الجنيه المصري ينتزع لقب أفضل العملات أداء أمام الدولار
10:18 - 19 يونيو 2026
في مشهد اقتصادي استثنائي، شهدته مصر حيث باتت الأرقام تتحدث بلغة تفوق التوقعات وتكسر الأنماط المألوفة؛ إذ سجّلت تحويلات المصريين العاملين في الخارج مستوىً قياسياً لم تبلغه مصر من قبل، بلغ 39 مليارًا و200 مليون دولار خلال عشرة أشهر فقط، منها 4 مليارات و300 مليون دولار في أبريل الماضي وحده.
وفي الوقت ذاته، استقطبت السندات المصرية 3 مليارات دولار في يوم واحد، فيما حقّق قطاع السياحة 7 مليارات دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، مستقبلاً 7 ملايين و500 ألف سائح، فيما تستهدف الحكومة استقطاب نحو 20 مليون سائح بنهاية العام.
وفي السياق ذاته، أسهمت عمليات التخارج المنفَّذة بموجب وثيقة سياسة ملكية الدولة في ضخّ 5 مليارات و900 مليون دولار في خزينة الدولة، فيما بلغت القيمة الإجمالية لـ25 صفقة تخارج نُفِّذت على مدار أربع سنوات نحو 37 مليار دولار. أما الجنيه المصري، فيُصنَّف حالياً الأفضل أداءً عالمياً مقابل الدولار، بعد ارتفاع تجاوز 4% في أربعة أيام فقط. وهذه الأرقام في مجملها لا تُعدّ مؤشرات عابرة، بل تمثّل سياقاً بالغ الدلالة لفهم ما يحدث في عمق الاقتصاد المصري.
انتعاش مؤقت أم مسار مستدام؟
في خضم هذا المشهد، أثار عضو مجلس إدارة الاتحاد المصري للأوراق المالية محمد كمال خلال حديثه لبرنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية تساؤلاً جوهرياً: هل تعافي الجنيه المصري وما يرافقه من انتعاش اقتصادي مؤقت أم مستدام؟ وأجاب بثقة بالأرقام، مؤكداً أن ما تشهده مصر اليوم هو نتاج إصلاحات وتعديلات اقتصادية متراكمة عملت عليها الحكومة على مدار فترة طويلة، وأن ثمار برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي باتت تُجنى الآن، بعد مسار من التعديلات التشريعية وتحولات سياسة البنك المركزي.
مرونة غير مسبوقة في سياسة البنك المركزي
أكد كمال أن المرحلة الراهنة تتسم، للمرة الأولى، بمرونة كاملة في سياسات البنك المركزي وتحرك شامل لسعر الصرف. وأوضح أنه مع تصاعد التراجعات الجيوسياسية وبداية الحرب الإيرانية في النصف الأول من فبراير، كانت الأسواق تحتضن ما يقارب 15 مليار دولار من الأموال الساخنة (Hot Money) موظَّفة في أدوات الدخل الثابت وأدوات الحكومة المصرية. وبالتوازي مع ارتفاع حدة التوترات، جرى تخارج كامل لهذه الأموال تدريجياً على مدار الأشهر التي شهدت تلك التوترات.
غير أن مطلع النصف الثاني من أبريل، ومع بداية الهدنة، حمل تحولاً لافتاً؛ إذ بدأت الأموال الساخنة في العودة، وتراوحت بين 5 و7 مليارات دولار ممن غادروا السوق في فبراير. وتجلّى هذا التسارع في جلستين متتاليتين شهدتا عودة ما يقارب 4 مليارات دولار دفعةً واحدة، عبر مزاد استثنائي نظّمته وزارة المالية.
قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات: قراءة في دلالات المرحلة
"رأى كمال أن كل هذه العوامل والمؤشرات مجتمعةً تدل على أن ما تشهده مصر هو تنمية مستدامة، معللاً ذلك بقدرة الاقتصاد على امتصاص صدمات كبيرة جداً في فترة من أهم وأصعب الفترات على منطقة الشرق الأوسط. وأضاف أن تغيير الفكر الاقتصادي، والتعديلات التشريعية، وتحسين بيئة الاستثمار، واستدامة المشاريع التنموية، كلها عوامل تصب في صالح الاقتصاد والاستثمار في مصر."
وبشأن أسعار الفائدة، كشف كمال أنه في مطلع العام، كانت لجنة السياسة النقدية للبنك المركزي تتوقع تخفيضاً يتراوح بين 5% و6%، إلا أن تصاعد التوترات دفع نحو تخفيض محدود لم يتجاوز 1%، في ظل مخاوف من تنامي التضخم الذي لم يقتصر على مصر أو المنطقة العربية، بل امتد ليطال العالم بأسره. ويتوقع كمال أن يشهد الربع الأخير من العام استئناف مسار خفض أسعار الفائدة، مصحوباً بإقبال واسع على السندات الحكومية وأذون الخزانة.
تحويلات الخارج عبر القنوات الرسمية: انتهاء حقبة السوق الموازية
أكد كمال أن الإصلاحات التشريعية وتحسين بيئة الاستثمار أسهما في استعادة ثقة المصريين في الخارج، وهو ما انعكس في تلاشٍ تام للسوق الموازية التي طالما شكّلت عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد المصري. وأكد أن تحويلات المصريين بالخارج باتت تسلك حصرياً القنوات الرسمية المعتمدة، مشيراً إلى أن مرونة سعر الصرف كانت العامل الجوهري المحفِّز لهذا التحول، سواء لدى المصريين في المهجر أم لدى المستثمرين الأجانب.
وأضاف أن التزام الحكومة المصرية بسداد جميع مستحقاتها لشركات البترول خلال أصعب ستة أشهر عاشها الاقتصاد، شكّل في حد ذاته رسالة بالغة الدلالة عن قوة هذا الاقتصاد ومتانته.
خمس شركات يومياً: تخارج الدولة يتحول من نية إلى واقع
حدد بالتدقيق اين تم الحديث عن هذا في النص الاصلي: على صعيد الإصلاح الهيكلي، يشدد كمال على أن تخارج الدولة أو نية التخارج لم تعد مجرد توجه، بل باتت واقعاً فعلياً، مشيراً إلى اجتماع عُقد برئاسة رئيس مجلس الوزراء المصري وضمّ وزير الاستثمار ووزير المالية ومساعد رئيس الوزراء لوحدة الشركات المملوكة للدولة، حيث تم التأكيد على جاهزية الشركات وإعادة هيكلتها، سواء الشركات القابضة أو الشركات التابعة، تمهيداً لعمليات التخارج عبر الطرح في البورصة أو من خلال مستثمر استراتيجي. كما يلفت إلى أن السوق تشهد إدراج نحو خمس شركات يومياً في جداول البورصة المصرية.
مطلوبات المرحلة: جداول زمنية وأقل بيروقراطية
على الرغم من إقراره الصريح بالمسار الإيجابي، حرص كمال على الإشارة إلى أن ثمة حاجة ماسة لمزيد من التسهيلات، وفي مقدمتها وضع جداول زمنية واضحة ومحددة التواريخ والمعالم، تتيح للمستثمر تحديد القطاع والشركة والفرص المتاحة. وأشار إلى أن الحكومة المصرية بدأت فعلاً في معالجة المعوقات البيروقراطية، مؤكداً في الوقت ذاته أن المشوار يستلزم المضي قُدُماً في مزيد من هذه التسهيلات.





