حصار ترامب يُحدث "خرقاً" في جسد الاقتصاد الإيراني
07:44 - 22 أبريل 2026في مشهد اقتصادي–سياسي شديد التعقيد، تتقاطع أدوات الضغط البحري مع حسابات الطاقة والتوازنات الدولية، لتدفع إيران نحو خيارات تفاوضية لم تكن مطروحة سابقاً.
وفي قراءة تحليلية قدّمها الباحث السياسي المختص في الشأن الإيراني وقضايا الشرق الأوسط وجدان عبد الرحمن خلال حديثه إلى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، تتكشف ملامح تحوّل نوعي في طبيعة الضغوط المفروضة على طهران، حيث لم تعد العقوبات مجرد عبء على المجتمع، بل أصبحت تضرب في صميم بنية النظام الاقتصادية والأمنية، بما يفرض مساراً تفاوضياً محكوماً بضغوط مباشرة على مفاصل الاقتصاد النفطي.
الضربة الاقتصادية: أرقام الصدمة
تكشف البيانات الحكومية الإيرانية عن حجم الكارثة الاقتصادية التي يعيشها البلد؛ إذ تجاوزت الخسائر في أول أربعين يوماً من الحرب حاجز 270 مليار دولار، فيما يُكبّد الحصار البحري الاقتصادَ الإيراني ما يزيد على 450 مليون دولار يومياً.
وقد فرضت إدارة ترامب حصاراً بحرياً محكماً يحول دون دخول السفن إلى الموانئ الإيرانية والخروج منها، مستهدفةً في الوقت ذاته مراكز الثقل الاقتصادي الإيراني: مصانع البتروكيماويات، وخزانات الوقود، ومصانع الصلب، ومحطات المياه، والجسور.
ضغط اقتصادي يتجاوز العقوبات التقليدية
يرى عبد الرحمن أن الدافع الأساسي لانخراط إيران في المفاوضات يعود إلى التأثير العميق الذي طال اقتصادها، ليس فقط على مستوى المؤشرات العامة، بل في البنية التشغيلية لقطاع الطاقة. ويشير إلى أن قدرة إيران التخزينية داخل أراضيها تصل إلى نحو 60 مليون برميل، وهي طاقة بدأت بالامتلاء نتيجة تعثر الصادرات. هذا الواقع يضع طهران أمام معضلة تشغيلية حادة، إذ إن استمرار الحصار يفرض عليها إغلاق بعض آبار النفط، وهو ما يحمل تداعيات سلبية بعيدة المدى على الاقتصاد.
في هذا السياق، يوضح أن الخطاب الإيراني الرافض للمفاوضات لا يعكس موقفاً نهائياً، بل يدخل ضمن تكتيك تفاوضي يهدف إلى انتزاع امتيازات، أبرزها فتح المجال أمام السفن الإيرانية لعبور مضيق هرمز، وهو مطلب يعتبره غير قابل للتحقق في ظل المعطيات الحالية.
مضيق هرمز: أداة ضغط تحولت إلى عبء
يقدّم عبد الرحمن توصيفاً لافتاً لمضيق هرمز باعتباره "قنبلة خطيرة" بيد إيران، ليس بالمعنى النووي، بل بوصفه أداة تأثير اقتصادي وجيوسياسي واسعة النطاق. فقد استخدمت طهران هذا المضيق كورقة ضغط، ما ألحق أضراراً بدول المنطقة، لا سيما الخليجية، إضافة إلى الاقتصاد العالمي.
غير أن هذه الأداة، وفق التحليل ذاته، تحولت في المرحلة الراهنة إلى نقطة ضعف، بعدما أصبح الحصار البحري المفروض عبر المضيق أداة خنق للاقتصاد الإيراني نفسه، بما يقيّد قدرته على التصدير ويحد من تدفق الإيرادات.
تحوّل نوعي في أثر العقوبات
يؤكد عبد الرحمن أن الفارق الجوهري بين العقوبات السابقة والحالية يكمن في طبيعة تأثيرها. ففي السابق، كانت العقوبات تصيب المواطن الإيراني بشكل مباشر، بينما نجح النظام في الالتفاف عليها عبر قنوات تهريب النفط إلى عدة دول، ما مكّنه من الاستمرار، بل واستثمار الأزمة لصالحه.
أما اليوم، فقد تغيّر المشهد جذرياً، إذ باتت الضغوط تستهدف بشكل مباشر الحرس الثوري وبنية النظام الاقتصادية، خاصة عبر تعطيل الصادرات النفطية. ويشير إلى أن هذا التحول يجعل من استمرار الحصار عاملاً قد يقود إلى انهيار اقتصادي، كما أن فشل المفاوضات في هذه المرحلة سيشكل "كارثة" على النظام، نظراً لاعتماده المباشر على عائدات النفط.
مفاوضات تحت الإكراه لا التعنّت
يفنّد عبد الرحمن فرضية التعنّت الإيراني، معتبراً أن سلوك طهران في جولات التفاوض يعكس نمطاً من "القبول القسري". ويستشهد بمشاركتها في جولات سابقة رغم إعلانها المسبق الرفض، وكذلك بتراجعها عن شروط مرتبطة بملفات إقليمية، وصولاً إلى قرار المشاركة الذي صدر عن المرشد الإيراني، ما يعكس – وفق توصيفه – أن إيران "تستسلم في أكثر من مرة" تحت ضغط المعطيات.
ويخلص إلى أن الحصار البحري الذي فرضته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب حقق نتائج تفوق التوقعات، إذ دفع إيران عملياً إلى طاولة المفاوضات، بعدما قيّد خياراتها الاقتصادية.
الحصار بديلاً عن التدخل العسكري المباشر
يستبعد عبد الرحمن الحاجة إلى تدخل بري مباشر للسيطرة على الموارد النفطية الإيرانية، معتبراً أن الحصار البحري أدى بالفعل إلى شلّ الجزر والموانئ الإيرانية، من المحمرة إلى تشابهار، بما في ذلك جزيرة خرج. وبهذا، تمكنت الولايات المتحدة من التحكم ليس فقط بتدفق النفط، بل أيضاً بالإيرادات المرتبطة به عبر مضيق هرمز.
غير أنه يشير إلى أن الحشد العسكري الأميركي يظل قائماً كأداة ضغط إضافية في حال انهيار المفاوضات، خاصة أن استهداف البنية التحتية للطاقة والجسور يتطلب قدرات عسكرية كبيرة، وقد يترافق مع عمليات محدودة على الأرض في مناطق مثل شرق إيران أو جنوب غربها.
حدود الدعم الدولي: حسابات المصالح أولاً
في ما يتعلق بالدعم الخارجي، يشير وجدان عبد الرحمن إلى أن إيران عقدت اتفاقيات طويلة، من بينها اتفاقية استراتيجية مع الصين لمدة 25 سنة، وأخرى مع روسيا لمدة 20 سنة، وهي اتفاقيات ذات طابع اقتصادي وأمني. ويوضح أن الصين لن تتدخل في ملف إيران لكي لا تخلق مشاكل بينها وبين الولايات المتحدة، إذ تدرك أهمية أمريكا وقدراتها، ولذلك لا ترغب في الدخول في صراع مع الجانب الأمريكي.
أما روسيا، فيلفت إلى أنها مستفيدة من الحرب الدائرة، حيث تبيع النفط بأسعار مرتفعة، وكلما طال أمد الأزمة زادت أرباحها من مبيعات النفط، مشيراً إلى أن موسكو أعلنت أنها لن تتداخل في هذا المجال.
ويضيف أن هناك وساطة صينية سابقة بين إيران والمملكة العربية السعودية، غير أن إيران خرقت هذه الاتفاقية وقامت بتهديد المملكة، ولم تستطع الصين التأثير على النظام الإيراني، كما يستبعد أن يكون للصين تأثير حقيقي، معتبراً أن دور روسيا أكبر بكثير من الصين على النظام الإيراني، لما لها من نفوذ داخل المؤسسة العسكرية وأيضاً التيار المتشدد في الداخل الإيراني.






