سيمنس تقترب من المصانع ذاتية التشغيل عبر التوائم الرقمية
11:52 - 06 نوفمبر 2026في توقيت تتقاطع فيه التوترات الجيوسياسية مع قيود سلاسل الإمداد وذكاء اصطناعي يغيّر كل شيء، حمل رولاند بوش، رئيس "سيمنس" ورئيسها التنفيذي، إلى أبوظبي رسالة واضحة: الشراكات أهم من أي وقت مضى، والذكاء الاصطناعي يغيّر ملامح أنظمة الطاقة والصناعة.
وفي حديثه إلى "سكاي نيوز عربية" على هامش "أديبك 2026"، كشف أن اتفاقية الإطار مع "أدنوك" تفتح مجالات جديدة للتعاون في قطاع الطاقة، وأن ثمة فرصة لإنشاء قدرات حوسبة في الإمارات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن أوروبا تملك قاعدة صناعية قوية تؤهلها لقيادة الذكاء الاصطناعي الصناعي، لكنها لا تتحرك بالسرعة الكافية.
الشراكات ومحاور مواجهة عدم اليقين
رأى بوش أن توقيت "إناكت" ENACT و"أديبك" مناسب جداً، لأن التحديات كثيرة، ما يفرض نظرة شمولية إلى أنظمة الطاقة والتكرير والمعالجة والتوزيع والقطاعات الصناعية، ويجعل الاجتماع والتفكير المشترك في تجاوز المرحلة أمراً بالغ الأهمية. وعن أثر عدم اليقين في الاستثمار والطلبيات والنمو، حدد ثلاثة محاور:
- الإنتاج المحلي للسوق المحلية: مبدأ لا يجوز الخطأ فيه، إذ يمنح الاعتماد على المحتوى المحلي صموداً أمام الرسوم الجمركية وانقطاع سلاسل القيمة. وتبلغ نسبة القيمة المحلية لدى "سيمنس" في الولايات المتحدة والصين بين 85% و87%.
- النمو المرتفع: في مراكز البيانات والكهربة، ما يستوجب تعزيز القدرات بتقنيات الشركة نفسها لرفع الإنتاجية في مصانعها وسلاسل إمدادها.
- المرونة والقدرة على التكيف: فلا أحد يعلم ما سيحدث غداً، وعلى الأنظمة أن تلائم عالماً يتغير بسرعة.
"إنفيديا": من المحاكاة إلى المصنع المستقل
بدأ التعاون مع "إنفيديا" قبل سنوات ويتوسع اليوم، ويشمل تسريع برمجيات محاكاة المنتجات وخطوط التصنيع والمصنع بأكمله، إذ تجعل وحدات معالجة الرسومات العملية أسرع بمقدار 10 إلى 20 ضعفاً. ويمتد إلى تطوير منتجات جديدة كلياً بالذكاء الاصطناعي، وإلى مخطط توجيهي لمصنع الذكاء الاصطناعي القائم على التبريد السائل والتيار المستمر بجهد 800 فولت وأشباه الموصلات ذات الحالة الصلبة، وهو "عالم جديد تماماً" تفرضه زيادة قوة وحدات المعالجة واستهلاكها للطاقة. كما يشمل الأتمتة الإلكترونية للتصميم (EDA) وتصميم الرقائق، ثم التصنيع.
وفكرة المصنع المستقل، بحسب بوش، إنشاء "توأم رقمي" للمصنع والمنتج والعاملين وعمليات التصنيع، يُحدَّث لحظياً عبر منصة "أومني فيرس"؛ فيُعدَّل افتراضياً، وبعد نجاح المحاكاة يُنقل إلى العالم الحقيقي. وفي مصنع إرلانغن الألماني، حيث أُضيف استثمار بقيمة 500 مليون يورو، تعمل روبوتات عديدة بتوجيه طبقة تنسيق برمجية على خطوط فائقة الأتمتة؛ ففي التغليف تؤدي ما يشبه لعبة "تتريس"، بترتيبات مخصصة لكل قطعة (Lot size one). وسيبقى العنصر البشري لإصلاح المعدات، لكن الشركة تقترب أكثر فأكثر.
أربعة تحديات أمام الذكاء الاصطناعي الصناعي
أولها البيانات: معزولة وغير مخزنة جيداً، ويجب ربطها بالسياق ونظام دلالي لرفع دقة الوكيل الذكي إلى 99% أو أكثر، لأن "الهلوسة ليست خياراً مقبولاً". وثانيها معدل تبني التكنولوجيا، الذي يحدده قادة الشركات ورغبتهم الحقيقية. وثالثها تدريب الكوادر البشرية على التقنيات الجديدة. ورابعها التطبيقات الصناعية، إذ ما زال أمام القطاع طريق لبناء تطبيقات ببيئة ضابطة تتيح ترك الوكيل يعمل بمفرده.
وقدّم مثالاً على وكيل يبرمج أجهزة التحكم الصناعية: فبرمجة عمل لحام جديد، كلحام باب، تستغرق من المهندس أسبوعاً أو اثنين، أما الوكيل فيرفع تصميم الباب والروبوت ومتطلبات العملية، ويعيد المحاولة مراراً لتصحيح الأخطاء، ثم يسأل: "هل تريدني أن أبدأ؟". وقال: "هذه هي قوة الذكاء الاصطناعي الصناعي".
أوروبا: قاعدة قوية وتشريعات مفرطة
تملك أوروبا، برأي بوش، ركيزة تصنيعية قوية تشمل المصنّعين الأصليين وصناع السيارات ومصنعي الآلات، وقوة بارزة في السيارات والمواد الكيميائية وعلوم الحياة. وهي نقطة انطلاق جيدة تجمع المعرفة التخصصية والبيانات والخبراء والنماذج القابلة للتدريب والضبط، ما يجعل الذكاء الاصطناعي الصناعي "فرصة تأتي مرة واحدة في القرن".
لكنه انتقد قانون البيانات (Data Act) لقيوده الشديدة التي قد تثني الشركات عن مشاركة بياناتها خشية كشف ملكيتها الفكرية، معتبراً ذلك مبالغة في التشريع بسرعة كبيرة. والأفضل وضع حواجز حماية وإرشادات أولاً، وترك التكنولوجيا تتطور، وتحميل الشركات مسؤولية إطلاق منتجات آمنة، وإتاحة الفرصة للتنظيمات القائمة. كما تحتاج أوروبا إلى قدرات حوسبة أكبر و"مصانع ذكاء اصطناعي" تشغّل النماذج والبيانات محلياً.
المنافسة الصينية وسباق السرعة
أوضح بوش أن الشركات الصينية تتقدم في الابتكار منذ نحو خمس سنوات بكوادر متعلمة وتبنٍّ سريع للتكنولوجيا ومنظومة ضخمة قادرة على التوسع وخفض التكاليف، فتأثرت قطاعات منها السيارات والآلات وأجهزة التحكم الصناعية. ورد أوروبا، في رأيه، أن تتصدر سرعة الابتكار باستخدام الذكاء الاصطناعي الصناعي على نطاق واسع في التصميم والتصنيع، وأن تنطلق بتكنولوجيتها عالمياً دفاعاً عن نموذج التصدير، وأن تستثمر قوة منظوماتها بالانفتاح ومشاركة البيانات وإنشاء منصات بيانات. وأضاف أن المنافسة أمر جيد، لكن العمل يجب أن يكون أشد.
وأقر بأن أوروبا ليست سريعة بما يكفي في نشر التكنولوجيا واتخاذ القرارات ومنح الموافقات والتراخيص، متسائلاً عن المدة اللازمة لإنشاء مركز بيانات في ألمانيا، ومؤكداً أن زيادة التشريعات لا تساعد وأن السرعة "جوهر الأمر".
"سيمنس" والإمارات: أكثر من قرن
أكد بوش التزام "سيمنس" تجاه المنطقة منذ أكثر من 100 عام، ورغبتها في مضاعفة الجهود والاستثمارات، واصفاً قطاع الطاقة والنفط والغاز بالمحافظ لكنه يملك إمكانات هائلة. وتهدف اتفاقية الإطار مع "أدنوك" إلى استكشاف التصميم والتصنيع والعمليات التشغيلية مجدداً، وتوظيف التوائم الرقمية في المحاكاة قبل البناء ومعاينة العمليات التشغيلية وجمع بيانات الحساسات، وصولاً إلى عمليات تشغيلية ذاتية. وتتيح تقنيات الشركة إنشاء الكم المتزايد من مراكز البيانات.
وختم بأن الحاجة إلى حوسبة أكبر قائمة، فطاقة ألمانيا مرتفعة التكلفة، وقد تكون هناك فرصة لبناء قدرات حوسبة في الإمارات لتدريب نماذج "سيمنس" ثم العودة بها إلى ألمانيا.







