تحذير من غولدمان ساكس: شبح الركود الأميركي يعود إلى الواجهة
16:11 - 24 مارس 2026رفع بنك غولدمان ساكس مؤخراً احتمال دخول الاقتصاد الأميركي في حالة ركود خلال الأشهر الـ12 المقبلة إلى 30%، وهي خطوة قد تبدو رقمية بحتة، لكنها في السياق الاقتصادي الراهن تعكس تحولاً أعمق في المزاج العام للأسواق. فالثقة في سيناريو “الهبوط الناعم” للاقتصاد الأميركي بدأت تتراجع، في ظل تزايد تداخل عوامل عدم اليقين، رغم أن البيانات الاقتصادية لم تُظهر بعد تراجعاً واسع النطاق.
من "مخاطر منخفضة" إلى سيناريو يجب تسعيره
تكمن أهمية نسبة 30 بالمئة ليس في دقتها بقدر ما تكمن في كونها مرتفعة بما يكفي لتغيير سلوك المستثمرين. فالركود لم يعد مجرد خطر بعيد الاحتمال، بل أصبح سيناريو واقعياً يتعين أخذه في الحسبان ضمن قرارات توزيع الأصول وإدارة المخاطر.
ويستند تقييم البنك إلى عاملين رئيسيين:
- الأول أن الأسواق كانت تبالغ في تسعير متانة الاقتصاد الأميركي، بافتراض قدرة الاستهلاك وسوق العمل وأرباح الشركات على دعم النمو رغم ارتفاع أسعار الفائدة. إلا أن هذا الافتراض بدأ يتعرض للاختبار مع مرور الوقت.
- أما العامل الثاني، فيتمثل في استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالعوامل الخارجية، خصوصاً التوترات الجيوسياسية والسياسات التجارية، وعلى رأسها تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ما يعقّد قدرة الأسواق والشركات على بناء توقعات مستقرة.
أثر الفائدة المرتفعة يبدأ بالظهور
إحدى الإشكاليات الجوهرية التي تواجه الاقتصاد الأميركي هي أن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة لا يظهر بشكل فوري، بل يتأخر زمنياً. وخلال الفترة الماضية، ساهمت قوة الاستهلاك وسوق العمل في إخفاء الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف التمويل.
لكن هذا الوضع يصعب استمراره على المدى الطويل، إذ تبدأ الفائدة المرتفعة تدريجياً بالتأثير على استثمارات الشركات، وسوق العقارات، والائتمان. فارتفاع تكلفة التمويل يقلص شهية التوسع لدى الشركات ويجعل الإنفاق الاستثماري أكثر حذراً، كما يضغط على إنفاق المستهلكين، خاصة على السلع مرتفعة القيمة.
التضخم والسياسة النقدية.. معادلة معقدة
لا يزال مسار التضخم يمثل عاملاً محورياً في المشهد الاقتصادي. فقد ساهمت التطورات الجيوسياسية، خاصة التوترات المرتبطة بإيران، في دفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع، ما يدعم استمرار الضغوط التضخمية.
وفي حال بقي التضخم أعلى من المستهدف، سيجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه مقيداً في خفض أسعار الفائدة، ما يعني استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول. ويخلق ذلك ما يمكن وصفه بـ"الضغط المزدوج" على الاقتصاد: فالفائدة المرتفعة تكبح الطلب، بينما يضعف التضخم القوة الشرائية.
الأسواق بدأت التكيّف.. لكن ليس بالكامل
تعكس تحركات الأسواق مؤخراً بداية استيعاب هذه المخاطر، مع بقاء عوائد السندات مرتفعة، وصعود الدولار، وزيادة تقلبات الأسهم. ومع ذلك، لا يبدو أن الأسواق قد قامت بتسعير كامل لسيناريو ركود باحتمال 30 بالمئة.
وهنا تكمن أهمية تعديل غولدمان ساكس، إذ قد يدفع استمرار ارتفاع المخاطر أو صدور بيانات أضعف إلى موجة جديدة من إعادة التسعير، تشمل توقعات الأرباح وتقييمات الأصول وتوزيع رؤوس الأموال.
من "هل سيحدث الركود؟" إلى "كيف نتعامل معه؟"
يتحول تركيز الأسواق تدريجياً من التساؤل حول احتمالية حدوث الركود، إلى كيفية تعامل الأصول المختلفة مع تباطؤ النمو أو ظهور مؤشرات انكماش.
وبالنسبة للمستثمرين، يعني ذلك ضرورة التحول من الرهانات الاتجاهية إلى استراتيجيات أكثر مرونة، تركز على تنويع المخاطر والتكيف مع المتغيرات، بما في ذلك مسار الفائدة، والتضخم، وسوق العمل، والتطورات الجيوسياسية.
في المحصلة، تشكل مراجعة "غولدمان ساكس" تذكيراً واضحاً بأن البيئة الاقتصادية الحالية لا تدعم التفاؤل المفرط، وأن التوازن المعقد بين النمو والتضخم والسياسات النقدية سيظل العامل الحاسم في رسم اتجاهات الأسواق خلال المرحلة المقبلة.







