الصراع في الشرق الأوسط يهدد طعام العالم!
14:11 - 11 مارس 2026
إلى جانب مكانتها التاريخية كخزان عالمي للنفط والغاز، برزت دول الخليج كلاعب محوري في أمن الغذاء العالمي كونها أحد المزودين الرئيسيين للأسمدة. فوفرة موارد الطاقة في المنطقة حفّزت على بناء قاعدة صناعية ضخمة لإنتاج المواد الخام لمختلف أنواع الأسمدة، ولا سيما الأسمدة النيتروجينية.
وفي الوقت الراهن، تواصل معظم مصانع الأسمدة النيتروجينية في منطقة الخليج إنتاجها، إلا أن إيصال هذا الإنتاج للمزارعين حول العالم أصبح فجأة أكثر صعوبة، وذلك نتيجة تعثر حركة مرور السفن في مضيق هرمز.
ومن شأن استمرار هذه الأزمة أن يؤدي إلى شحّ في كميات الأسمدة المتوفرة في الأسواق وارتفاع أسعارها، ما قد يدفع المزارعين إلى تقليص استخدامها، وهو ما سينعكس سلباً على كمية المحاصيل الزراعية.
ما هي الأسمدة النيتروجينية؟
والأسمدة النيتروجينية هي في الأساس غاز طبيعي أُعيد تشكيله ليُغذي المحاصيل الزراعية التي تُمثل نحو نصف إمدادات الغذاء في العالم بعناصر محددة. ويمكن تقسيم هذه الأسمدة إلى ثلاثة أنواع أساسية هي، النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم.
وبحسب تقرير أعدته صحيفة "نيويورك تايمز"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"،
فإن 5 دول رئيسية مُصدّرة للأسمدة هي، إيران، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، والبحرين تعتمد اعتماداً كبيراً على مضيق هرمز لتصدير الأسمدة، حيث تساهم هذه الدول مجتمعة بأكثر من ثلث التجارة العالمية من "اليوريا"، وهو المصطلح السائد للإشارة للأسمدة النيتروجينية.
كما تساهم هذه الدول أيضاً في ما يقرب من ربع التجارة العالمية من الأمونيا، وذلك وفقاً لبيانات جمعها الاتحاد الدولي للأسمدة (IFA)، إضافة إلى انتاجها لخمس الأسمدة الفوسفاتية.
المخاطر تشمل الكبريت
ويمتد القلق أيضاً ليشمل إمدادات الكبريت، وهي مادة صفراء تُستخدم في صناعة الأسمدة الفوسفاتية والمعادن. ووفقاً لمجموعة CRU لتحليل السوق، فإن ما يقرب من نصف مخزون الكبريت العالمي عالق الآن في مكانه، مع تراجع حركة مرور السفن في مضيق هرمز، حيث يُصدّر ربع هذه الكمية تقريباً إلى الصين، لاستخدامها في صناعة الأسمدة الفوسفاتية. كما تُرسل حصة مماثلة إلى إندونيسيا، لاستخدامها كمكوّن للأسمدة وكعنصر يُستخدم في إنتاج النيكل. واضافة إلى ذلك يعتمد القطاع الزراعي الأفريقي اعتماداً كبيراً على الكبريت المستورد من الخليج.
وبحسب "نيويورك تايمز"، فقد كانت مخزونات الكبريت شحيحة بالفعل في معظم أنحاء العالم قبل الحرب في الشرق الأوسط. ونظراً لارتفاع الأسعار آنذاك، كان المشترون مترددين في تكديس المخزونات.
الوضع سيء للغاية
ويقول كريس لوسون، نائب رئيس قسم معلومات السوق والأسعار في مجموعة CRU، إن الوضع سيء للغاية، ولا يمكن وصفه بغير ذلك، فالعالم يعتمد اعتماداً كبيراً على الأسمدة والمواد الخام المرتبطة بها، والتي تُستورد من الخليج، مشيراً إلى أن الكبريت يُعد السلعة الأكثر عرضةً للتأثر، في حين تشير لورا كروس، مديرة استخبارات السوق في الرابطة الدولية للأسمدة، إلى أن لا أحد يعلم إلى متى سيستمر هذا الوضع.
غلاء المحاصيل
من جهته يرى يان ويليم إريسمان، وهو مهندس كيميائي وخبير في الأسمدة بجامعة لايدن في هولندا، أن أسعار الغذاء سترتفع بسبب ما يحدث، إذ وجد الباحثون أن ارتفاع أسعار الأسمدة يؤدي إلى انخفاض المحاصيل، وتقليص المعروض، ورفع أسعار الغذاء، ما يتسبب عموماً في زيادة سوء التغذية في الدول الفقيرة.
ويعدّ توقيت الأزمة الحالية مُقلقاً للغاية للمزارعين في نصف الكرة الشمالي، الذين يواجهون الآن ضرورة تسميد المحاصيل التي سيزرعونها في الربيع. وأيضاً سيكون الوضع حرجاً بالنسبة للزراعة الأميركية، فقد رفعت التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب بالفعل تكاليف الأسمدة المستوردة إلى البلاد، مما أجبر العديد من المزارعين على التريث في تخزينها. ورغم أن البيت الأبيض استثنى الأسمدة من أحدث تعريفاته الشهر الماضي، إلا أن الوقت لم يسمح باستيراد ملايين الأطنان من اليوريا بسرعة من مختلف أنحاء العالم.
كما تتصدر الهند قائمة الدول الأكثر عرضة للمخاطر، إذ تعتمد البلاد في تأمين أمنها الغذائي على استيراد نحو 40 في المئة من حاجتها من اليوريا والأسمدة الفوسفاتية من منطقة الشرق الأوسط، ما يجعل سلاسل إمدادها رهينة استقرار المنطقة.
ما هي الحلول المتوفرة؟
وبينما يبحث العالم عن مصادر أخرى للأسمدة النيتروجينية، تُعدّ الصين البديل الأبرز، ولكن الحكومة الصينية، وسعياً منها لحماية مزارعيها من الاضطرابات الجيوسياسية، فرضت العام الماضي قيوداً على تصدير الأسمدة.
ويقول راج باتيل، الخبير الاقتصادي السياسي والمتخصص في الغذاء المستدام بجامعة تكساس في أوستن، إن الحل طويل الأمد يكمن في عدم الاعتماد على الأسمدة، لافتاً إلى أنه في الهند والبرازيل، شجّعت الحكومات المزارعين على خفض استخدامهم للأسمدة المستوردة من خلال تنويع محاصيلهم وإضافة العناصر الغذائية المتوفرة محلياً إلى التربة.
ويتفق العديد من الخبراء مع رأي باتيل، ولكن يبقى أن هذا الحل لا يمكن تطبيقه على محصول هذا العام، حيث بدأ التجار بالفعل في الاستجابة لخطر حدوث صدمة في إمدادات الأسمدة، فخلال الأسبوع الماضي، ارتفع سعر اليوريا المباعة في مصر - وهي سوق تحظى بمتابعة واسعة - من حوالي 485 دولاراً للطن إلى 665 دولاراً للطن، مسجلة ارتفاعاً بنسبة تقارب 37 في المئة، وفقاً لشركة أرجوس.
شريان الأسمدة العالمي
ويقول المحلل الاقتصادي جو زغبي، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن مضيق هرمز يُعد واحداً من أهم الشرايين البحرية في العالم، ليس فقط لنقل النفط والغاز، بل أيضاً لنقل المواد الأساسية للصناعة الزراعية مثل الأمونيا واليوريا والكبريت، وعندما تتعطل حركة الشحن في مثل هذا الممر الضيق، فإن الأثر يمتد بسرعة عبر الأسواق العالمية، لأن تجارة الأسمدة تعتمد على تدفقات منتظمة وسريعة، وليس على مخزونات ضخمة، ما يجعل سوق الأسمدة حساسة جداً للصدمات.
انحسار "الغلال" الزراعية
ويضيف زغبي إن المزارعين لا يستطيعون الاستغناء ببساطة عن الأسمدة، ومع ذلك فإنه عندما ترتفع اسعارها بشكل حاد، فإن أول رد فعل يقومون به هو تقليص الكميات المستخدمة أو تأجيل الشراء، وهو ما يؤدي في النهاية إلى انخفاض الغلال الزراعية في الموسم اللاحق، لافتاً إلى أنه خلال التجارب السابقة، خصوصاً في عام 2022 مع بداية الحرب الروسية الأوكرانية، تبين أن ارتفاع تكاليف الأسمدة يؤدي حكماً إلى تراجع الإنتاج الزراعي في العديد من الدول النامية، وبالتالي فإن ما نراه اليوم ليس مجرد أزمة نقل عابرة، بل مثال واضح على هشاشة النظام الغذائي العالمي أمام التوترات الجيوسياسية.
تعافٍ سريع
ويشير زغبي إلى أن التقديرات ترجّح ألا يستمر الاضطراب الحاصل في مضيق هرمز لفترة طويلة، ولذلك لا يُتوقع أن يواجه العالم أزمة غذاء بالمعنى الحقيقي للكلمة، فالسوق العالمية، قادرة على استعادة توازنها بمجرد عودة حركة الشحن إلى طبيعتها، مشدداً على أن دول الخليج تمتلك بنية تحتية صناعية ولوجستية متطورة للغاية، وهذا العامل يتيح إعادة تدفق صادرات الأسمدة ومسار الإمدادات إلى وضعها الطبيعي بسرعة كبيرة فور عودة حركة مرور السفن في المضيق إلى سابق عهدها.
إرث "الثورة الخضراء"
من جهته يقول المهندس الزراعي أحمد القاسم، إن الأزمة الحالية تكشف جانباً آخر من التحديات التي يواجهها النظام الزراعي العالمي، وهو الاعتماد المفرط على نموذج زراعي يقوم على المدخلات الصناعية المكثفة، وعلى رأسها الأسمدة الكيميائية، فمنذ منتصف القرن العشرين، ومع ما يُعرف بالثورة الخضراء، أصبح استخدام الأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية والبوتاسية جزءاً أساسياً من زيادة الإنتاج الزراعي العالمي، إلى درجة أن ما يقرب من نصف الغذاء المنتج في العالم اليوم يعتمد بشكل مباشر على هذه الأسمدة.
ويعتبر القاسم أن الأزمة الحالية قد تكون فرصة لإعادة التفكير في كيفية إدارة خصوبة التربة، فبعض الدول بدأت بالفعل في تطوير استراتيجيات لتقليل الاعتماد على الأسمدة المستوردة عبر تحسين إدارة التربة، وتوسيع استخدام الأسمدة العضوية، وتشجيع الممارسات الزراعية التي تعيد العناصر الغذائية إلى التربة بشكل طبيعي، معتبراً أن تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزونات استراتيجية من الأسمدة قد يصبحان جزءاً من سياسات الأمن الغذائي في المستقبل، تماماً كما تفعل الدول مع النفط والغاز، فالعالم بدأ يدرك أن الأسمدة ليست مجرد مدخل زراعي عادي، بل عنصر استراتيجي يؤثر بشكل مباشر في استقرار أسعار الغذاء والأمن الغذائي العالمي.
زراعة ذكية
ويشير القاسم إلى أن المستقبل قد يشهد تحولاً نحو ما يمكن تسميته بـ"الزراعة الذكية المقاومة للصدمات"، والتي تجمع بين تقنيات الزراعة الدقيقة، مثل استخدام الطائرات بدون طيار وأجهزة الاستشعار لتحسين توزيع العناصر الغذائية في التربة، وبين إنتاج محلي للأسمدة العضوية لتغطية الاحتياجات الحرجة، مشدداً على أن دمج هذه الأساليب مع شبكات بيانات عالمية لتتبع المخزونات وتحليل الطلب سيمنح المزارعين القدرة على التكيف بسرعة مع أي اضطراب في الأسواق العالمية.











