برهم صالح في أول حوار له كمفوض سامٍ لشؤون اللاجئين
10:30 - 06 فبراير 2026في حديث خاص إلى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، على هامش القمة العالمية للحكومات 2026 في دبي، قدّم المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح سرداً شخصياً وإنسانياً لمسيرته مع اللجوء، مقروناً بتشخيص تفصيلي لأزمة النزوح العالمية، ومسؤوليات المجتمع الدولي تجاه أكثر من 117 مليون لاجئ ونازح، في ظل تقلّص الموارد وتفاقم النزاعات.
من تجربة اللجوء إلى قيادة الملف الأممي
استهل صالح حديثه بالعودة إلى طفولته حين نزح مع عائلته عام 1974 إلى مخيمات اللجوء في إيران بعد اندلاع الحرب في كردستان، ثم إلى تجربته اللاحقة كلاجئ سياسي في بريطانيا عقب تعرضه للسجن.
وأوضح أن تلك المحطات، وما تلاها من انخراط في العمل السياسي وتوليه مواقع المسؤولية في إقليم كردستان ورئاسة العراق، شكّلت أساساً إنسانياً ومعرفياً لتقدمه إلى هذا المنصب، معتبراً أن شرف الموقع يقترن بمسؤولية ثقيلة في ظل ما يشهده العالم اليوم.
أرقام غير مسبوقة ومسؤولية أخلاقية وقانونية
لفت المفوض السامي إلى أن عدد اللاجئين والنازحين بلغ نحو 117 مليون شخص عالمياً، في وقت تتراجع فيه الموارد المتاحة للمساعدة. وأكد أن الأرقام، على ضخامتها، لا ينبغي أن تحجب حقيقة أن "وراء كل عدد إنساناً له تطلعات وآمال"، مشدداً على أن الواجب الإنساني والأخلاقي والقانوني يفرض دعمهم، سواء عبر تهيئة الظروف لعودتهم إلى ديارهم أو تمكينهم من حياة طبيعية ومساهمة فاعلة في المجتمعات المضيفة.
جولات ميدانية تكشف حجم المعاناة
توقف صالح عند زياراته الميدانية إلى كينيا وتشاد وتركيا ومخيم الزعتري في الأردن، واصفاً ما شاهده من معاناة النساء والأطفال وكبار السن بأنها "مروعة".
ورأى أن هذه الأزمات ليست بعيدة جغرافياً أو سياسياً عن العالم، مستشهداً بما آلت إليه الأزمة السورية من تأثيرات عميقة في أوروبا والولايات المتحدة، مؤكداً أن النزاعات في مناطق معينة تترك بصماتها على الاستقرار الدولي بأسره.
مسؤولية تضامنية دولية لا تقتصر على الغرب
شدد المفوض السامي على أن التعامل مع أزمة اللجوء مسؤولية أممية جماعية، لا تقع على عاتق الدول الغربية وحدها، وإن كان يُنتظر منها المزيد بحكم إمكاناتها. ودعا دول المنطقة العربية والإسلامية والدول الناهضة اقتصادياً في آسيا وأميركا اللاتينية إلى توسيع مساهماتها، محذراً من أن تجاهل الأزمة خطأ أخلاقي وسياسي ستكون تبعاته واسعة النطاق.
مراجعة أداء المفوضية وتمكين اللاجئين
كشف صالح عن توجهات لمراجعة أساليب عمل المفوضية، في ظل وجود أكثر من ثلثي اللاجئين في أوضاع لجوء طويلة الأمد تتجاوز خمس سنوات. وأكد ضرورة الانتقال من الاكتفاء بالمساعدات الإنسانية إلى تمكين اللاجئين والمجتمعات المضيفة اقتصادياً واجتماعياً ليصبحوا فاعلين لا متلقين فقط.
سوريا: عودة مشروطة بالأمن والبنية التحتية
في الملف السوري، أوضح أن العودة يجب أن تكون "طوعية وآمنة وكريمة" وفق القانون الدولي، مشيراً إلى أن نحو 1.3 مليون سوري عادوا العام الماضي من دول الجوار، بينما قد ينخفض الرقم هذا العام بسبب التطورات الأمنية ونقص الخدمات الأساسية. وأكد أن المفوضية تعمل مع المانحين والمؤسسات التنموية، ومنها البنك الدولي، لإعادة تأهيل البنية التحتية، معتبراً أن الأمن والاستقرار شرطٌ لا غنى عنه لنجاح أي عودة واسعة النطاق.
السودان: مأساة مستمرة وأمل سياسي
وصف صالح الوضع في السودان بـ"الجرح النازف"، مستعيداً مشاهداته في تشاد حيث التقى نازحين منذ عام 2003 وآخرين وصلوا حديثاً. ورأى أن النزاع كان يمكن تجنبه، معرباً عن تفاؤل حذر بإمكان وقف إطلاق النار والتوصل إلى حل سياسي يسمح بعودة الملايين إلى ديارهم.
الكفاءات اللاجئة ورأس المال البشري
أشار صالح إلى أن بين اللاجئين أطباء ومهندسين وأساتذة ومحامين بدؤوا في المخيمات مسارات تدريب وتأهيل وانخراط مهني، مؤكداً أن اللاجئين ليسوا عبئاً بل يمتلكون قدرات يمكن أن تسهم في اقتصادات الدول المضيفة.
وتطرق إلى تنامي مشاعر الكراهية في بعض المجتمعات، لكنه شدد في المقابل على نماذج الاحتضان الإنساني في تشاد والأردن ولبنان وتركيا، داعياً إلى التركيز على هذه الجوانب الإيجابية.
خطاب الكراهية والاحتضان المجتمعي
قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين برهم صالح إن مظاهر الكراهية تجاه اللاجئين موجودة، لكنه شدد على عدم التقليل من حجم التضامن الإنساني الذي تبديه مجتمعات كثيرة في الشرق والغرب، رغم الضغوط التي يفرضها نزوح أعداد كبيرة. وأشار إلى نماذج إيجابية في تشاد والأردن ولبنان وتركيا، حيث استقبلت المجتمعات المحلية مئات الآلاف رغم محدودية الموارد. وأقرّ بوجود مشكلات حقيقية ترافق موجات النزوح، معتبراً أن الحل الجذري يكمن في استعادة الأمن والاستقرار في دول الأزمات مثل سوريا والسودان والعراق واليمن، بما يتيح عودة اللاجئين طوعاً وبكرامة.
الطوعية والأمن أساس العودة… نداء إنساني لدعم اللاجئين
أكد المفوض السامي أن القانون الدولي يرفض منطق الإكراه ويشدد على العودة الطوعية ضمن ظروف آمنة وكريمة، معتبراً أن توفير الاستقرار سيحفّز أعداداً كبيرة من اللاجئين على العودة إلى بيوتهم والعمل والحياة الطبيعية. وشدد على أن الأمن في سوريا يجب تعزيزه لمنع عودة النزاعات والكوارث، وأن الاستقرار يقوم على التفاهم والسلام. كما أشار إلى معاناة ممتدة في مناطق عدة، من سوريا والسودان إلى الروهينغيا، داعياً دول المنطقة وفاعلي الخير إلى تكثيف دعمهم لكل النازحين بلا تمييز، ومؤكداً التزام المفوضية ببذل أقصى الجهود لتأمين الحد الأدنى من الخدمات والحماية.
قصص فردية تختصر معنى الصمود
قال المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، برهم صالح، في ختام حديثه إن أصعب ما يمر به اللاجئ فقدان الأصدقاء والأهل، لكنه شدد على أن اللاجئين ليسوا مجرد ضحايا، بل يمتلكون القدرة على الإبداع والنجاح رغم المعاناة. وذكر قصة مؤثرة من معسكر في شمال كينيا، حيث زار مدرسة للبنات تديرها مؤسسة القلب الكبير (The Big Heart Foundation) للشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، والتقى بإحدى الفتيات اللواتي فقدن والديهن خلال النزوح، ومع ذلك تتابع الدراسة بحماس وتسعى لدخول الجامعة لتصبح ممرضة. وأكد صالح أن مثل هذه الأمثلة تجسد قدرة الإنسان على الصمود، داعياً إلى دعم بيئات تعليمية وتمكينية للاجئين، تمكّنهم من تحقيق طموحاتهم والمساهمة في بناء مجتمعات حرة وكريمة، بدلاً من أن يكونوا عبئاً، مؤكداً أن الرجوع الطوعي إلى الوطن يبقى الحلم الأكبر لكل لاجئ.










