برنت الفوري يكشف أزمة خفية في سوق النفط العالمية
13:29 - 10 أبريل 2026
تشهد سوق النفط العالمية مؤشرات متزايدة على استمرار الضغوط في الإمدادات الفعلية، رغم تراجع نسبي في الأسعار عقب إعلان هدنة مؤقتة في الشرق الأوسط، وذلك في ظل اضطرابات مستمرة في حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
فقد أثار التذبذب الحاد في أسعار خام برنت المؤرخ – المعيار العالمي لتسعير الشحنات الفعلية من النفط الخام – مخاوف محللي الطاقة بشأن استمرار الضغوط في سوق النفط المادية، مع غياب أي مؤشرات واضحة على انحسارها في المدى القريب، لا سيما في ظل هشاشة وقف إطلاق النار في المنطقة.
ويراقب المشاركون في أسواق الطاقة عن كثب تداعيات الاضطرابات التي تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز الحيوي، حيث ظهرت فجوة غير مسبوقة بين سعر برنت المؤرخ والعقود الآجلة لخام برنت لأقرب شهر استحقاق، في إشارة إلى استمرار شح الإمدادات الفعلية رغم تحسن معنويات السوق المالية.
وسجل السعر الفوري لبرنت المؤرخ – الذي يشير إلى الشحنات التي حُددت مواعيد تسليمها خلال فترة تتراوح بين 10 أيام وشهر مقدمًا – نحو 131.97 دولارًا للبرميل بعد ظهر الخميس، وفقًا لبيانات "بلاتس".
ويمثل ذلك ارتفاعًا بأكثر من 7 بالمئة مقارنة بالجلسة السابقة، لكنه يظل دون المستوى القياسي البالغ 144.42 دولارًا الذي تم تسجيله يوم الثلاثاء، قبيل إعلان هدنة لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران.
ويستند تقييم برنت المؤرخ إلى نشاط التداول الفعلي في السوق الفورية المفتوحة، بما يشمل عروض البيع والشراء والصفقات المنفذة، ما يجعله مؤشرًا مباشرًا على السعر الواقعي للنفط الخام في الأسواق العالمية.
في المقابل، جرى تداول العقود الآجلة لخام برنت تسليم يونيو عند نحو 96.51 دولارًا للبرميل صباح الجمعة، مرتفعة بنسبة 0.6 بالمئة فقط، ما يعكس تباينًا متزايدًا بين الأسواق المالية وسوق الإمدادات الفعلية.
ندرة الإمدادات لا المخاطر فقط
تشير تقديرات في السوق إلى أن هذا الارتفاع القياسي في برنت المؤرخ لا يعكس مجرد تسعير للمخاطر الجيوسياسية، بل تسعيرًا متزايدًا لاحتمالات ندرة المعروض الفعلي من النفط.
وقالت أندريكا برناتوفا، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة Dynamix Corporation III، في تصريحات لـCNBC، فإن "وصول برنت المؤرخ إلى مستويات قياسية يمثل رسالة مباشرة من السوق المادية بأن البراميل الفعلية أصبحت أكثر ندرة، إذ إن السوق يسعر شح الإمدادات وليس المخاطر فقط".
وأضافت أن التراجع الأخير في الأسعار عقب إعلان وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة زوال الضغوط الأساسية، مشيرة إلى أن "السوق ربما يسبق الأحداث، خصوصًا أن مضيق هرمز لا يزال شبه مغلق، وعودة التدفقات الفعلية لم تحدث بعد.. وحتى تستأنف التدفقات فعليًا، فإن تسجيل مستوى 144 دولارًا لا يُعد مجرد حالة تاريخية استثنائية بقدر ما يمثل مقدمة لما قد يحدث".
ويمر نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط والغاز العالمية عادة عبر مضيق هرمز، وهو ممر بحري ضيق يربط بين الخليج العربي وخليج عمان. وقد أفاد خبراء الشحن والملاحة لشبكة CNBC بأن حركة النقل عبر هذا الشريان الحيوي للطاقة لن تعود إلى طبيعتها في أي وقت قريب.
وفي هذا السياق، حذر الدكتور سلطان الجابر، وزير الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة في دولة الإمارات والعضو المنتدب والرئيس التنفيذي لأدنوك ومجموعة شركاتها، في مقال نشر الخميس على صفحته على لينكد إن، من تداعيات أي اضطرابات محتملة على حركة الملاحة في مضيق هرمز، مشيرًا إلى أن تعطل هذا الممر الحيوي سيؤدي إلى تفاقم الأزمة.
وأوضح أن الأولوية العاجلة تتمثل في استعادة التدفقات التي تمر عبر المضيق، والتي تمثل أكثر من خُمس تجارة الطاقة العالمية.
وأكد الجابر قائلا: "أن التقديرات تشير إلى وجود نحو 230 سفينة محمّلة بالنفط وجاهزة للإبحار. هذه السفن، وكل من سيلحق بها، يجب أن تتمتع بحرية الملاحة عبر هذا الممر دون أي شروط. لا يملك أي بلد حقاً مشروعاً في تحديد من يمر وبأي شروط".
وشدد قائلا: "كل يوم يبقى فيه المضيق مقيّداً، تتفاقم التداعيات. تتأخر الإمدادات، تشتد ضغوط الأسواق، وترتفع الأسعار. ولا يقتصر الأثر على أسواق الطاقة، بل يمتد إلى الاقتصادات والصناعات والأسر حول العالم. كل يوم له ثمن، وكل تأخير يعمّق الاضطراب".
ودعا الجابر إلى ضرورة فتح مضيق هرمز بشكل كامل ودون أي شروط أو قيود، محذراً من التداعيات الاقتصادية العالمية المتزايدة لاستمرار القيود المفروضة على الملاحة في هذا الممر الحيوي.
مخاطر تشغيلية تتجاوز الجيوسياسية
يحذر محللون من أن أي تأجيل في مشتريات المصافي، انتظارًا لانخفاض إضافي في الأسعار، قد يؤدي إلى تفاقم شح المنتجات النفطية، حتى مع تراجع حدة التصعيد السياسي.
وقال يانيف شاه، نائب رئيس أسواق النفط في شركة Rystad Energy، في مذكرة بحثية نُشرت الأربعاء: "إذا أرجأت المصافي عمليات الشراء ترقبًا لمزيد من التراجع في الأسعار في وقت تظل فيه التدفقات المادية مقيدة، فقد يتفاقم شح المنتجات حتى في ظل تراجع حدة التصعيد".
وأضاف: "انخفض السعر الفوري لبرنت، لكن الفروقات السعرية الفورية للشحنات المادية من المرجح أن تظل مرتفعة، كما ستبقى أسعار ناقلات النفط عند مستويات عالية، فيما سيواصل مشترو الخام عالي الكبريت دفع علاوة للحصول على أمان الإمدادات العالمية المحدودة بعيدًا عن الخليج".
وأشار شاه إلى أن ذلك يبرز كيف أن توقعات المخاطر السياسية تتلاشى أسرع من الاضطرابات الفعلية في سلاسل الإمداد ومن المخاطر التشغيلية.
اختلالات في أنماط التسعير العالمية
من جهتهم، قال محللو الاستراتيجيات في "مورغان ستانلي" إن الاضطرابات في مضيق هرمز تسببت في صدمة أشد لأسعار النفط المرتبطة بالسوق المادية مقارنة بالعقود الآجلة المالية، بحسب شبكة CNBC.
وأوضح مارتاين راتس، استراتيجي السلع في البنك، في مذكرة بحثية نُشرت الثلاثاء: "يعكس برنت المؤرخ تقييم السوق لقيمة البرميل المادي المنقول بحرًا للتسليم الفوري في شمال غرب أوروبا. أما برنت المتداول في بورصة ICE فهو عقد آجل موحد تتم مقاصته مركزيًا، وترتبط تسويته النقدية النهائية بسوق شحنات برنت الآجلة من خلال آلية انتهاء صلاحية محددة".
وأضاف: "يرتبط هذان السعران ببعضهما، لكنهما لا يقيسان نفس التعرض الزمني أو نفس الحلقة في سلسلة الإمداد".
وبحسب راتس، فإن هذا الاختلال في السوق يظهر كيف يحدد نظام تسعير برنت موضع الصدمة الأكثر حدة وفورية.
من جهته، قال بافيل مولتشانوف، كبير المحللين لدى Raymond James Investment، لشبكة CNBC: إن أحدث موجة من اضطرابات الإمدادات تسببت في انهيار أنماط التداول التقليدية بين مختلف درجات النفط الخام.
وأضاف في تصريحات لـCNBC عبر البريد الإلكتروني: "هذا يعكس ضغوطًا غير مسبوقة وحالة عدم يقين في سوق النفط".
ومن بين الأمثلة على ذلك، أشار مولتشانوف إلى أن العقود الآجلة لخام برنت كانت تُتداول عادة بعلاوة تتراوح بين 3 و5 دولارات للبرميل فوق العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي خلال العقد الماضي، رغم أن خام غرب تكساس تجاوز مؤخرًا هذه العلاوة بأكثر من 10 دولارات خلال أزمة الشرق الأوسط.
وفي الوقت ذاته، وصلت أسعار خام الأورال الروسي مؤخرًا إلى مستويات أعلى من برنت بنحو 30 دولارًا، علمًا بأن هذا الخام كان يُتداول بخصومات كبيرة مقارنة ببرنت منذ الحرب الروسية ضد أوكرانيا مطلع عام 2022.
كما لفت مولتشانوف إلى أن السعودية رفعت علاوة سعر خام "العربي الخفيف" فوق معيار عُمان/دبي إلى 19.50 دولارًا، مضيفًا أن هذه العلاوة "لم يسبق لها قط" أن تجاوزت مستوى 10 دولارات.









