الفلاسي يرسم خريطة استثمار جديدة: النمو مستمر حتى في الأزمات
07:16 - 07 مايو 2026في خضمّ مرحلة اقتصادية دقيقة تشهد فيها المنطقة تحولات جيوسياسية متسارعة، يُطل صندوق الإمارات للنمو برؤية استثمارية طموحة تتجاوز حدود الدعم المالي التقليدي إلى شراكة استراتيجية حقيقية.
في حديثه لـ"سكاي نيوز عربية" خلال فعاليات "اصنع في الإمارات 2026"، كشف وزير الرياضة ورئيس مجلس إدارة الصندوق الدكتور أحمد بالهول الفلاسي عن خطط توسعية جريئة تشمل مضاعفة الاستثمارات ثلاثة أضعاف، ورصد ما بين 200 و500 مليون درهم للمرحلة القادمة، وذلك في لحظة يُثبت فيها الصندوق أن اختيار لحظة الاستثمار ليست صدفة، بل هي رسالة سياسية واقتصادية مدروسة.
2025 عام الإنجازات وبناء الأساسيات
وصف الفلاسي العام الماضي بأنه "حافل بالإنجازات"، مستعرضاً المراحل التأسيسية التي قطعها الصندوق منذ انطلاقه.
وأوضح أن الأولوية الأولى كانت استقطاب الكفاءات القادرة على فهم توجه الصندوق وترجمته ميدانياً، باعتبار الصندوق مؤسسة جديدة تحتاج إلى أسس متينة قبل الانطلاق الواسع.
وكشف أن أول استثمارات الصندوق كانت في شركة "ترميم" العاملة في القطاع الصحي، حيث انصبّ الجهد لاحقاً على بناء منظومة حوكمة رشيدة داخل الشركة.
وشدد الفلاسي على أن دور الصندوق لا يقتصر على توفير رأس المال، بل يمتد إلى إضافة قيمة مضافة حقيقية عبر المشاركة في مجالس الإدارة، مؤكداً أن الصندوق يأخذ دائماً حصصاً أقلية تتراوح بين 20 بالمئة و49 بالمئة، مع الحرص على الحصول على مقعد في مجلس الإدارة يشغله خبير متخصص يُستقطب بالتعاون مع أصحاب الشركات. وكانت النتائج ملموسة؛ إذ ارتفعت أرباح شركة "ترميم" بنسبة 41 بالمئة بعد تدخل الصندوق، وهو ما اعتبره الفلاسي مؤشراً جوهرياً يعكس نجاعة النموذج الاستثماري القائم على القيمة المضافة لا على ضخ الأموال فحسب.
الاستثمار في ذروة الأزمة: رسالة من قلب العاصفة
أعلن الفلاسي خلال حديثه أن صندوق الإمارات للنمو أبرم استثماراً في شركة "كارني ستور" (CarniStore) العاملة في قطاع الغذاء، بلغت قيمته نحو 45 مليون درهم، وذلك خلال ذروة الهجمات الإيرانية التي تعرضت لها الدولة، في وقت كانت فيه رؤوس الأموال، وفق وصفه، "تتطاير". وأكد الفلاسي أن هذا الاستثمار لم يكن قراراً اعتيادياً، بل كان "رسالة قوية أن الإمارات مستمرة في النمو، وأن الصندوق داعم في جميع الأحوال".
وأوضح أن هذه الخطوة أحدثت أثراً واسعاً في الوسط الريادي؛ إذ توالت الطلبات على الصندوق بعد إعلان الاستثمار، وبات رواد الأعمال يدركون أنهم أمام مؤسسة لا تكتفي بتوفير التمويل، بل تُجسّد صندوقاً صبوراً يعرف أولويات الدولة ويلتزم بها في أحلك الأوقات.
مضاعفة ثلاثية: من شركتين إلى ست بـ500 مليون درهم
على صعيد الخطط المستقبلية، أعلن الفلاسي عزم الصندوق مضاعفة استثماراته ثلاث مرات خلال العام الجاري 2026، منتقلاً من محفظة شركتين إلى ست شركات. وكشف أن الصندوق يستهدف ضخ ما بين 200 و500 مليون درهم خلال المرحلة القادمة، حيث تشمل قيمة الـ500 مليون درهم الخطة التشغيلية الشاملة، فيما تُمثل الـ200 مليون درهم تطويراً استثمارياً إضافياً خالصاً.
وأكد أن الصندوق باعتباره جزءاً من مصرف الإمارات للتنمية، يحظى بدعم مؤسسي راسخ، مشيراً إلى أنه في حال استنزاف المبالغ المخصصة، سيُضخ رأس مال إضافي في إطار مرونة مالية معتمدة. وأبدى تفاؤلاً بالطلب المتصاعد على الصندوق، و تضاعف الطلب.
نموذج الاستثمار: شراكة لا إقراض، وقيمة لا أرقام
أوضح الفلاسي الفارق الجوهري بين نهج صندوق الإمارات للنمو وآليات التمويل التقليدية، مؤكداً أن القطاع الصناعي كان يعتمد قبل إنشاء الصندوق على الاقتراض المصرفي الذي يشترط رهن الأصول ودفع أرباح سنوية، مما يُقيّد قدرة الشركات على النمو. في المقابل، يُوفّر الصندوق استثماراً بالملكية يرفع القدرة التنافسية للشركة دون أعباء الديون.
وكشف أن الصندوق يتبنى مبدأ "المضاعف الاستثماري"، إذ يُمكن لكل درهم مستثمر في القطاع الصناعي أن يتضاعف من خمس إلى سبع مرات. كما أشار إلى منظومة الدعم المتكاملة التي يوفرها الصندوق لرواد الأعمال، والتي تشمل تأهيل الكفاءات، وفتح الأسواق الدولية عبر الاتفاقيات التي أبرمتها الدولة، وتيسير الحصول على عقود مع شركات وطنية كبرى كأدنوك، فضلاً عن دعم سلاسل الإمداد المحلية.
وشدد الفلاسي على أن الصندوق يدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في الوصول إلى حصتها من هدف التصنيع الوطني البالغ 300 مليار درهم، مؤكداً أن هذه الشريحة لا يمكنها الوصول إلى عقود كبرى كأدنوك بشكل مباشر، فتأتي عبر وسطاء ضمن برنامج القيمة المضافة الإماراتية (ICV).
المرونة القطاعية واليقين من المسار
أكد الفلاسي أن الصندوق يحافظ على توجهه القطاعي الأصيل الذي يشمل التصنيع والزراعة والأدوية والرعاية الصحية والتكنولوجيا المتقدمة، مع منح مجلس إدارته هامشاً من المرونة لاستيعاب شركات واعدة قد لا تستوفي كامل الشروط، لكنها تمتلك إمكانات نمو عالية. وقال: "هي ليست أبيض وأسود".
وفي معرض حديثه عن التحديات التي تواجه الشركات الناشئة، لفت الفلاسي إلى أن المرحلة الأكثر حساسية في مسيرة أي شركة هي الانتقال من عقلية رائد الأعمال الفردي إلى بنية الشركة الدولية ذات الحوكمة والعمل المؤسسي، مؤكداً أن هذه المرحلة قد تحسم مصير الشركة صعوداً أو هبوطاً. ولهذا أطلق الصندوق بالتعاون مع وزارتَي الاقتصاد والصناعة برنامجاً لتأهيل الشركات الواعدة التي تقترب من معايير الاستثمار لكنها تحتاج دعماً إضافياً.
وختم الفلاسي بدعوة صريحة لرواد الأعمال ومجتمع الأعمال بأسره إلى اغتنام اللحظة الراهنة، مؤكداً أن الإمارات "في فرصة كبيرة جداً جداً للنمو"، وأن جميع الأدوات والجهات الاتحادية والمحلية متوفرة لدعم كل من يسعى إلى بناء مشروعه في هذه البيئة الاستثمارية الخصبة.












