كيف تؤثر الحرب مع إيران على إنفاق الأميركيين؟
09:58 - 16 مارس 2026بعد مرور نحو أسبوعين على انطلاق الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، بدأ الأميركيون يشعرون بآثار ما يحدث على بُعد آلاف الأميال من بلادهم، مع انتقال تداعيات الصراع تدريجياً إلى الاقتصاد والأسواق العالمية.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد صرّح مع بداية الحرب، أن العمليات قد تستمر ما بين أربعة وخمسة أسابيع، إلا أنه أرسل في الآونة الأخيرة إشارات متضاربة بشأن مدتها، فتارةً يُلمّح إلى أن الحرب قد تنتهي سريعاً، وتارةً أخرى لا يستبعد تحوّلها إلى صراع طويل الأمد.
وضمن هذا السياق، يحذّر بعض الخبراء من أن إطالة أمد الحرب في منطقة الشرق الأوسط، قد يُلقي بظلاله على الاقتصاد الأميركي، إذ قد يدفع عدم اليقين، المستهلكين الأميركيين إلى تقليص إنفاقهم، كما قد تتريث الشركات في التوظيف أو تلجأ إلى تسريح العمال، ما يهدد بتباطؤ النشاط الاقتصادي ككل.
وبحسب تقرير أعدّته صحيفة The New York Times واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فمن المرجّح أن يلمس الأميركيون التداعيات الاقتصادية للحرب عبر مجموعة من العوامل، أبرزها:
أسعار النفط والغاز
بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 3.58 دولاراً للغالون يوم الأربعاء الماضي، وفقاً لبيانات American Automobile Association. ويمثل ذلك ارتفاعاً بنحو 20 في المئة منذ الهجمات الأميركية الإسرائيلية الأولى على إيران في 28 فبراير 2026، علماً أن أسعار البنزين في أميركا لم تبلغ هذا المستوى منذ عام 2024.
وأيضاً ارتفعت أسعار الديزل في أميركا بنسبة 24 في المئة منذ بداية الحرب، لتصل إلى حوالي 4.66 دولاراً للغالون. وقال مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في مؤسسة موديز أناليتكس، إن هذه الأسعار قد ترفع تكلفة جميع السلع المنقولة بالشاحنات في البلاد، بما في ذلك طرود أمازون والمواد الغذائية.
وقد ارتفعت أسعار الطاقة بشكل حاد نتيجةً لتأثير الحرب على حركة الملاحة في مضيق هرمز، الممر المائي الضيق قبالة الساحل الجنوبي لإيران، والذي يُنقل عبره نحو خُمس نفط العالم.
كما أغلقت عدة مصافي تكرير في منطقة الخليج أبوابها أو خفّضت عمليات التكرير، وفقاً لشركة الأبحاث "كيبلر".
أسعار الغذاء
من المرجح أن ترتفع ايضاً أسعار المواد الغذائية في أميركا، حيث يقول الدكتور ميغيل غوميز، مدير برنامج إدارة صناعة الأغذية في جامعة كورنيل، إن ارتفاع أسعار النفط والغاز يؤدي لا محالة إلى زيادات طفيفة في أسعار الأطعمة كالفواكه والخضراوات.
وأوضح الدكتور غوميز أنه في حال لم تستأنف السفن عبورها عبر مضيق هرمز خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة، فقد تواصل أسعار الغذاء ارتفاعها.
ويعزى هذا الارتفاع إلى أن منطقة الخليج العربي هي احدى المصادر الرئيسية للأسمدة في العالم، ما يعني أن تعطل حركة الشحن سيعيق وصول هذه المواد إلى الأسواق العالمية. وفي هذه الحالة، قد يضطر المزارعون إلى تقليص استخدام الأسمدة، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى انخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء.
تذاكر الطيران
قال سكوت كيربي، الرئيس التنفيذي لشركة يونايتد إيرلاينز، الأسبوع الماضي، إن السفر الجوي قد يصبح أكثر تكلفة بسبب ارتفاع أسعار وقود الطائرات، لافتاً إلى أنه على الرغم من استمرار قوة الطلب على السفر، إلا أن سعر وقود الطائرات، الذي يُعدّ أحد أكبر تكاليف التشغيل لشركات الطيران، قد ارتفع بنسبة 58 في المئة منذ بداية الحرب.
من جهته، كشف هنري هارتفيلدت، محلل صناعة الطيران في مجموعة أبحاث أتموسفير في سان فرانسيسكو، إن حجز تذاكر السفر أصبح أكثر تكلفة بكثير، إذ بات من الصعب العثور على تذاكر مخفضة بأسعار معقولة. وأوضح هارتفيلدت أنه إذا استمرت الحرب في رفع أسعار التذاكر، فقد تدفع الصدمة بعض الأميركيين إلى عدم السفر جواً هذا الربيع والصيف.
توقعات اقتصادية ضبابية
أدى الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى اضطراب الأسواق المالية، ما تسبب في انخفاض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 ومؤشرات الأسهم الرئيسية الأخرى، حيث أن التقلبات التي تحدث في سوق الأسهم قد تُهدد مدخرات التقاعد. وضمن هذا السياق يقول سعيد زاندي إنه إذا طال أمد الصراع، فإن الضرر سيتفاقم بشكل كبير، لافتاً إلى أن الشركات في أميركا قد تُقلّص التوظيف في حال انخفاض الطلب، أما إذا لجأت إلى تسريح العمال، فإن خطر الركود الاقتصادي سيزداد.
بدوره، حذّر Daron Acemoglu الخبير الاقتصادي في Massachusetts Institute of Technology من أن ارتفاع أسعار النفط وتزايد حالة عدم اليقين على المستوى العالمي، قد يلحقا ضرراً بالاقتصاد الأميركي، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لا تبدو وكأنها تمتلك حتى الآن استراتيجية خروج واضحة من الصراع مع إيران، ما قد يجعل تداعياته الاقتصادية تمتد لفترة طويلة.
الأثر الأسرع
وتقول الصحفية الاقتصادية د. هدى علاء الدين، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن التأثير المباشر للحرب مع إيران على الاقتصاد الأميركي يبدأ من الطاقة، وهو العامل الأسرع انتقالاً إلى جيوب المستهلكين، فالولايات المتحدة تُعد اليوم من كبار منتجي النفط، ولكن أسعار الوقود داخلها ما تزال مرتبطة بالسوق العالمية، ولذلك فإنه عندما ترتفع المخاطر في منطقة، تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية، مثل مضيق هرمز، فإن أسعار البنزين والديزل داخل الولايات المتحدة تتفاعل بشكل فوري مع الأحداث.
وتشرح علاء الدين، أن ارتفاع أسعار الوقود في أميركا لا يؤثر فقط على السائقين، بل يمتد إلى كامل الاقتصاد، حيث أن معظم السلع الاستهلاكية في البلاد تُنقل عبر الشاحنات لمسافات طويلة، وبالتالي فإن ارتفاع أسعار الديزل يرفع تكاليف النقل، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة أسعار السلع في المتاجر، مشدداً على أن هذا النوع من التضخم المرتبط بالطاقة، غالباً ما يكون سريع الانتشار، لأنه يدخل في تكلفة كل شيء تقريباً، من المواد الغذائية إلى التجارة الإلكترونية.
وتلفت علاء الدين، إلى أن الحرب تؤثر أيضاً على توقعات الأسواق المالية، فارتفاع مستوى عدم اليقين الجيوسياسي يدفع المستثمرين إلى تقليص المخاطر في محافظهم الاستثمارية، ما يؤدي إلى تقلبات في أسواق الأسهم، وهذه التقلبات قد تخلق ما يُعرف بـ"تأثير الثروة"، حيث يشعر الأفراد بأن ثرواتهم تراجعت بسبب انخفاض قيمة استثماراتهم أو مدخرات التقاعد، فيميلون إلى تقليص الإنفاق الاستهلاكي، كاشفةً أن الاقتصاد الأميركي يعتمد بدرجة كبيرة على قوة الاستهلاك المحلي، إذ يمثل إنفاق الأسر نحو ثلثي الناتج المحلي الإجمالي، ولذلك فإن أي عامل يدفع المستهلكين إلى الحذر في الإنفاق، قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي أوسع.
تأجيل الاستثمارات
وتضيف علاء الدين، إنه في حال استمرت الحرب لفترة أطول مما هو متوقع، فإن التحدي الأكبر بالنسبة لأميركا قد لا يكون في ارتفاع الأسعار، بل في استمرار حالة عدم اليقين، فالشركات عندما لا تعرف كيف ستتطور الأوضاع الجيوسياسية تميل إلى تأجيل الاستثمارات والتوظيف، وهو ما قد ينعكس في النهاية على سوق العمل والنشاط الاقتصادي داخل البلاد.
طبقة تضخمية جديدة
بدوره يرى المحلل الاقتصادي محمد سعد، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، أن الأزمات الجيوسياسية الكبرى غالباً ما تؤثر في المزاج الاقتصادي العام، وهو عامل قد يكون له أثر كبير في القرارات المالية اليومية للأفراد، مثل تأجيل شراء السلع الكبيرة، أو تقليص الإنفاق على السفر والترفيه، لافتاً إلى أن ارتفاع أسعار وقود الطائرات سيضغط على شركات الطيران، التي غالباً ما تمرر جزءاً من هذه الزيادة إلى المستهلكين عبر رفع أسعار التذاكر، وهو ما قد يدفع العديد من الأميركيين للتفكير في إلغاء خطط السفر، خصوصاً السياحية، الأمر الذي سينعكس سلباً على قطاعات اقتصادية أخرى مثل الفنادق والمطاعم.
كما يشير سعد إلى أن الحرب مع إيران قد تؤثر أيضاً على سلاسل الإمداد العالمية، التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في استيراد العديد من السلع، إذ أن التوترات في مضيق هرمز، أدت إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما يضيف طبقة جديدة من الضغوط التضخمية على الاقتصاد الأميركي، ولكن لا يجب أن ننسى أن الاقتصاد الأميركي يمتلك في المقابل درجة عالية من المرونة التي تمكنه من امتصاص جزءاً من الصدمات الخارجية.
مخاطر الإطالة
ويشدد سعد على أنه إذا كانت الحرب قصيرة نسبياً، فإن تأثيرها سيظل محدوداً ومؤقتاً، أما إذا تحولت إلى مواجهة طويلة الأمد، فإن التأثير لن يقتصر على ارتفاع الأسعار، بل قد يمتد إلى تباطؤ الاستثمارات وتراجع ثقة المستهلكين، وهو ما قد يضع الاقتصاد الأميركي أمام اختبار حقيقي في المرحلة المقبلة.




