كيف سيغير الذكاء الاصطناعي قواعد اللعبة في السوبرماركت؟
12:15 - 27 أبريل 2026
مع تزايد المنافسة وتسارع التحولات في قطاع التجزئة، تتجه متاجر البقالة وسلاسل السوبرماركت حول العالم، إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لمساعدتها في حماية هوامش الربح والحفاظ على العملاء، وذلك بعد أن أصبحت الوسائل التقليدية لتحصين المبيعات وزيادتها أقل فعالية، في ظل إقبال المتسوقين على التسوق من متاجر متعددة بحثاً عن أفضل العروض.
وقد أسهم هذا الواقع في تعزيز الحصة السوقية لمتاجر الخصومات، ما دفع متاجر البقالة التقليدية والسوبرماركت، للتخلي عن مبدأ العروض الترويجية الشاملة، واللجوء إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لمساعدتها في إدارة المخزون وتسعير البضائع، لا سيما تلك سريعة التلف.
هندسة الخصومات الذكية
وتساعد أدوات وبرمجيات الذكاء الاصطناعي، سلاسل السوبرماركت وغيرها من متاجر البقالة، على زيادة الإقبال على السلع وتنمية الأرباح دون اللجوء إلى خصومات واسعة النطاق، وذلك من خلال مراقبة المخزون، وتحديد الأسعار المثالية للمنتجات في الوقت المناسب، بدلاً من انتظار وصولها إلى نهاية دورة صلاحيتها لتتم تصفيتها بأسعار زهيدة تلتهم هوامش الربح.
وتتم هذه العملية بمساعدة من البيانات الواردة من أنظمة متاجر التجزئة، التي تُشكل رصيداً يمنح خوارزميات الذكاء الاصطناعي، قدرة على فهم سلوك المستهلكين وأنماط الشراء التي يتبعونها، إضافة إلى مستوى الأسعار الذي يشجعهم على الشراء، وبالتالي واعتماداً على هذه المعلومات، تُصبح الخوارزميات قادرة على هندسة خصومات مُمنهجة، خصوصاً عند ملاحظتها أن هناك مخزوناً من السلع معرّض للهدر.
وتحرّك أدوات الذكاء الاصطناعي في الوقت المناسب، لا سيما فيما يتعلّق بالأغذية الطازجة والمخبوزات، حيث تكون هوامش الربح ضئيلة ومخاطر التلف عالية، يسمح للمتاجر بتحويل الخسائر المحتملة الناتجة عن التلف إلى تدفقات نقدية تساهم بتعزيز الربحية.
خوارزميات تُنقذ الغذاء
وبحسب تقرير أعدته شبكة "CNBC"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن توكيل الذكاء الاصطناعي بإطلاق خصومات مُمنهجة، يساعد ايضاً في الحد من هدر الطعام في العالم، حيث أن كميات كبيرة من المواد الغذائية يكون مصيرها التلف سنوياً، نتيجة بلوغها تاريخ انتهاء الصلاحية قبل تصريفها في الأسواق، فمثلاً تُظهر البيانات التاريخية أنه سنوياً يذهب حوالي 30 بالمئة من المواد الغذائية في متاجر البقالة الأميركية هدراً، فيما يُقدّر بعض الخبراء أن ذلك يُترجم إلى خسارة تُقارب 18.2 مليار دولار.
السعر يقود المستهلك
وما يعزز دور أدوات الذكاء في عالم السوبرماركت، هو تبنّي المستهلكين لسلوكيات أكثر حساسية، تجاه الأسعار، حيث أظهرت دراسة أجرتها ديلويت لتوقعات قطاع التجزئة لموسم العطلات لعام 2025، أن 89 بالمئة من المستهلكين يخططون لاتباع سلوكيات البحث عن القيمة، والتي تشمل تتبع الخصومات والعروض، التسوق خلال أسابيع العروض الترويجية، ومقارنة الأسعار لضمان الحصول على أفضل سعر.
واقع جديد
ويقول جوردان شينك، الرئيس التنفيذي لشركة Flashfood، التي توفّر منصة رقمية مهمتها ربط المتسوقين، بمتاجر البقالة لشراء الأطعمة التي تقترب من تاريخ انتهاء صلاحيتها بأسعار مخفضة، إن المستهلكين أصبحت لديهم الموارد اللازمة، للعثور على أفضل العروض، وهذا ما يفاقم حدة المنافسة بين متاجر البقالة، التي باتت تتسابق اليوم لتقديم قيمة مضافة حقيقية للمستهلكين، مشيراً إلى أن هذا الواقع أحدث تحولاً جذرياً في ممارسات متاجر البقالة.
وتُفيد Flashfood بأن شركاءها، الذين يشملون متاجر مثل كروغر وبيجلي ويجلي، ولوبلاوز، وجيلسونز، قد خفضوا الفاقد بنسبة 27 بالمئة في المتوسط، مع زيادة الإقبال على متاجرهم في الوقت نفسه، فمن خلال استخدام الذكاء الاصطناعي لاطلاق خصومات دقيقة ومُمنهجة، تمكنت المتاجر من تحسين المبيعات، وتقليل الهدر، وتحديداً مبيعات الأطعمة سريعة التلف، التي كان ينتهي بها المطاف في مكبات النفايات.
التوقيت المثالي للعرض المناسب
ويقول الخبير في التسويق وخدمة المستهلكين وليد جبارة، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن دمج قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي في قطاع البقالة، يعني انتقال القطاع بأكمله من مرحلة التنبؤ بما سيفعله المستهلك، إلى مرحلة صناعة تجربة شراء متكاملة، فالذكاء الاصطناعي لن يعمل في السوبرماركت كأداة تحليل تقليدية فقط، بل أيضاً كصانع قرارات، قادر على توليد سيناريوهات تشغيلية وتسويقية بشكل مستمر، لخلق تفاعل حيوي مع المستهلك، وذلك اعتماداً على البيانات التي يتلقاها بشكل لحظي من داخل المتجر وخارجه.
ويشرح جبارة أن تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، تعتمد على نماذج لغوية وتنبؤية تقوم بقراءة بيانات المبيعات، وسلوك العملاء، وحركة المخزون، وحتى العوامل الخارجية مثل الطقس والمناسبات، ثم تقوم بتوليد عروض مُمنهجة قابلة للتنفيذ بشكل شبه فوري، مشدداً على أن هذه التقنيات لا تكتفي فقط بخفض الأسعار، بل تختار التوقيت والمنتج الذي يتناسب مع نمط حياة العميل اللحظي، بحيث تتحول العروض من حملات عامة إلى تجارب شخصية دقيقة، يتم تقديمها في اللحظة التي يرتفع فيها احتمال الشراء، ما يعزز من كفاءة تصريف المنتجات.
عروض شخصية
وبحسب جبارة فإن أحد أهم مجالات دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في أعمال متاجر البقالة والسوبرماركت، يتعلق بالتطبيقات التي تمتلكها هذه المتاجر، إذ أن هذه التطبيقات الموجودة على هواتف المستهلكين، هي الأكثر قدرة على فهم ملفاتهم الشرائية وتقديم توصيات مخصصة لكل منهم، بناءً على تفضيلاتهم الغذائية، وهنا وفي حال أرادت المتاجر تصريف منتج ما يقترب من نهاية صلاحيته، فإنها تقوم باستهداف العملاء الأكثر قابلية لشرائه، عبر إشعارات وعروض شخصية فورية، ما يرفع بشكل كبير من احتمالات البيع، ضمن منظومة تسعير وترويج ذكية تُدار على مستوى كل زبون على حدة.
ويتوقع جبارة أن يتجه الكثير من متاجر البقالة والسوبرماركت في العالم، إلى إعادة تصميم عملياتها بالكامل، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من طريقة العمل اليومية، بهدف تحقيق توازن بين خفض التكاليف من جهة، وتعزيز الربحية من جهة أخرى، وذلك دون الاعتماد على قرارات بشرية بطيئة لا تتماشى مع التغييرات الحاصلة في السوق.
إعادة تدويرِ الفرص
من جهتها تقول رنا أسمر وهي خبيرة في سلوك المستهلك، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الأثر الحقيقي للذكاء الاصطناعي التوليدي في قطاع السوبرماركت، لا يقتصر على تحسين المبيعات، بل يمتد إلى إعادة تعريف كيفية إدارة الموارد الغذائية بشكل كامل، خصوصاً في ما يتعلق بالحد من الهدر، وهو تحول جوهري في هذا القطاع، فالذكاء الاصطناعي بإمكانه تقدير العمر الفعلي لكل منتج داخل المتجر، وهذا ما يسمح للبرمجيات باتخاذ قرارات مبكرة تمنع وصول المنتجات إلى مرحلة التلف الكامل.
كما تلفت أسمر إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي، يمكنها أيضاً أن تساهم في إعادة توجيه فائض السلع والبضائع بذكاء، فعلى سبيل المثال يمكن لها اقتراح تحويل بعض المنتجات المُعلّبة أو الخضار الطازجة، إلى وجبات جاهزة للأكل، بما يرفع من احتمالية بيعها، مشيرةً إلى أن هذه التقنيات قادرة أيضاً على قراءة إشارات ضعف الطلب بشكل مبكر، بحيث لا تنتظر تراكم الفائض، بل تُقدّم توصيات استباقية لأصحاب المتاجر بشأن تعديل كميات الطلب، وحتى إعادة النظر في الموردين أو شروط التوريد، كما يمكنها اقتراح بدائل أكثر ملاءمة لذوق المستهلكين، استناداً إلى بيانات يتم تحديثها باستمرار.
امتلاك الخوارزمية الأقوى
وتضيف أسمر إنه في النموذج التقليدي، كانت المتاجر تتعامل مع الطلب باعتباره عاملاً خارجياً، يُرصد ويُستجاب له، أما مع دمج الذكاء الاصطناعي فإن المعادلة إنعكست إلى ما يمكن وصفه بهندسة قرار الشراء، فعلى سبيل المثال إذا رصد الذكاء الاصطناعي ترنداً متصاعداً لوصفة طعام معينة على وسائل التواصل الاجتماعي، فيمكنه وبشكل آلي رفع وتيرة العروض على المنتجات المرتبطة بهذه الوصفة، مما يخلق حالة من الطلب الاصطناعي الموجه، الذي يساعد بمنع الهدر قبل وقوعه.
وترى أسمر أن مستقبل النجاح في قطاع البقالة والسوبرماركت، لن يكون مرتبطاً بامتلاك البضاعة الأفضل فحسب، بل بامتلاك الخوارزمية الذكية الأقوى والأكثر قدرة على إقناع المستهلك، بأن المنتج المعروض هو الحل الأمثل لاحتياجاته اللحظية، حيث ستتحول الخوارزميات إلى مستشار رقمي يوجّه رغبات الزبائن، نحو السلع التي تضمن للمتجر أعلى مستويات الربحية وأقل معدلات الهدر.










