تراجع التنمية 77 عاماً.. الأرقام الكاملة لكارثة غزة
08:08 - 08 أكتوبر 2026بعد ثلاث سنوات على هجوم السابع من أكتوبر 2023 والحرب التي تلته في قطاع غزة، لا تزال المؤشرات الاقتصادية والإنسانية ترسم صورة قاتمة لاقتصاد يعاني من انهيار شبه كامل، وسط تعثر جهود إعادة الإعمار وتأخر التمويل الدولي اللازم لبدء مرحلة التعافي الشامل.
وتُجمع تقارير أممية ودولية حديثة على أن القطاع يواجه ما وصفه مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) بـ"أشد أزمة اقتصادية مسجلة في العالم"، ووفقاً لأحدث تقييم مشترك أعده البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، قُدّرت الأضرار المادية المباشرة بنحو 35.2 مليار دولار، والخسائر الاقتصادية بـ 22.7 مليار دولار، في حين تتجاوز التكلفة الإجمالية للتعافي وإعادة الإعمار حاجز 71.4 مليار دولار على مدار العقد المقبل.
مشهد الانهيار بالأرقام
أفادت تقارير "أونكتاد" والبنك الدولي بانهيار الشرايين الأساسية للإنتاج والخدمات في القطاع على النحو التالي:
- تدمير القطاعات الإنتاجية: تعرضت 92 بالمئة من المنشآت الاقتصادية للضرر أو التدمير الكلي، بينما انكمش الناتج الزراعي والصناعي بنسبة 94 بالمئة، وانهار قطاع البناء بنسبة 99 بالمئة مقارنة بمستويات عام 2022.
- أزمة الإسكان والبنية التحتية: دُمِّر أو تضرّر نحو 90 بالمئة من منازل القطاع، مما أدى إلى نزوح 1.9 مليون شخص، فيما خرجت أكثر من 90 بالمئة من أصول شبكة الكهرباء ونصف المستشفيات عن الخدمة.
- شبه انعدام للدخل والوظائف: هبط نصيب الفرد من الناتج المحلي الحقيقي في غزة إلى 212 دولاراً سنوياً (ما يعادل 0.58 دولار يومياً)، واستقرت معدلات البطالة عند مستويات قياسية تتراوح بين 78 بالمئة و85 بالمئة، مع انخفاض نسبة العاملين إلى أقل من 10 بالمئة من السكان.
- تضخم وحرمان شامل: بقيت الأسعار أعلى بنسبة 274 بالمئة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، مما دفع مجمل سكان القطاع للوقوع تحت خط الفقر متعدد الأبعاد.
شروط مكبلة و"إرهاق تمويلي"
في ظل هذا الواقع المعقد، تتعثر مسارات التمويل الدولي، إذ تشير البيانات إلى أنه من أصل 18 مليار دولار تم التعهد بها مبدئياً لإعادة الإعمار، لم يُسلّم منها سوى 280 مليون دولار فقط حتى الآن.
وفي تصريحات خاصة لـ "سكاي نيوز عربية"، حذر الخبير الاقتصادي الفلسطيني الدكتور سمير حليلة من أن المراهنة الكاملة على المساعدات الخارجية المؤجلة بانتظار الترتيبات السياسية والأمنية تُعد "استراتيجية قاتلة"، مشدداً على أن رهن مصير القطاع بقرارات المعابر والاشتراطات الدولية سيؤدي إلى تعميق المعاناة الإنسانية.
وأوضح حليلة أن إطلاق مؤتمر دولي للمانحين الاصطدام بشرط إسرائيلي يربط بدء الإعمار بالتجريد الكامل للسلاح، وهو شرط يواجه تعقيدات ميدانية وسياسية حادة.
كما كشف عن وجود "إرهاق تمويلي" لدى القوى الدولية نتيجة استنزاف الموازنات في أزمات متزامنة كالحرب الروسية الأوكرانية واحتياجات الإعمار في لبنان وسوريا، بالتزامن مع تراجع معدلات النمو الإقليمية.
روشتة حليلة: كسر الجمود ورفض "استيراد العمالة"
وحول الحلول العاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، رفَضَ د. حليلة الطروحات التي تتحدث عن استيراد عمالة خارجية لمشاريع البناء والترميم، مؤكداً أن الأولوية المطلقة يجب أن تكون لتشغيل مئات الآلاف من العمال الغزيين الذين فقدوا مصدر رزقهم، لضمان ضخ الأجور داخل الاقتصاد المحلي وتدوير السيولة.
ودعا حليلة إلى عدم الانتظار وتدشين "مبادرة اعتماد على الذات" تبدأ فوراً عبر خطوات إنتاجية أولية داخلية:
- دعم قطاع الصيد البحري: توفير قوارب الصيد والمعدات الأساسية فوراً لتوفير مصدر بروتين عاجل.
- الإنعاش الزراعي: استصلاح الأراضي القابلة للزراعة لتأمين الحد الأدنى من الأمن الغذائي.
- ترميم الصناعات الأولية: إعادة تشغيل المخابز ومصانع الألبان والورش الصغيرة لتأمين الاحتياجات اليومية.
- النموذج الاقتصادي المستقبلي: الانفكاك عن التقليدية
وعن شكل الاقتصاد المطلوب لغزة مستقبلاً، بيّن د. سمير حليلة أن القطاع يقف أمام "فرصة تاريخية" لإعادة تصميم اقتصاده كلياً والانفكاك عن النموذج التقليدي القديم، عبر التحول نحو اقتصاد حديث قائم على:
- الخدمات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
- مشاريع الطاقة المتجددة والحلول البيئية.
- إعادة الربط العضوي بين اقتصاد الضفة الغربية وقطاع غزة باعتبارهما سوقاً واحداً متكاملاً.
وشدد الخبير الاقتصادي في ختام حديثه لـ "سكاي نيوز عربية" على أن هذا التحول مشروط بفك الحصار كلياً، وفتح المعابر، وتشغيل الميناء والمطار، مؤكداً أن البدء الفوري بالمشاريع الإنتاجية الصغرى بأيدي الفلسطينيين أنفسهم هو السبيل الوحيد لكسر حالة الجمود الحالية وحماية المواطنين من تداعيات برد الشتاء والمخيمات لحين نضوج مرحلة التعافي الكبرى.









