صياد الثغرات.. هل يمنحُ Claude Mythos المصارف حصانةً أبديّة؟
13:50 - 21 أبريل 2026
في تحرّك استثنائي يعكس تنامي القلق من المخاطر الرقمية المتسارعة، بادر وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت منذ أيام، إلى عقد اجتماع عاجل ضمّ رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، وكبار المسؤولين التنفيذيين في أبرز البنوك الأميركية، محذّراً إياهم من تهديدات سيبرانية متزايدة يقودها نموذج ذكاء اصطناعي حديث طوّرته شركة أنثروبيك.
وخلال هذا اللقاء المغلق في واشنطن، وجّه بيسنت رسالة حازمة إلى قادة مؤسسات مالية كبرى، من بينها بنك أوف أميركا وسيتي وويلز فارغو، محذّراً من أن سماحهم بتشغيل برنامج Claude Mythos Preview الجديد، عبر أنظمة الكمبيوتر الداخلية للمصارف، قد يُشكّل خطراً جسيماً على بيانات العملاء الحساسة.
وبحسب تقرير أعدته "نيويورك تايمز"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فقد تم إبلاغ المسؤولين التنفيذيين في البنوك خلال الاجتماع، بأن برنامج Claude Mythos Preview فعّال للغاية، في كشف نقاط الضعف الأمنية داخل الأنظمة المصرفية، إلى درجة تثير المخاوف من إمكانية وصول قراصنة الإنترنت أو جهات خارجية خبيثة إلى هذه المعلومات واستغلالها.
ووفقاً لكيفن أ. هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي، فإن الإدارة الأميركية تتخذ جميع الخطوات الممكنة، لضمان سلامة الجميع من المخاطر المحتملة التي قد تنتج عن برنامج Claude Mythos Preview، بما في ذلك نيل موافقة شركة أنثروبيك على تأجيل نشر برنامجها الجديد لعامة الجمهور، وذلك حتى يتمكن المسؤولون من دراسة جميع جوانبه.
وبالفعل أعلنت شركة أنثروبيك أن التطورات التي حققها نموذجها Claude Mythos Preview، بالغة الأهمية وخطيرة للغاية، بحيث لا يمكن نشره للعامة بأمان في الوقت الراهن، مشيرة إلى أنه سيتم حصر Claude Mythos ضمن تحالف يضم 40 شركة أطلقت عليه اسم "مشروع غلاسوينغ".
ويضم هذا التحالف مجموعة من الشركات والمؤسسات العاملة في عدة مجالات، من ضمنها بنكاً واحداً على الأقل، وهو بنك جيه بي مورغان تشيس، أكبر بنك في الولايات المتحدة، والذي أعلن أنه سيستخدم البرنامج لتقييم أدوات الذكاء الاصطناعي من الجيل التالي لأمن المعلومات الدفاعي في البنية التحتية الحيوية.
ما هو Claude Mythos؟
لم تُصدر أنثروبيك الكثير من المعلومات حول نموذجها الجديد، الذي كان يحمل الاسم الرمزي "كابيبارا" أثناء تطويره.
ولكن الشركة أقرت بأن Claude Mythos يُمثّل "نقلة نوعية" في قدرات الذكاء الاصطناعي، مع تحسين الأداء في مجالات مثل البرمجة وأبحاث الأمن السيبراني.
وبحسب أنثروبيك فإن Claude Mythos قادر بالفعل على إجراء أبحاث أمنية مستقلة، بما في ذلك البحث عن ثغرات أمنية غير معروفة واستغلالها في برامج بالغة الأهمية، وهي ثغرات لا يعرفها حتى مطوّر البرنامج نفسه. وتزعم الشركة أن النموذج الجديد قد حدد بالفعل آلاف الأخطاء والثغرات الأمنية في أنظمة البرمجيات الشائعة، بما في ذلك كل نظام تشغيل ومتصفح رئيسي.
كما أعلنت أنثروبيك أن Claude Mythos اكتشف ثغرة أمنية عمرها 27 عاماً في نظام التشغيل "أوبن بي إس دي"، الذي تعتمد عليه العديد من أجهزة توجيه الإنترنت وجدران الحماية، إضافة إلى اكتشافه مشكلة أخرى قديمة في برنامج فيديو شهير، كان قد تم فحصه خمسة ملايين مرة عبر أدوات الاختبار الآلية دون العثور فيه على أي مشكلة.
ويقول لوغان غراهام، الذي يرأس فريق اختبار القدرات الخطيرة لنماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة في شركة أنثروبيك، إن Claude Mythos، يمثل نقطة بداية لما يعتقد أنه سيكون منعطفاً تاريخياً في صناعة الذكاء الاصطناعي.
من يمكنه الوصول إلى Claude Mythos؟
تقول أنثروبيك إن Claude Mythos يتمتع بقدرات فائقة تمنع طرحه للعموم.
وبدلاً من ذلك، أعلنت أنثروبيك، أنها ستتيح استخدام النموذج الجديد، لتحالف يضم أكثر من 40 شركة تقنية، من بينها آبل وأمازون ومايكروسوفت وسيسكو وبرودكوم، ولينكس.
وأوضحت أنثروبيك أنها لا تخطط لنشر تقنيتها الجديدة على نطاق أوسع، حيث قال جاريد كابلان كبير المسؤولين العلميين في الشركة، إن الهدف من هذه الخطوة هو رفع مستوى الوعي ومنح الجهات الفاعلة ذات النوايا الحسنة، ميزة تنافسية في عملية تأمين البنية التحتية، والبرمجيات مفتوحة المصدر والخاصة.
سابقة تتكرر
وقرار شركة أنثروبيك بتأجيل إطلاق Claude Mythos للعموم خشية إساءة استخدامه، له سابقة، ففي عام ٢٠١٩، أعلنت OpenAI عن تطويرها نموذج GPT-2، ولكنها لم تُصدر النسخة الكاملة منه فوراً، بسبب قدرات توليد النصوص التي كان يمتلكها والتي يُمكن استخدامها لأتمتة الإنتاج الضخم للدعاية أو المعلومات المضللة. ولاحقاً أصدرت OpenAI النموذج بعد إجراء اختبارات أمان إضافية عليه.
إيراداتُ أنثروبيك تتضاعف
وتحتل أنثروبيك موقعاً فريداً في مشهد الذكاء الاصطناعي اليوم، فهي تتسابق لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي فائقة القوة، وتجني مليارات الدولارات من بيع الوصول إلى هذه الأنظمة، بينما تسلط الضوء في الوقت نفسه على المخاطر التي تشكلها تقنيتها. وقد صنّف البنتاغون الشركة هذا العام على أنها تشكل خطراً على سلسلة التوريد، بسبب مطالبتها بفرض قيود معينة على استخدام تقنيتها. وفي وقت لاحق، أوقف قاض فيدرالي سريان هذا التصنيف.
وأعلنت أنثروبيك منذ أيام أن إيراداتها السنوية المتوقعة قد تضاعفت أكثر من ثلاث مرات في عام 2026، لتتجاوز 30 مليار دولار أميركي من 9 مليارات دولار. ويعود هذا النمو بشكل كبير إلى شعبية برنامج "كلود" من "أنثروبيك" كأداة للبرمجة.
تحوّل إيجابي
وتقول مستشارة الذكاء الاصطناعي المعتمدة من أكسفورد هيلدا معلوف ملكي، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن ما نشهده اليوم بشأن نموذج Claude Mythos للذكاء الاصطناعي، لا يجب قراءته من زاوية "الخوف"، بل من زاوية التحوّل الإيجابي العميق، فالقوة الحقيقية التي أظهرها هذا النموذج في كشف ثغرة أمنية عمرها 27 عاماً، أو رصد مشكلات تقنية، لم تتمكن من كشفها ملايين الاختبارات الآلية، يعني أن العالم بات يمتلك عقلاً اصطناعياً يستطيع تنظيف الفضاء الرقمي، من الثغرات التي تراكمت لعقود وهو تطور نوعي في ميزان القوى السيبراني.
تأجيل استراتيجي
وترى معلوف ملكي، أن خطوة تأجيل طرح نموذج Claude Mythos للعموم لا تعكس خوفاً من الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل تظهر مستوى عالياً من النضج في إدارة هذه التقنيات، فهذه الخطوة الاستراتيجية تهدف إلى منح الجهات ذات النوايا الحسنة ميزة تنافسية زمنية، حيث سيتم استخدام القوة الفائقة التي يمتلكها Claude Mythos أولاً، لتحصين البنية التحتية العالمية والمصارف وأنظمة التشغيل قبل أن تتاح للعامة، مشيرة إلى أن هذا المسار يعكس نضجاً كبيراً في قطاع التقنية، فالشركات اليوم لا تسعى فقط خلف الربح المالي، بل تضع الأمان القومي والمالي كأولوية قصوى.
حماية العصب المالي
وبحسب معلوف ملكي فإن التحذير الذي وُجّه إلى المصارف، لا ينبغي فهمه على أنه إشارة خطر، فالسبب الرئيسي وراء هذا التحذير هو حساسية القطاع المصرفي تحديداً، إذ يتعامل مع كميات هائلة من البيانات المالية والشخصية، التي تُعد هدفاً مغرياً لأي جهة خبيثة، وبالتالي فإن إدخال أداة بهذه القوة إلى الأنظمة المصرفية دون ضوابط صارمة واختبارات عميقة، قد يفتح الباب أمام هذه الجهات لاستغلال الوضع، علماً أن أي اختراق لهذه البيانات لا يهدد المؤسسات المالية فحسب، بل يمسّ مباشرة باستقرار النظام المالي العالمي ككل، ومن هنا يأتي التحذير كخطوة تنظيمية استباقية، تضمن أن يتم دمج هذه التقنيات وفق أعلى معايير الأمان والرقابة وبما يمنع أي انعكاسات سلبية.
أنظمة مالية صلبة
وتشدد معلوف ملكي، على أن Claude Mythos سيمنح المصارف فرصة ثمينة لفهم قدراتها واختبارها في بيئات آمنة، ما يساهم في بناء أنظمة أكثر صلابة على المدى الطويل، لافتة إلى أن جلوس وزير الخزانة الأميركي ورئيس الفيدرالي مع قادة البنوك لبحث هذه التقنية، هو دليل على أن الدولة والقطاع الخاص يعملان كجبهة واحدة لضمان أن تظل مفاتيح القوة في أيدٍ أمينة، ومع استمرار هذا النهج، فإن الذكاء الاصطناعي لن يكون مصدر تهديد، بل خط الدفاع الأول لحماية الأفراد والمؤسسات في العصر الرقمي.
انعطاف تاريخي
من جهته يقول الخبير بشؤون التكنولوجيا محمد عيتاني، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن ظهور نماذج مثل Claude Mythos يُمثل نقطة تحول تاريخية في عقيدة الأمن السيبراني، فبعد عقود من الاعتماد الكلي على العنصر البشري والنخبة من صائدي الثغرات، الذين كانوا يمتلكون وحدهم مفاتيح اكتشاف الثغرات العميقة، أصبح لدينا اليوم ذكاءٌ اصطناعيٌ يمتلك قدرات تحليلية شاملة، تعمل بلمح البصر وتبحث عن الأخطاء وتستنتج أنماط الضعف المعقدة، التي قد تغيب عن أكثر العقول البشرية ذكاءً، وهذا ما يُفسر اكتشاف Claude Mythos لثغرات ظلت نائمة لربع قرن.
أمان أوسع
ويلفت عيتاني إلى أن التركيز الحكومي والمصرفي على مسألة التأجيل والاختبار، لا يعكس خوفاً من التكنولوجيا، بل هو إدراك متقدم بأن القيمة الحقيقية لهذه النماذج، لا تكمن فقط في طرحها سريعاً، حيث أن يوم إضافي من اختبار Claude Mythos داخل بيئات مغلقة يعني تقليل احتمالات المخاطر على نطاق أوسع لاحقاً، مشيراً إلى أن دخول جهات مثل البنوك المركزية والاحتياطي الفيدرالي على خط النقاش، يعكس تحول الذكاء الاصطناعي من ملف تقني إلى ملف استقرار مالي وأمني في آن واحد، وهو ما لم يكن قائماً بهذا الشكل في السابق، فالمؤسسات الكبرى لم تعد تتعامل اليوم مع الأمن السيبراني كطبقة حماية تقليدية، بل كمنظومة ديناميكية تتغير مع تطور أدوات الهجوم والدفاع في الوقت نفسه.
رقابة مستمرة
وبحسب عيتاني فإن أن أحد أهم التحولات التي ستحدثها نماذج مثل Claude Mythos هو أن البنية التحتية الرقمية نفسها، أصبحت قابلة للفحص المستمر في الزمن الحقيقي، وهو ما لم يكن ممكناً في السابق، فبدلاً من الاعتماد على مراجعات دورية يقوم بها خبراء بشر، باتت هناك نماذج قادرة على محاكاة الهجمات، وإعادة بناء سيناريوهات الاختراق، وتحديد نقاط الضعف قبل أن يتم استغلالها فعلياً، وهذا بحد ذاته يرفع مستوى الأمان إلى مرحلة لم تكن متاحة سابقاً.







