من التصعيد إلى التفاوض.. اختبار صعب للتحالف عبر الأطلسي
08:02 - 22 يناير 2026تصاعد التوتر في العلاقات عبر الأطلسي مجددًا، مع عودة الحديث عن سيناريوهات الانفصال الاقتصادي والسياسي بين الولايات المتحدة وأوروبا، في ظل سياسات تصعيدية أعادت إلى الواجهة شبح الحروب التجارية واختلال توازن الشراكة التي امتدت لعقود. فبين تلويح بالرسوم الجمركية، وخلافات حول النفوذ الجيوسياسي وملفات حساسة مثل غرينلاند، باتت العلاقة التاريخية تمر بمرحلة اختبار غير مسبوقة.
وفي مقابل هذا التصعيد، برزت محاولات واضحة لاحتواء التوتر ومنع الانزلاق نحو قطيعة شاملة، عبر قنوات تفاوضية ورسائل تهدئة متبادلة، عكست إدراك الطرفين لكلفة أي تصدع عميق في التحالف عبر الأطلسي.
وبين خطاب الانفصال وخيارات التهدئة أخيراً، يقف التحالف الأميركي–الأوروبي عند مفترق طرق حاسم، حيث تتقاطع الحسابات السياسية قصيرة الأجل مع رهانات اقتصادية طويلة المدى، في وقت يراقب فيه العالم مآلات هذه العلاقة التي شكّلت أحد أعمدة الاستقرار والنمو في النظام الدولي لعقود.
التراجع عن الرسوم
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الأربعاء، إنه والأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته "توصلا إلى إطار لاتفاق مستقبلي يتعلق بغرينلاند".
وأضاف ترامب أنه ونتيجة لهذه المفاوضات، لن يفرض بعد الآن رسوماً جمركية عقابية على مجموعة من الدول الأوروبية، كان من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من فبراير.
وفي مقابلة مع شبكة "سي إن بي سي"، بعد دقائق من نشره التصريح، وصف ترامب إطار غرينلاند بأنه "تصوّر لاتفاق". وعند سؤاله عن مزيد من التفاصيل بشأن المقترح، قال ترامب: "الأمر معقد بعض الشيء، لكننا سنشرحه لاحقاً".
وأشار في المقابل إلى أن هذا الإطار يتضمن حقوقاً معدنية للولايات المتحدة، فضلاً عن نظام الدفاع الصاروخي المقترح من إدارة ترامب والمعروف باسم "القبة الذهبية".
وأضاف: "سيكونون منخرطين في مشروع القبة الذهبية، وسيكون لهم دور في حقوق المعادن، وكذلك نحن". وعند سؤاله للتأكد مما إذا كانت الرسوم الجمركية لن تُفرض الشهر المقبل، أجاب ترامب: "لا، لقد ألغينا ذلك، لأننا على ما يبدو توصلنا، إلى حدٍّ كبير، إلى تصوّر لاتفاق".
تكاليف اقتصادية
يقول المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- أي قطيعة حقيقية بين الولايات المتحدة وأوروبا ستترتب عليها تكاليف اقتصادية باهظة على الاقتصاد الأميركي، حتى قبل حدوث أي انفصال رسمي.
- أوروبا تُعد الشريك التجاري الأكبر للولايات المتحدة، ومصدرًا محوريًا للاستثمار الأجنبي، والتعاون التكنولوجي، والتنسيق التنظيمي.
- تدهور العلاقات عبر الأطلسي من المرجح أن يقود إلى فرض رسوم جمركية وإجراءات تجارية انتقامية، فضلًا عن نشوء معايير تنظيمية مجزأة، ما يرفع كلفة المصدرين الأميركيين، لا سيما في قطاعات الطيران، والسيارات، والأدوية، والطاقة، والصناعات المتقدمة.
ويضيف أن الانفصال على الصعيد المالي سيُضعف الثقة في تدفقات رأس المال بين الجانبين، لافتًا إلى أن المستثمرين الأوروبيين يمتلكون تريليونات الدولارات من الأصول الأميركية، ومع تصاعد المخاطر السياسية قد يتحول رأس المال تدريجيًا بعيدًا عن الأسواق الأميركية، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض وتعزيز المنافسة على عملات ملاذ آمن أخرى، وهو أمر بالغ الحساسية لدولة تعتمد على الطلب العالمي لتمويل ديونها.
وعلى المستوى الاستراتيجي، يتابع الرفاعي أن تنفير الحلفاء الأوروبيين بسبب قضايا مثل غرينلاند سيُضعف حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ويجبر الولايات المتحدة على تحمّل أعباء دفاعية أكبر بمفردها، الأمر الذي يحوّل الإنفاق العام بعيدًا عن الاستثمارات الداعمة للنمو الاقتصادي.
ويشير إلى أن الانفصال سيقوض كذلك قدرة واشنطن على صياغة القواعد العالمية، موضحًا أن العمل بمعزل عن أوروبا يُقلل من نفوذ الولايات المتحدة في ملفات الصين، وسلاسل التوريد، والعقوبات، وحوكمة التكنولوجيا.
ويختم بالقول إن حتى لو بدأت هذه المقاربة في عهد دونالد ترامب، فإن تداعياتها الاقتصادية ستتجاوز أي إدارة بعينها، ومن المرجح أن تجعل الولايات المتحدة أقل ثراءً، وأكثر عزلة، وأضعف نفوذًا على الساحة الدولية.
أزمة عبر الأطلسي
يشير تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن:
- محاولة الرئيس ترامب ضم غرينلاند وفرض تعريفات جمركية على عدة دول أوروبية -قبل التراجع عنها- أدت إلى غرق التحالف عبر الأطلسي في أزمة.
- إذا اندلعت حرب تجارية، فقد يتأثر الاقتصاد الأميركي بشدة، من كارولاينا الجنوبية إلى وادي السيليكون.
وكان القادة الأوروبيون، الذين يجتمع العديد منهم في دافوس بسويسرا هذا الأسبوع لحضور الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي، يناقشون خيارات الاتحاد للرد ، بما في ذلك فرض رسوم جمركية على سلع أميركية تزيد قيمتها عن 100 مليار دولار، وتضييق الخناق على الشركات الأميركية متعددة الجنسيات للمنافسة على العقود الأوروبية. وستكون الحرب التجارية مدمرة لأوروبا، التي تعاني أصلاً من ركود اقتصادي.
ونقل التقرير عن خبراء قولهم إن فرض سيناريو التعريفات المتبادلة لن يتسبب على الأرجح في حدوث ركود في الولايات المتحدة، ولكنه قد يبطئ النمو، ويؤثر على قطاع التصنيع المحلي المتعثر بالفعل، ويرفع الأسعار بالنسبة للمستهلكين والشركات، حيث تكافح الولايات المتحدة بالفعل لإعادة التضخم إلى مستويات مريحة.
على المدى الطويل، قد يؤدي تدهور العلاقات إلى تقليل اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة وتعميق العلاقات التجارية في أماكن أخرى، مما يضعف العلاقة التي كانت محركاً للازدهار على جانبي المحيط الأطلسي.
بالنسبة للولايات المتحدة، قد تكون النتيجة النهائية انخفاض مبيعات الشركات الأميركية إلى أوروبا، مما سيؤثر سلباً على أرباحها ويفتح الباب أمام منافسين من دول مثل الصين، كما ذكرت الباحثة في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، ماري لوفلي، والتي أضافت: "بمجرد ترسيخ هذه العلاقات الجديدة، يصعب تغييرها".
ويضيف التقرير: تتشابك اقتصادات الولايات المتحدة وأوروبا. فالاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، وأوروبا هي أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في الولايات المتحدة، حيث بلغ حجم الاستثمارات 3.6 تريليون دولار أميركي حتى عام 2024. وينطبق الأمر نفسه في الاتجاه المعاكس: إذ تجني الشركات الأميركية ثروات طائلة من بيع البرمجيات والمنتجات المالية والنفط عبر المحيط الأطلسي.
طبيعة الانفصال
وإلى ذلك، يقول رئيس قسم الأسواق المالية في شركة FXPro، ميشال صليبي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الحديث عن انفصال بين الولايات المتحدة وأوروبا لا يعني بالضرورة قطيعة كاملة، بل يعتمد أساساً على طبيعة هذا الانفصال وحدّته، وما إذا كان سيأخذ طابعاً سياسياً استراتيجياً، أو تجارياً واقتصادياً، أو مالياً ونقدياً.
- أيّاً كان شكل هذا الانفصال، فإنه سيترك تداعيات عميقة ومعقدة على الاقتصاد الأمريكي والأسواق العالمية.
- الانفصال عن أوروبا غالباً ما يُقصد به تراجع مستوى التعاون، سواء على الصعيد التجاري أو الاستثماري، أو من خلال اختلاف السياسات الصناعية والضريبية، وفكّ الارتباط في سلاسل التوريد، إضافة إلى تباعد السياسات المالية والعقوبات والتنسيق الأمني.
- شكل هذا الانفصال سيصبح أكثر وضوحاً في ضوء التصعيد المتزايد الذي يقوده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الفترة الأخيرة.
وعلى صعيد الاقتصاد الأميركي، يوضح صليبي أن الاتحاد الأوروبي يُعد من أكبر الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، وبالتالي فإن أي قيود أو تعريفات جمركية إضافية متبادلة ستؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد، وتراجع صادرات الشركات الأميركية، ما يضغط سلباً على النمو الاقتصادي. ويتابع أن قطاعات مثل التكنولوجيا والطيران وصناعة السيارات، إضافة إلى المنتجات الزراعية، ستكون من بين الأكثر تضرراً.
وفيما يتعلق بالشركات الأميركية والاستثمار الأجنبي، يؤكد أن أوروبا تمثل سوقاً رئيسية لأرباح الشركات الأميركية متعددة الجنسيات، وأن أي انفصال سيقود إلى تراجع الأرباح الخارجية، وانخفاض الاستثمارات المباشرة، إلى جانب إعادة توطين أو إعادة توزيع مكلفة للإنتاج.
ويضيف أن هذه التطورات ستنعكس سلباً على أسواق الأسهم الأميركية، وهو ما بدأ يظهر بالفعل خلال الفترات الأخيرة مع التلويح برفع الرسوم الجمركية -قبل التراجع عنها- حيث شهدت المؤشرات الأميركية في تعاملات الثلاثاء تراجعات واضحة نتيجة تصاعد المخاوف.
أما بالنسبة للدولار والأسواق المالية، فيوضح صليبي أن الدولار قد يستفيد على المدى القصير بوصفه ملاذاً آمناً، لكن على المدى المتوسط سيؤدي ضعف الثقة بالتنسيق الغربي إلى زيادة تقلبات الأسواق. كما يشير إلى أن ارتفاع تكاليف الإنتاج سيغذي الضغوط التضخمية، ما يضع الاحتياطي الفيدرالي في موقف بالغ الصعوبة، بين دعم النمو المتباطئ وكبح التضخم المتصاعد.
وعلى المستوى الجيوسياسي، يرى صليبي أن أي تصدّع في العلاقة عبر الأطلسي سيُضعف الكتلة الغربية اقتصادياً، ويمنح منافسين مثل الصين وروسيا مساحة أوسع للمناورة وتعزيز نفوذهم الاقتصادي، ما يجعل الهيمنة الاقتصادية الأمريكية أكثر تكلفة وأقل فاعلية.
ويختم بالقول إن الولايات المتحدة قد تحقق بعض المكاسب المحدودة، لكنها ستكون مشروطة بدعم قوي للتصنيع المحلي، وإعادة توطين واسعة للإنتاج، وتقليص الاعتماد على الخارج في القطاعات الاستراتيجية، مع تعزيز الشراكات مع أسواق بديلة كآسيا وأميركا اللاتينية. إلا أن هذه المكاسب، بحسب صليبي، تحتاج إلى وقت طويل وإنفاق مالي ضخم، وتحمل ضغوط تضخمية أعلى، ما سيجبر الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة على اتباع مسارات مختلفة عمّا هو مطروح حالياً.
خلافات
يقول خبير أسواق المال محمد سعيد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- مفهوم الانفصال الاقتصادي عن أوروبا لا يقتصر على كونه خلافًا سياسيًا عابرًا أو مناوشات دبلوماسية مؤقتة، بل يمثل عملية معقدة وعميقة لفك الارتباط بين أكبر كتلتين اقتصاديتين في العالم.
- هذا السيناريو يشمل تقليص التبادل التجاري الضخم، وفرض قيود صارمة على تدفقات الاستثمارات، وسلاسل التوريد، والتقنيات المشتركة، نتيجة توترات متصاعدة وسياسات حمائية متبادلة، مثل التعريفات الجمركية العقابية أو النزاعات الجيوسياسية حول مناطق نفوذ حيوية.
- تأثير ذلك على الاقتصاد الأميركي سيكون مزدوجًا وخطيرًا، لأنه يضرب في صميم شراكة اقتصادية امتدت لعقود وكانت محركًا رئيسيًا للازدهار العالمي.
ويضيف: التأثير المباشر لأي انفصال اقتصادي سيظهر سريعًا في ارتفاع تكاليف المعيشة والإنتاج داخل الولايات المتحدة، نظرًا لكون الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر والمصدر الأول للاستثمار الأجنبي المباشر. فتفكيك هذه العلاقة سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الواردات الأوروبية الأساسية، مثل الآلات والمكونات الصناعية والمعدات الطبية، وحتى السلع الاستهلاكية، ما يضع الشركات الأميركية أمام خيارين أحلاهما مر: إما تحمل تآكل هوامش الأرباح، أو تمرير التكاليف الإضافية إلى المستهلك الأميركي، الأمر الذي يغذي التضخم ويضغط على القوة الشرائية للأسر، بالتزامن مع تباطؤ محتمل في معدلات النمو الاقتصادي.
ويتابع أن التداعيات تمتد إلى أرباح عمالقة التكنولوجيا والشركات متعددة الجنسيات، مثل مايكروسوفت وغوغل وأمازون، التي تعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات القادمة من السوق الأوروبية لتمويل توسعاتها في مجالات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. وأي قيود تجارية أو إجراءات انتقامية أوروبية، بحسب سعيد، ستؤدي إلى تقليص هذه الإيرادات الحيوية، ما ينعكس سريعًا على أرباح الشركات وتقييمات أسهمها في وول ستريت، ويزيد من حدة التقلبات والخسائر السوقية التي قد تصل إلى تريليونات الدولارات من القيمة السوقية.
ويؤكد سعيد أن الخطر الأكبر يكمن في الجانب المالي والاستثماري، إذ تُقدّر الأصول والاستثمارات الأوروبية في الأسواق الأميركية بمبالغ ضخمة، وسحب هذه السيولة أو حتى تجميد تدفقها قد يضعف قوة الدولار، ويرفع عوائد السندات وتكاليف الاقتراض على الحكومة والشركات الأميركية. كما يشير إلى أن الأسواق المالية بطبيعتها تكره حالة عدم اليقين، وقد أظهرت تجارب سابقة ردود فعل عنيفة وخسائر كبيرة بمجرد التلميح بتصعيد الخلافات التجارية، ما يؤكد أن فاتورة هذا الانفصال ستكون باهظة على المستثمرين وصناديق التقاعد واستقرار النظام المالي ككل.
وعلى المدى الطويل، يرى سعيد أن فكرة إعادة توطين الصناعة قد تبدو جذابة نظريًا لتعزيز الأمن القومي وتقليل الاعتماد على الخارج، لكنها عمليًا مكلفة للغاية، وتتطلب سنوات طويلة واستثمارات بمليارات الدولارات لإعادة هيكلة سلاسل الإمداد المعقدة.
ويحذر من أن ذلك قد يؤدي إلى تراجع كفاءة الإنتاج وتباطؤ الابتكار المشترك، خاصة أن التعاون البحثي بين الولايات المتحدة وأوروبا كان أحد أهم محركات التقدم التكنولوجي. كما أن الضغط على أوروبا قد يدفعها للبحث عن تحالفات اقتصادية بديلة مع قوى صاعدة مثل الصين أو الهند، ما يقلص النفوذ الأميركي عالميًا ويخصم من رصيده الاستراتيجي.
ويختم خبير أسواق المال تصريحه بالقول إن هذا السيناريو، رغم أنه قد يوفر مكاسب مؤقتة ومحدودة لبعض المنتجين المحليين، إلا أنه يضع الاقتصاد الأميركي في مواجهة صدمات هيكلية قاسية تشمل التضخم، وتراجع الاستثمار، واضطراب سوق العمل، مؤكدًا أن الترابط العميق للاقتصاد العالمي يجعل محاولة فصل الشرايين الاقتصادية الحيوية وصفة لنزيف شامل، وأن مكاسب السياسات الحمائية قصيرة الأجل لا تقارن بالخسائر الاستراتيجية والاقتصادية بعيدة المدى التي قد تعيد تشكيل النظام الاقتصادي العالمي على نحو لا يخدم المصالح الأميركية.




