هل يكفي ضخ 400 مليون برميل لترميم ثقة الأسواق المهزوزة؟
15:57 - 11 مارس 2026
تترقب أسواق الطاقة العالمية قراراً من وكالة الطاقة الدولية يقضي بسحب نحو 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية، في أكبر عملية تدخل من نوعها لكبح أسعار الخام المتصاعدة. ويضع هذا المقترح، الذي يتجاوز ضعف حجم السحب المسجل عام 2022، الاقتصاد العالمي أمام مرحلة جديدة من المواجهة مع ضغوط الحرب في الشرق الأوسط، خاصة في ظل استقرار الإمدادات حالياً وارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية.
ومع استمرار المشاورات داخل الوكالة وبالتنسيق مع مجموعة السبع لتحديد حصص التوزيع والتوقيت، يتركز الاهتمام على مدى فعالية هذه الخطوة في موازنة الأسواق التي بلغت ذروتها منذ أربع سنوات.
وفي ظل هذه المعطيات، تبرز عدة تساؤلات أبرزها، هل يكفي ضخ 400 مليون برميل لترميم ثقة الأسواق المهزوزة؟، وهل ينجح سحب أكبر كميات من النفط في كبح جماح التضخم؟ ثم مع مقامرة "الاحتياطيات": ماذا يتبقى للعالم إذا فشل السحب التاريخي في خفض الأسعار؟
أكبر تدخل استراتيجي في تاريخ أسواق الطاقة
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" واطلعت عليه "سكاي نيوز عربية"، فإن المقترح الذي تقدمت به وكالة الطاقة الدولية يهدف إلى السيطرة على الارتفاعات الحادة في أسعار النفط الناجمة عن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط. وأوضح التقرير (وفقاً لمسؤولين مطلعين) أن طرح 400 مليون برميل سيتجاوز ضعف الرقم القياسي السابق، حين ضخت الدول الأعضاء 182 مليون برميل في عام 2022 إبان أزمة أوكرانيا.
وأشار التقرير إلى أن الوكالة عقدت اجتماعاً استثنائياً لأعضائها لمناقشة الخطة، مع توقعات بصدور قرار نهائي بالاعتماد في حال عدم وجود اعتراضات من الدول الأعضاء، حيث إن احتجاج دولة واحدة قد يعرقل المسار الزمني للتنفيذ.
وفي سياق متصل، لفت التقرير إلى أن وزراء طاقة مجموعة السبع لم يتوصلوا في اجتماعاتهم الأخيرة إلى اتفاق نهائي بشأن السحب الفوري، مفضلين انتظار تقييم الوكالة الشامل للوضع. ونقلت وكالة "رويترز" عن مصدر في المجموعة قوله إنه على الرغم من عدم وجود نقص في الإمدادات الخام في الوقت الحالي، إلا أن ترك الأسعار ترتفع دون تدخل لم يعد خياراً مطروحاً، مؤكداً وجود دعم عام بين دول المجموعة للتنسيق مع وكالة الطاقة.
وعلى الصعيد اللوجستي، ذكر التقرير أن التنفيذ الفعلي لعملية الضخ لن يبدأ فوراً، إذ تتطلب جوانب الحجم الإجمالي وتوزيع الحصص بين الدول مزيداً من البحث. كما كشفت البيانات أن أمانة الوكالة بصدد وضع سيناريوهات متعددة لقياس التأثير المتوقع على السوق، مع إمكانية توسيع نطاق التواصل ليشمل دولاً من خارج الوكالة مثل الصين والهند لضمان أقصى تأثير اقتصادي ممكن.
وفي ردود الفعل الدولية، نقل التقرير تأكيد كوريا الجنوبية، العضو في الوكالة، مشاركتها في هذه النقاشات المستمرة ومراجعة موقفها الرسمي تجاه حجم المساهمة المطلوبة. ومن جانبها، سجلت أسواق النفط استجابة فورية لهذه الأنباء، حيث تراجعت أسعار العقود الآجلة لخام "برنت" وخام "غرب تكساس الوسيط" بعد وصولها لمستويات هي الأعلى منذ أربع سنوات.
اختبار ضغط لمنظومة أمن الطاقة العالمي
في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" يرى الخبير الاقتصادي علي حمودي أن أسواق الطاقة العالمية تقف عند مفترق طرق، حيث تتقاطع أساسيات العرض والطلب التقليدية مع المخاطر الجيوسياسية المتغيرة بسرعة واستجابات السياسات الاستراتيجية، مشيراً إلى أن أكبر سحب محتمل من احتياطيات النفط، الذي تدرسه وكالة الطاقة الدولية، يمثل لحظة فارقة قد تعيد تشكيل أطر أمن الطاقة في جميع أنحاء العالم.
وعلاوة على ذلك، فإن بنية أمن الطاقة الدولي، التي بُنيت على مدى عقود حول إدارة منسقة للاحتياطيات وبروتوكولات التدخل في الأزمات، تواجه الآن اختبار ضغط غير مسبوق، حيث تُعيد الصراعات تشكيل سلاسل الإمداد الإقليمية وتُشكك في آليات استقرار الأسعار القائمة، بحسب تعبيره.
ويرجح حمودي أن يُخفف السحب الهائل المحتمل من مخزونات النفط - مثل السحب القياسي الذي تدرسه وكالة الطاقة الدولية - من المخاوف بشأن نقص الإمدادات الفوري، وأن يوفر حماية مؤقتة ضد ارتفاع الأسعار. وقال: "وبينما تُقدم هذه الإجراءات بعض الراحة، إلا أنها قد لا تحل بشكل دائم قيود الإمداد الأساسية الناجمة عن التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
مفعول "المسكنات" المؤقتة وتحديات الاستدامة
وفيما يلي تحليل لتأثير الإفراج عن المخزونات على مخاوف السوق، وفقاً لحمودي:
- ارتياح فوري للأسواق: ساهم إعلان مجموعة السبع ووكالة الطاقة الدولية عن إمكانية الإفراج المنسق عن كميات من النفط في تهدئة الأسواق، مما أدى إلى انخفاض طفيف في أسعار النفط عن مستوياتها المرتفعة، حيث تعمل هذه الكميات كإمدادات طارئة لمواجهة أي اضطرابات في الممرات المائية الرئيسية مثل مضيق هرمز.
- حماية من الذعر: تُعتبر الاحتياطيات الاستراتيجية في الولايات المتحدة والصين، والتي تتمتع بموقع استراتيجي، بمثابة "شبكة أمان" لمنع ارتفاع الأسعار بشكل أكبر.
- حل مؤقت: على الرغم من أن الإفراج عن المخزونات يوفر استقراراً قصير الأجل، إلا أنه لا يمكنه أن يحل محل الانقطاع الفعلي طويل الأجل في الإمدادات. إذا استمر الصراع مع إيران في التصاعد، فمن المؤكد أن مخاوف نقص الإمدادات ستعود، خاصةً وأن المخزونات العالمية وصلت بالفعل إلى أدنى مستوياتها في خمس سنوات.
- مخاطر نقص الإمدادات: على الرغم من إمكانية إطلاق كميات كبيرة من النفط، لا تزال المخاوف قائمة من أن يؤدي اضطراب كبير ومستمر في مضيق هرمز إلى مزيد من تقلبات الأسعار.
وختم الخبير الاقتصادي حمودي بقوله: "في حين أن السحب من مخزون النفط مصمم لتخفيف المخاوف من نقص الإمدادات الفوري واستقرار الأسعار، إلا أنه يُعدّ في المقام الأول حلاً مؤقتاً للتخفيف من الآثار قصيرة الأجل للأزمات الجيوسياسية".
محدودية الخيارات وتوقعات "القفزة الصاروخية" للأسعار
بدوره، يرى مستشار الطاقة الدولي عامر الشوبكي في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" أن كمية الـ 400 مليون برميل المقترحة لترميم ثقة الأسواق "بالكاد تكفي لتغطية ثلاثة أسابيع" من الانقطاعات المحتملة الناتجة عن الحرب وشبه إغلاق مضيق هرمز.
وأوضح أن العالم يواجه حالياً فقدان نحو 15 مليون برميل يومياً من النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز، مؤكداً أن الخيارات المتاحة أمام المجتمع الدولي تبدو محدودة للغاية. وحذر الشوبكي من "ارتفاع صاروخي" في الأسعار قد يصل بالبرميل إلى مستويات 150 دولاراً في حال استمرت الإغلاقات والمواجهات خلال الأسبوعين القادمين.
ارتدادات عكسية على الأمن الاقتصادي
وأكد الشوبكي أن قرار سحب هذه الاحتياطيات، سيكون تأثيره مؤقتاً ومحصوراً في الأيام القليلة القادمة، مشيراً إلى أنه إذا استمرت الحرب لأكثر من أسبوعين، فستبدأ التأثيرات السلبية بالتصاعد لتطال الأمن الاقتصادي للدول التي تفرغ مخزوناتها الاستراتيجية.
واعتبر مستشار الطاقة الدولي الشوبكي أن اللجوء للمخزون الاستراتيجي هو "سلاح ذو حدين"، فبينما يهدف لتأمين التزوّد بالطاقة، فإنه يقلص قدرة الدول على مواجهة أي أزمات مستقبلية.
واختتم مداخلته بالإشارة إلى أن الإفراج عن هذه الكميات الضخمة قد يعطي "إشارة سلبية" للأسواق بأن الأزمة طويلة الأمد، مما قد يؤدي لارتدادات عكسية على الأسواق وتزيد من حدة التضخم بدلاً من كبحه.












