غورغييفا: نمو عالمي مستقر ومخاطر الدين تتصاعد
10:32 - 04 فبراير 2026أكدت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، في حديث حصري لبرنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية على هامش القمة العالمية للحكومات 2026 في دبي، أن الاقتصاد العالمي أظهر قدرة ملحوظة على الصمود أمام صدمات متعددة، مدفوعًا بثلاثة عوامل رئيسية: دور القطاع الخاص، التوجهات العالمية نحو التحالفات التجارية، وحماس المستثمرين تجاه الذكاء الاصطناعي.
وأشارت غورغييفا إلى أن العالم أصبح أكثر تعددية، مع بروز قوى جديدة تتفاعل على المستوى الاقتصادي والسياسي، ما يعكس تحولًا في طبيعة النمو العالمي وتوزيع القدرة الاقتصادية.
صمود الاقتصاد العالمي: القطاع الخاص قوة مرنة أمام الصدمات
وقالت غورغييفا إن صمود الاقتصاد العالمي يُعد "مثيرًا للإعجاب"، مشيرة إلى أن القطاع الخاص لعب دورًا رئيسيًا في تعزيز قدرة الاقتصادات على التكيف مع الصدمات، بعد أن تراجع دور الحكومات المباشر في النشاط الاقتصادي خلال العقود الماضية.
وأكدت أن هذا القطاع أكثر مرونة واستجابة في عالم سريع التغير، ما جعله محركًا أساسيًا للنمو الاقتصادي العالمي.
وتابعت: "الاقتصاد الأميركي يتكيف أسرع من أي مكان في العالم، مدعومًا بأسواق رأس مال عميقة وسيولة عالية، وقدرة فعالة على تخصيص الموارد المالية والعمالة".
وأشارت إلى أن رفع توقعات النمو العالمي لعامي 2026 و2027 بمقدار 0.2 بالمئة جاء بعد دراسة مستفيضة لديناميكيات القطاع الخاص، لتصبح توقعات صندوق النقد الدولي حاليًا 3.3 بالمئة لهذا العام و3.2 بالمئة للعام المقبل.
الذكاء الاصطناعي: محرك الاستثمار وتهديد الوظائف
واعتبرت غورغييفا أن الذكاء الاصطناعي يشكل محركًا رئيسيًا للنشاط الاستثماري، لكنه يحمل في الوقت ذاته تحديات كبيرة لأسواق العمل، حيث يهدد حوالي 40 بالمئة من الوظائف عالميًا، مع ارتفاع النسبة إلى 60 بالمئة في الدول الغنية.
وأضافت: "الدول غير المستعدة لمواجهة هذا التغيير قد تواجه اضطرابات اجتماعية، وقد يؤدي ذلك إلى تباطؤ الحماس تجاه هذه التكنولوجيا".
وأكدت أن صندوق النقد الدولي قام بتقييم التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي على النمو العالمي، وخلص إلى أنه قد يتراوح بين 0.1 بالمئة و0.8 بالمئة، مشيرة إلى أن تأثيره المحتمل ما يزال بحاجة إلى أن يتم على نطاق واسع ليؤدي إلى مكاسب فعلية في الإنتاجية.
تنويع الاقتصادات الخليجية: حماية من صدمات النفط
أشادت غورغييفا بالسياسات الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي، مشيرة إلى أن التنويع الاقتصادي أصبح واقعيًا: في الإمارات بلغت حصة القطاع غير النفطي 80 بالمئة من إجمالي الاقتصاد، وفي السعودية 60 بالمئة. وأضافت: "تم تحقيق الكثير لتنويع الاقتصاد وتقليل المخاطر، مما يجعل هذه الدول محمية نسبيًا من تقلبات أسعار النفط".
وأكدت أن القضاء على البيروقراطية في الإمارات شكل نموذجًا يُنصح بتطبيقه عالميًا، معتبرة أن التحالفات بين الدول تزيد من قدرة اقتصاداتها على الصمود في عالم متعدد الأقطاب.
مصر: برنامج إصلاحات طموح ودعم مالي مرتقب
وعن مصر، أبدت غورغييفا ثقة عالية في التزام الحكومة ببرنامج الإصلاحات، مشيرة إلى أن صندوق النقد الدولي سيصرف قريبًا 2 مليار دولار ضمن برنامج التسهيل الممدد، بالإضافة إلى 300 مليون دولار ضمن آلية تقييم المرونة والاستدامة. وأضافت: "هذا المبلغ ليس الهدف الأساسي، بل المهم هو نجاح التنفيذ الذي يعكس التزام مصر ببرنامج الإصلاحات".
وأشارت إلى أن التعاون مع مصر لن يقتصر على الدعم المالي، بل يشمل تقديم المشورة لتحسين بيئة النمو بقيادة القطاع الخاص، مؤكدة أن تنفيذ الإصلاحات سيعزز قدرة الدولة على جذب الاستثمارات وتنمية المهارات.
مستويات الدين العالمية: تحديات واستراتيجيات مواجهة
وحذرت غورغييفا من ارتفاع مستويات الدين العالمية بسرعة، لتقترب من 100 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ما يرفع تكلفة خدمة الدين ويحد من القدرة على الاستثمار في الاقتصاد الرقمي وتطوير المهارات.
وأوضحت أن صندوق النقد الدولي يدعو الدول إلى وضع أطر مالية متوسطة الأجل لتقليل الدين تدريجيًا، بما يوفر "مساحة تنفس" ويتيح الاحتفاظ باحتياطيات لمواجهة الصدمات المستقبلية.
التركيز على سوريا: مؤسسات قوية لتحفيز النهوض الاقتصادي
في ملف سوريا، أكدت غورغييفا أن صندوق النقد الدولي يعمل على تقييم القدرة المالية للبلاد، وتحسين الإيرادات وضبط الإنفاق، مشيرة إلى أن سوريا تمتلك إمكانات عالية للنمو، لكن النهوض الاقتصادي يتطلب وجود مؤسسات فعالة وسياسات واضحة. وأضافت أن البلاد تعاني من استنزاف كبير في المهارات الأساسية اللازمة لإدارة الدولة، وهو ما يعيق الانتعاش الاقتصادي ويجعل الدعم الدولي وإصلاح المؤسسات أولوية قصوى.
التحولات العالمية وتعدد الأقطاب الاقتصادية
وأشارت غورغييفا إلى أن العالم أصبح متعدد الأقطاب، مع ظهور قوى اقتصادية جديدة وتفاعل أكبر بينها، ما يساهم في توسيع فرص النمو العالمي. واعتبرت أن التحالفات بين الدول تزيد من قدرة اقتصاداتها على الصمود أمام التحديات، كما هو الحال في مناطق مجلس التعاون الخليجي ورابطة دول جنوب شرق آسيا، مؤكدًة أن تعزيز هذه التحالفات جزء أساسي من الاستراتيجية الاقتصادية العالمية.
خلصت غورغييفا إلى أن الاقتصاد العالمي يمر بمرحلة من التكيف التدريجي والتحولات التكنولوجية والجيوسياسية، مع استمرار الدور الحاسم للقطاع الخاص في قيادة النمو. وأكدت أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتنويع الاقتصاد وتعزيز الشراكات الدولية سيشكل دعائم صلبة للاستقرار والنمو المستدام في المستقبل القريب، مع ضرورة توخي الحذر في مواجهة تحديات الدين العام والمهارات المؤسسية، خصوصًا في الدول التي تواجه صدمات اقتصادية أو سياسية محتملة.


