50 تريليون دولار.. حرب إيران تهز سوق الديون الآمنة
14:35 - 22 مايو 2026
يبدو أن أكبر أسواق السندات في العالم باتت ترى أن موجة تضخم واحدة خلال عقد العشرينيات قد تُعد حدثاً عابراً، لكن تكرارها للمرة الثانية يشير إلى اتجاه جديد ومثير للقلق، بحسب وكالة بلومبرغ نيوز.
أشعلت الحرب الأميركية على إيران موجة جديدة من ارتفاع الأسعار التي ضربت الاقتصاد العالمي، الذي لم يكد يتعافى من الصدمة السابقة. فجزء كبير من إمدادات الوقود والأسمدة العالمية بات عالقاً داخل مضيق هرمز، فيما بدأت التداعيات تتسع سريعاً؛ إذ ألغت شركات طيران أوروبية رحلاتها، واضطر الأميركيون لإنفاق 20 مليار دولار إضافية على الوقود، بينما بات مزارعو الأرز في آسيا يتساءلون عما إذا كان عليهم التخلي عن الزراعة هذا الموسم.
ووفقا لوكالة بلومبرغ، يرى معظم المحللين أن الأسوأ لم يأتِ بعد وأن الأمور مرشحة للتدهور قبل أن تتحسن.
ومع تفاقم هذه الأضرار وتراكمها، بدأت أكثر الملاذات أماناً في عالم المال تهتز بقوة:
إنها سوق السندات السيادية لدول مجموعة السبع، البالغة قيمتها أكثر من 50 تريليون دولار، حيث سجلت العوائد طويلة الأجل أعلى مستوياتها في عقدين هذا الأسبوع.
وببساطة، بدأ المستثمرون يخشون، على نحو لم يحدث حتى في ذروة التضخم بعد جائحة كورونا، أن يصبح التضخم المرتفع واقعاً دائماً. ولذلك يطالبون بعوائد أعلى تعويضاً عن هذا الخطر، ويتوقعون أن تضطر البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة لاحتوائه.
ولا يستند هذا الاستنتاج إلى صدمة الصراع في الشرق الأوسط فحسب، بل أيضًا إلى البيئة التي وقع فيها. فالاقتصادات لم تتخلص بعد بالكامل من آثار تضخم الجائحة.
كما أن الحكومات مثقلة بديون متزايدة في ظل صعوبات الحد من الإنفاق الذي يغذي التضخم. إضافة إلى ذلك، أدت المنافسة بين القوى الكبرى إلى تفكك سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليفها، إلى جانب إشعال سباق تسلح مكلف.
يقول داريو بيركنز، المدير الإداري في شركة TS Lombard لوكالة بلومبرغ نيوز: "نعيش سلسلة لا تنتهي من صدمات العرض والتغيرات الهيكلية الكبرى في الاقتصاد العالمي، وهذا سيخلق تقلبات حادة في التضخم".
وأضاف أن مستهدفات البنوك المركزية لـ التضخم عند 2 بالمئة بدأت تبدو أقرب إلى "حد أدنى" لا "سقف أعلى"، متوقعاً دخول الاقتصاد العالمي "مرحلة مختلفة من الدورة النقدية" تتسم برفع أسعار الفائدة في كل مكان.
صدمات تضخمية متلاحقة
لا تستطيع البنوك المركزية فعل الكثير إزاء توقف إمدادات الطاقة من الخليج، تمامًا كما لم تتمكن من معالجة ارتفاع أسعار السلع بعد حرب روسيا ضد أوكرانيا أو إغلاق المصانع خلال الجائحة. ويتمثل التحدي الرئيسي لها الآن في إقناع الجميع بأن الأوضاع ستستقر بعد انتهاء العاصفة الحالية.
في لغة الاقتصاديين، يُعرف ذلك بـ "تثبيت توقعات التضخم". لكن الأمر يصبح أكثر صعوبة عندما تأتي موجات ارتفاع الأسعار تباعًا.
فقد يفقد الناس الثقة في قدرة أو رغبة صناع السياسات على تحقيق أهدافهم، ويخلصون إلى أن التضخم المرتفع سيستمر- وهو ما ينعكس بدوره في مطالب الأجور وتسعير الشركات، وكذلك في أسواق السندات التي تحدد تكلفة الأموال، خاصة لمشتري المنازل.
وقال كلاوديو بوريو، الرئيس السابق للإدارة النقدية والاقتصادية في بنك التسويات الدولية، إنه يتوقع أن يكون العقد المقبل "أكثر ميلاً للتضخم هيكلياً"، وأن يفرض "أصعب التحديات على البنوك المركزية منذ عقود".
وقد اضطر أحد البنوك المركزية بالفعل للتحرك وفق هذا المنطق؛ إذ رفع البنك الاحتياطي الأسترالي أسعار الفائدة ثلاث مرات هذا العام.
وقالت سارة هانتر، نائبة محافظ البنك الأسترالي، خلال فعالية لوكالة بلومبرغ الثلاثاء، إن ارتفاع أسعار النفط يمثل "صدمة تضخمية جديدة جاءت بعد فترة قصيرة من الصدمة السابقة، والتي سبقتها أخرى قبلها بوقت قصير".
وأضافت: "إذا ارتفعت توقعات التضخم بشكل دائم، فسيصبح من الأصعب على البنك المركزي إعادة التضخم إلى مستواه المستهدف".
تساؤلات حول الفيدرالي الأميركي
السؤال الأكبر المطروح في الأسواق العالمية حالياً يتمثل في ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي الأميركي - البنك المركزي الأقوى في العالم - سيسلك المسار نفسه.
ومن المقرر أن يتولى كيفن وورش قيادة البنك المركزي الأميركي بترشيح من الرئيس دونالد ترامب، الذي دأب على المطالبة بخفض أسعار الفائدة.
لكن الحرب مع إيران غيرت التوقعات بشكل جذري، إذ باتت الأسواق تراهن على أن أول خطوة قد يتخذها "فيدرالي وورش" ستكون رفع الفائدة لا خفضها.
وتشير التجارب السابقة إلى أن ضغوط البيت الأبيض لخفض تكاليف الاقتراض لن تختفي بسهولة؛ فقد اصطدم ترامب سابقاً برئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بسبب رفضه خفض الفائدة بالوتيرة التي أرادها الرئيس الأميركي.
كما قد تواجه بنوك مركزية أخرى ضغوطاً مماثلة، لا سيما في ظل تضخم الديون العامة التي تصبح أكثر كلفة مع ارتفاع الفائدة.
يقول تشارلز غودهارت، المسؤول السابق في بنك إنجلترا، إن البنوك المركزية ستتعرض لضغوط طويلة الأجل لدعم أسواق الدين والحفاظ على أسعار فائدة منخفضة لتخفيف الأعباء المالية عن الحكومات، مضيفاً: "عندما تحتدم المواجهة، غالباً ما تكون الحكومات هي المنتصرة".
الإنفاق الحكومي والضغوط التضخمية
أعادت أزمة الطاقة تحفيز الحكومات على زيادة الإنفاق لحماية مواطنيها من ارتفاع الأسعار. فبينما لجأت الهند إلى توجيه موظفي القطاع العام للعمل من المنزل، وفرضت كوريا الجنوبية قيوداً على القيادة لتقليل استهلاك الوقود، أعلنت دول مثل البرازيل وألمانيا تقديم دعم مباشر للوقود، فيما قدم كل من الاتحاد الأوروبي وأستراليا مساعدات للمزارعين المتضررين من ارتفاع أسعار الديزل والأسمدة.
ورغم أن حجم هذه البرامج لا يزال بعيداً عن مستويات الإنفاق الضخمة خلال جائحة كورونا، فإن استمرار أزمة الطاقة قد يفرض مزيداً من التدخلات المالية. وخلال اجتماعهم في باريس هذا الأسبوع، حاول وزراء مالية مجموعة السبع تهدئة الأسواق بالتأكيد أن أي إجراءات دعم ستكون "مؤقتة وموجهة ومسؤولة مالياً" لطمأنة الأسواق.
الأسواق تخشى الديون والتضخم المستدام
تختلف أوضاع دول مجموعة السبع مالياً؛ فاليابان تمتلك أعلى مستويات الدين، والولايات المتحدة تسجل أكبر العجوزات، بينما تتحمل بريطانيا أعلى تكلفة اقتراض. لكن المستثمرين يرون أن المشكلة الجوهرية مشتركة بين الجميع: الإنفاق الحكومي المفرط.
وقال بريج خورانا، مدير محافظ الدخل الثابت في Wellington Management: "إذا أراد صناع السياسات انخفاض العوائد طويلة الأجل، فعليهم خفض الإنفاق".
ورغم هذه المخاوف، لا يتوقع معظم الاقتصاديين أن تصل صدمة التضخم الناتجة عن الحرب مع إيران إلى مستوى الصدمة التي أعقبت جائحة كورونا، ناهيك عن موجة التضخم الكبرى في سبعينيات القرن الماضي.
كما أن تباطؤ الاقتصادات العالمية يحد من الضغوط السعرية الفورية؛ إذ سجلت بريطانيا أكبر تراجع في التوظيف منذ الجائحة، فيما تظهر مؤشرات ضعف في اقتصادات أوروبية أخرى.
الذكاء الاصطناعي... عامل تضخم أم أداة كبح؟
يرى بعض الاقتصاديين أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح عاملاً يخفف من وطأة التضخم على المدى الطويل عبر رفع الإنتاجية وتوسيع القدرة الإنتاجية للاقتصاد العالمي.
وقال ناثان شيتس، كبير الاقتصاديين العالميين لدى سيتي غروب، إنه لا يعتقد بوجود تحول هيكلي عميق سيجعل الاقتصاد أكثر تضخماً بشكل دائم، مرجعاً ذلك إلى التأثير الإيجابي الكبير المتوقع للذكاء الاصطناعي على جانب العرض.
لكن في الأجل القصير، يضيف سباق بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ضغوطاً تضخمية جديدة، إذ يؤدي الطلب الهائل على الرقائق الإلكترونية إلى ارتفاع أسعار أجهزة الكمبيوتر ومنصات الألعاب الإلكترونية.
وتتوقع وحدة بلومبرغ إيكونوميكس أن تضيف هذه الطفرة نحو 0.4 بالمئة إلى معدل التضخم الأميركي بحلول فبراير المقبل.
كما تستفيد الصين من ارتفاع صادرات الرقائق، فيما ساهم صعود أسعار النفط في إنهاء سنوات من الانكماش السعري في تكاليف المصانع الصينية، ما قد يرفع أسعار السلع المصدرة عالمياً ويزيد الضغوط التضخمية.
المناخ والسياسة يعمّقان الأزمة
إلى جانب الطاقة، يبرز المناخ كعامل إضافي يهدد الأسعار. فإغلاق مضيق هرمز يدفع أسعار الغذاء للارتفاع، وهو ما يضرب الدول الفقيرة بشكل خاص.
وحذّر برنامج الأغذية العالمي من أن الحرب قد تدفع أعداداً قياسية من البشر نحو الجوع الحاد، فيما رجح مركز التنبؤات المناخية الأميركي احتمالاً بنسبة الثلثين لحدوث ظاهرة "إل نينيو" قوية خلال الأشهر المقبلة، ما يهدد المحاصيل الزراعية عالمياً.
كما تشكل الشيخوخة السكانية عاملاً تضخمياً محتملاً؛ إذ قد يؤدي تقلص حجم القوى العاملة إلى تعزيز قدرة العمال على المطالبة بأجور أعلى، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية.
أما جيوسياسياً، فقد أدت الحروب والصراعات، من أوكرانيا إلى إيران، إلى زيادة التوتر بين القوى الكبرى، بالتزامن مع تصاعد سباقات التسلح والعقوبات الاقتصادية والرسوم الجمركية، ما رفع تكاليف التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
وقال إيمانويل مونش، المدير المشارك لمركز البنوك المركزية في فرانكفورت، إن "الوضع العالمي أصبح أكثر هشاشة، ولا توجد مؤشرات فورية على عودة الاستقرار".
وفي ظل تصاعد تكاليف المعيشة، بدأت التداعيات السياسية تظهر بوضوح؛ إذ تشير دراسة صادرة عن معهد كيل إلى أن موجات التضخم تدفع الناخبين نحو دعم الأحزاب الشعبوية والمتطرفة.
وقالت لينا كوميلفا من شركة G Plus Economics إن "التضخم المرتفع يغذي الشعبوية عبر تآكل مستويات المعيشة، ما يضغط على الحكومات لزيادة الإنفاق والاقتراض، وبالتالي إطالة أمد الضغوط التضخمية"، محذرة من "حلقة مفرغة" تجمع بين التضخم المرتفع وتصاعد الشعبوية.
الخلاصة
يُظهر تطوّر الأحداث أن الاقتصاد العالمي يواجه تحولًا أعمق من مجرد صدمة تضخمية عابرة، إذ تتقاطع عدة عوامل هيكلية—الجيوسياسية والمالية والتكنولوجية—لتُعيد تشكيل بيئة الأسعار العالمية على نحو قد يكون طويل الأمد، بحسب وكالة بلومبرغ.
فالحرب المرتبطة بإيران لا تمثل فقط أزمة إمدادات طاقة مؤقتة، بل تكشف هشاشة جديدة في النظام الاقتصادي العالمي، حيث أصبحت سلاسل التوريد أكثر عرضة للاضطراب، وأقل كفاءة، وأعلى تكلفة. ومع تكرار ما يُعرف بـ"صدمات العرض" بوتيرة متقاربة—من الجائحة إلى حرب أوكرانيا وصولًا إلى التوترات الحالية—تتزايد المخاوف من أن التضخم لم يعد ظاهرة دورية، بل بات سمة متكررة في الاقتصاد العالمي.
في هذا السياق، تتعرض أهم ركائز الاستقرار المالي، أي أسواق السندات السيادية للدول المتقدمة، لضغوط غير مسبوقة منذ سنوات. فارتفاع العوائد يشير إلى تغيّر في سلوك المستثمرين، الذين لم يعودوا يفترضون عودة سريعة للتضخم إلى مستوياته المستهدفة، بل يطالبون بعلاوة مخاطر أعلى تحسبًا لاستمرار ارتفاع الأسعار، بحسب وكالة بلومبرغ.
في الوقت نفسه، تجد البنوك المركزية نفسها في موقف بالغ التعقيد. فهي عاجزة بطبيعتها عن معالجة جذور صدمات العرض—مثل الحروب أو الكوارث المناخية أو اختناقات الطاقة—لكنها مطالبة في المقابل بالحفاظ على مصداقيتها عبر كبح التضخم. وهذا يخلق معادلة صعبة بين رفع أسعار الفائدة أو المخاطرة بترسخ التضخم.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع الضغوط السياسية والمالية، إذ تواجه الحكومات مستويات ديون مرتفعة وتزايدًا في المطالب الاجتماعية، ما يدفعها إلى مواصلة الإنفاق حتى في ظل بيئة تضخمية. ويُخشى أن يؤدي ذلك إلى حلقة مفرغة من التضخم المرتفع والديون المتزايدة، بحسب وكالة بلومبرغ.
إلى جانب ذلك، تلعب عوامل بعيدة المدى دورًا متصاعدًا، مثل التغير المناخي، والتحولات الديموغرافية، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى—وهي كلها عناصر تضغط على الأسعار وترفع من تقلباتها.
ورغم أن بعض العوامل—خصوصًا الذكاء الاصطناعي—قد تساهم مستقبلاً في تخفيف الضغوط التضخمية عبر تعزيز الإنتاجية، فإن تأثيرها لن يكون فوريًا، بل تدريجيًا وعلى مدى سنوات.
في المحصلة، تشير هذه التطورات إلى أن العالم قد يدخل مرحلة جديدة من التضخم الأكثر تقلبًا واستمرارية، مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع في أسعار الفائدة وزيادة كلفة التمويل عالميًا، إلى جانب تصاعد المخاطر الاقتصادية والسياسية المرتبطة بتآكل القدرة الشرائية، بحسب وكالة بلومبرغ.











