لماذا تُعد سلاسل الإمداد ركيزة للأمن الغذائي في الإمارات؟
11:24 - 13 أكتوبر 2026
سلّطت اضطرابات الشحن خلال عام 2026 الضوء على تحدٍّ رئيسي يواجه منتجي الأغذية، يتمثل في ضمان استمرار تدفق المكونات ومواد التعبئة والتغليف والمنتجات النهائية، في ظل الضغوط التي تتعرض لها مسارات التجارة المعتادة.
تُعد زيادة إنتاج الغذاء محلياً جزءاً مهماً من نهج دولة الإمارات لتحقيق الأمن الغذائي. لكن امتلاك القدرة على تصنيع الأغذية داخل الدولة ليس سوى أحد العناصر اللازمة لضمان استمرار وصول المنتجات إلى رفوف المتاجر الكبرى عند تعطل سلاسل الإمداد العالمية.
فالمصانع لا تزال تعتمد على شبكة معقدة تضم المواد الخام المستوردة، والمكونات المتخصصة، ومواد التعبئة والتغليف، ومرافق التخزين، وشبكات النقل. وأي تأخير في إحدى حلقات هذه الشبكة قد يؤثر في الإنتاج، حتى وإن كانت منشآت التصنيع نفسها تعمل بصورة طبيعية.
وقد كشف اضطراب مسارات الشحن المعتادة خلال عام 2026 عن حجم هذا الاعتماد بصورة أوضح، وأجبر المصنّعين على إعادة النظر في طرق توريد المواد وإدارة المخزون ونقل البضائع عبر الحدود.
وتطرح هذه التجربة سؤالاً أوسع بالنسبة للإمارات: كيف يمكن دعم التصنيع المحلي بسلاسل إمداد تتمتع بالمرونة الكافية للاستجابة حين يتعذر الاعتماد على المسارات التجارية التقليدية؟
البحث عن مسارات بديلة
تجلّت التحديات العملية لهذه الاضطرابات لدى شركات تصنيع الأغذية العاملة في مختلف أنحاء المنطقة.
ويقول محمد آزاد خان، المدير التنفيذي لمجموعة "إفكو" التي تتخذ من الإمارات مقراً لها، إن هذه التجربة عززت الحاجة إلى النظر للأمن الغذائي من منظور سلسلة الإمداد بأكملها، بدلاً من التركيز على القدرة الإنتاجية وحدها.
وقال خان لـ "سكاي نيوز عربية": "الإنتاج المحلي والواردات والاحتياطيات جميعها مهمة، لكن لا يمكن لأي منها أن يعمل بمعزل عن الآخر".
وقد اضطرت "إفكو"، التي تدير أنشطة في تصنيع الأغذية والطحن والتكرير والتوزيع داخل الإمارات وخارجها، إلى تعديل ترتيبات النقل لديها مع تزايد الضغوط على مسارات الشحن التقليدية.
وبحسب خان، استوردت المجموعة منذ بداية مارس أكثر من نصف مليون طن من زيوت الطعام والحبوب لتزويد مصافيها ومطاحنها في المنطقة، مستخدمة مسارات بديلة تمر عبر موانئ، من بينها موانئ على الساحل الشرقي للإمارات وأخرى على البحر الأحمر.
وتوضح شحنات القمح حجم التعديلات اللوجستية التي استلزمها ذلك.
ففي السابق، كانت السفن المحملة بالقمح تستطيع تفريغ حمولاتها مباشرة في صوامع متصلة بالمطاحن عبر أنظمة السيور الناقلة. لكن خلال فترة الاضطرابات، أُعيد توجيه الشحنات القادمة من البحر الأسود لتسلك طريقاً يلتف حول رأس الرجاء الصالح وصولاً إلى الساحل الشرقي للإمارات، حيث تطلب نقل حمولة سفينة واحدة من هناك إلى المطاحن الاستعانة بأكثر من 1000 شاحنة.
ولم تقتصر التحديات على السلع السائبة. فمع ارتفاع مدة شحن الحاويات من أوروبا من نحو 25 يوماً إلى 45 يوماً أو أكثر، لجأت الشركة أيضاً إلى نقل بعض المكونات والمواد براً من أوروبا.
حين تصبح المكونات الصغيرة حاسمة
بالنسبة لشركات تصنيع الأغذية، ترتبط بعض أبرز نقاط الضعف بمواد لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من المنتج النهائي.
وقد يصعب توفير بدائل سريعة للإضافات والمكونات المتخصصة ومواد التعبئة والتغليف، ما يعني أن تأخر وصولها قد يؤثر في خطوط إنتاج بأكملها.
ويوضح خان: "قد لا يشكل عامل استحلاب أو مضاد أكسدة سوى جزء ضئيل للغاية من تركيبة المنتج، لكن غيابه قد يعطل خط إنتاج كاملاً، وكل ما هو مدرج بعده في جدول الإنتاج. وقد يحدث الأمر نفسه عند غياب غلاف أو علبة كرتونية".
ولمعالجة هذا النقص، تقول "إفكو" إنها نقلت جواً أكثر من 800 طن من المواد الخام والمكونات الغذائية الأساسية على مدى أربعة أشهر، مستأجرةً 7 طائرات شحن مخصصة لهذا الغرض.
وشملت الشحنات أنواعاً متخصصة من النشا، ومسحوق مصل اللبن، ومكونات لصناعة الحلويات، جرى توريدها من دول من بينها إسبانيا وأيرلندا وهولندا وماليزيا.
ورغم أن الشحن الجوي لا يمكن أن يحل محل النقل البحري للسلع السائبة، فإنه قد يوفر للمصنّعين وسيلة حاسمة لتجاوز فجوات الإمداد، عندما يتوقف استمرار إنتاج كميات أكبر بكثير على توافر كميات صغيرة نسبياً من المكونات المتخصصة.
تعزيز المرونة خارج حدود المصانع
سلّطت الاضطرابات الضوء أيضاً على أهمية الربط بين التصنيع المحلي والصناعات الداعمة له.
ففي الإمارات، تدير "إفكو" مطاحن للدقيق والأعلاف ومصافي لتكرير زيوت الطعام في مواقع مرتبطة بالموانئ، حيث تقع صوامع الحبوب ومجمعات خزانات التخزين بمحاذاة أرصفة الرسو، إلى جانب مرافق إضافية في ميناء عميق المياه قادر على استقبال سفن أكبر حجماً.
وتمتد أنشطة المجموعة أيضاً إلى تصنيع مواد التعبئة والتغليف والتوزيع. وتشغّل أسطولاً يضم عدة مئات من الشاحنات والمقطورات، يخدم شبكة توزيع تصل إلى عشرات الآلاف من منافذ البيع بالتجزئة في أنحاء المنطقة.
وخلال فترة الاضطرابات، زادت الشركة مشترياتها من مواد التعبئة والتغليف من مصنّعين محليين، ما قلّص اعتمادها على بعض مسارات الإمداد الدولية الأطول.
وتوضح هذه الإجراءات كيف يمكن للقدرات الصناعية المحلية أن تدعم الأمن الغذائي بما يتجاوز إنتاج المواد الغذائية النهائية نفسها.
كما تبرز استمرار أهمية التجارة الدولية. فما زالت مواد خام مثل القمح وزيوت الطعام الخام والكاكاو تحتاج إلى الاستيراد، ما يجعل تنويع الموردين ومسارات النقل أمراً ضرورياً حتى عندما تجري عمليات التصنيع محلياً.
وفي الإمارات، تتماشى هذه الاعتبارات مع الأهداف الأوسع لمبادرة اصنع في الإمارات، ولا سيما الحاجة إلى تطوير قدرات صناعية مترابطة، بدلاً من التركيز على الطاقة التصنيعية بمعزل عن بقية عناصر المنظومة.
وتضم شبكة "إفكو" الدولية 95 موقعاً تشغيلياً في أكثر من 50 دولة، وتُباع منتجاتها في أكثر من 100 سوق. ويقول خان إن هذا الانتشار يتيح للمجموعة الوصول إلى موردين ومسارات بديلة حين تتعطل ترتيبات الإمداد المعتادة.
ويرى خان أيضاً أن جهود تعزيز الأمن الغذائي مستقبلاً ينبغي أن تربط بصورة أوثق بين الإنتاج الغذائي المحلي وتوريد المكونات والتعبئة والتغليف والخدمات اللوجستية وتخطيط المخزون، مع الحفاظ على إمكانية الوصول إلى موردين دوليين بديلين.
والدرس الأوسع من هذه التجربة هو أن الأمن الغذائي لا يُقاس بحجم إنتاج المصانع وحده، بل يعتمد أيضاً على قدرة المصنّعين ومقدمي الخدمات اللوجستية والموردين والجهات العامة على الاستجابة عندما لا تعود الترتيبات القائمة قادرة على أداء دورها.
ومع مواصلة الإمارات تطوير صناعتها الغذائية المحلية، قد يتبين أن متانة الشبكات التي تربط الموانئ والمستودعات والمصانع ومتاجر التجزئة لا تقل أهمية عن الطاقة الإنتاجية للمصانع نفسها.









