهن العقاري وقروض السيارات، وقد يكون "الشرارة" التي تشعل تصحيحاً حاداً في سوق الأسهم، مما يضغط على النظام المالي بعد سنوات من الإقراض المتهور. وأضاف أنه إذا طالت الحرب، فإن أسعار الفائدة ستكون أقل احتمالية للانخفاض، بل قد تضطر البنوك المركزية لرفعها، في حين كان من المتوقع قبل الحرب أن يقوم "الفيدرالي" بخفضها.
كما أكد أن ارتفاع تكاليف الطاقة بات يشكل عائقاً أمام طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، التي ساهمت بنحو نصف النمو الاقتصادي الأخير، نظراً لكثافة استهلاك هذا القطاع للطاقة. وحذر من أن وصول أسعار النفط إلى 125 دولاراً للبرميل قد يقلص الناتج المحلي الإجمالي الأميركي بنسبة 0.8 بالمئة، خاصة مع فقدان سوق العمل لنحو 92 ألف وظيفة قبل اندلاع الصراع، ووصول معدل البطالة إلى 4.4 بالمئة..
سيناريوهات الأزمة: ترجيح المسار المعتدل وتفاقم الأضرار
وفي رؤيته لمستقبل الأزمة، استعرض الدكتور الشناوي ثلاثة سيناريوهات محتملة لأثر الحرب على الأسواق الأميركية والعالمية:
- السيناريو الإيجابي: ويتمثل في إنهاء سريع للعمليات العسكرية وعودة إمدادات الطاقة لمستوياتها الطبيعية، وهو سيناريو يرى الشناوي أن احتمالية حدوثه "منخفضة" نظراً للتصعيد الحالي.
- السيناريو المعتدل: حيث توقع استمرار العمليات العسكرية وبقاء أسعار النفط مرتفعة نتيجة غموض الإمدادات والتوتر العام. وأكد الشناوي أنه كلما طالت فترة انقطاع الإمدادات، ازدادت الأضرار الاقتصادية، مما يُبقي الأوضاع المالية متشددة ويمنع عودة ريادة الأسواق الدولية لما كانت عليه قبل الحرب.
- السيناريو السلبي: وهو الأخطر على المحافظ الاستثمارية، حيث يؤدي نزاع طويل الأمد إلى نقص حاد في الطاقة والسلع الأساسية وتدهور سريع في الأوضاع المالية، مما يرفع مخاطر الركود التضخمي لمستويات يصعب التعامل معها، ويزيد من احتمالات انهيارات أعمق في أسواق الأسهم العالمية.
واختتم الخبير الاقتصادي الشناوي بالإشارة إلى أن حجم الضرر النهائي سيتوقف على مدة إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط والغاز والأسمدة العالمية، مؤكداً أن كل يوم يمر في هذا الصراع يرفع التكاليف التي يتحملها دافع الضرائب الأميركي، والتي تقدر بنحو 900 مليون دولار يومياً، مما يستنزف الموارد المخصصة للصناعات الاستراتيجية كأشباه الموصلات.








