كيف تحولت زيارة ترامب لبكين إلى لعبة "لا غالب ولا مغلوب"؟
07:33 - 19 مايو 2026
في خضمّ التحولات المتسارعة في المشهد الاقتصادي العالمي، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب من بكين على قاعدة "لا غالب ولا مغلوب"، بعد زيارة رافقه فيها وفد يضم عدداً من الوزراء و18 رئيساً تنفيذياً لكبرى الشركات الأميركية التي تتجاوز قيمتها السوقية 17 تريليون دولار.
وكان من المتوقع أن تُعلن خلال الزيارة صفقات ضخمة وحلول لملفات استراتيجية مثل منع إيران من إغلاق مضيق هرمز وملف تايوان وفتح السوق الصيني أمام الشركات الأميركية، إلا أن النتائج جاءت مختلفة.
فقد اتفق الجانبان على خفض الرسوم على سلع مهمة لكل طرف، كما سمح ترامب لشركة إنفيديا باستئناف تصدير رقائق H200 إلى الشركات الصينية، في حين لم تسمح بكين لشركاتها بشراء هذه الرقائق ضمن توجهها لتطوير تقنياتها الخاصة. واقتصرت الصفقات على موافقة الصين على شراء 200 طائرة بوينغ بدلاً من 500، إلى جانب تعهد بشراء منتجات زراعية أمريكية بقيمة 17 مليار دولار، دون أن يشمل ذلك فول الصويا الذي كان قد جرى التعهد به في أكتوبر الماضي.
وفي موازاة ذلك، تواصل الصين تعزيز نظام المدفوعات عبر الحدود CIPS الذي أطلقته عام 2015 بديلاً موازياً لسويفت، حيث يضم نحو 1790 مؤسسة مالية في أكثر من 190 دولة، وارتفعت معاملاته 40 مرة لتصل إلى 180 تريليون يوان (أكثر من 26 تريليون دولار)، فيما تجاوزت تعاملاته هذا العام 66 تريليون يوان، ليصبح خامس نظام مدفوعات عالمياً بحصة تفوق 3 بالمئة متقدماً على الدولار الكندي ومنافساً الين الياباني، بعد أن كان خارج قائمة أفضل 30 قبل 12 عاماً.
حين تُمثّل القمة أقل مما وُعد
لم يُخفِ باسم شقفة، الرئيس التنفيذي لشركة ويكو للاستشارات الاقتصادية، خيبةً واضحة إزاء ما أسفرت عنه القمة الأميركية-الصينية التي جمعت الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ، مؤكداً في حديثه لبرنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية أن القمة "لم تكن على مستوى التوقعات"، بحسب وصفه. غير أن ما يبدو في ظاهره إخفاقاً دبلوماسياً، يكشف شقفة في تحليله أنه لعبة استراتيجية دقيقة تخوضها قوتان عظميان تتنافسان على إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي. فمن الفائز في هذا السجال؟ ومن يمسك بأوراق اللعبة الأقوى؟
القمة في ميزان الاستراتيجية: من يُقدّم التنازلات الأقل؟
يذهب شقفة إلى أن قمة 2025 ليست سوى امتداد لمسار بدأ عام 2017، حين اجتمع ترامب بالرئيس الصيني وأُعلن عن اتفاقيات اقتصادية اقتصرت على بعض مشتريات الصويا والمنتجات الزراعية. ويرى أن السياق الراهن، وإن كان يبدو أشد زخماً بفضل الوفد الرفيع المرافق لترامب الذي ضمّ رؤساء تنفيذيين بارزين، إلا أن المُخرجات جاءت بالمستوى ذاته؛ اتفاقيات زراعية ومشتريات رمزية.
وفي هذا الإطار، يضع شقفة معادلةً واضحة لقراءة المشهد: "من يُقدّم تنازلات أقل هو الفائز في هذه المعركة طويلة الأمد".
ويُشير شقفة إلى أن حجم الوفد الأميركي المرافق لترامب، والذي شمل عدداً من أبرز رجال الأعمال الأميركيين، دليلٌ قاطع في حد ذاته على ثقل الصين كشريك استراتيجي لا يمكن تجاهله، مضيفاً أن ترامب يُدرك تماماً أنه يتعامل مع ند حقيقي، وهذا ما يُفسّر نبرة الاحترام في تعاطي الجانب الأميركي مع المضيفين الصينيين.
"فخ ثوسيديديس": الرسالة الصينية التي فاقت كل البيانات
توقف شقفة خلال حديثه عند جملة افتتح بها الرئيس الصيني لقاءه مع ترامب، حين دعا إلى تجنّب ما يُعرف بـ"فخ ثوسيديديس"،. يُحلّل شقفة هذه الجملة بوصفها رسالة سياسية بالغة الدلالة تتجاوز في وزنها جميع الملفات التي جاء ترامب لمناقشتها.
وفي السياق ذاته، يلفت شقفة إلى أن صفقة بقيمة 17 مليار لشراء المنتجات الزراعية الاميركية التي قُدِّمت خلال القمة لا تعدو كونها "ضيافة للضيف"، مُؤكّداً أن القضايا الجوهرية، وفي مقدّمتها ملف شركة إنفيديا وتصدير الرقائق الأميركية المتقدّمة، لم تجد لها حلاً خلال اللقاء.
معركة الرقائق: الصين تُهيّئ مفاجأتها التكنولوجية
يُولي شقفة اهتماماً خاصاً لملف الذكاء الاصطناعي وتصنيع الرقائق الإلكترونية، الذي يصفه بأنه قلب المواجهة الاستراتيجية الحقيقية بين البلدين. ويُقرّ بأن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بتفوّقها في هذا القطاع الحيوي، إلا أن الصين تسير وفق خطة استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تصفير اعتمادها على الرقائق الأميركية.
ويستقرئ شقفة من مجمل معطيات القمة رسالةً صينية لا لبس فيها: "نحن لسنا بحاجة إلى الرقائق الأميركية، وسنُفاجئكم بالرقائق الصينية". ويضيف أن الصينيين معروفون بأسلوب العمل في صمت، ثم يُطلقون مفاجآتهم في توقيت يختارونه بعناية.
نظام "سي بيس" أمام "سويفت": الطريق الطويل نحو استقلالية اليوان
انتقل شقفة إلى مناقشة جانب آخر بالغ الأهمية في استراتيجية الصين الاقتصادية الكبرى، وهو نظام المدفوعات العابر للحدود بالعملة الصينية المعروف بـ CIPS، في مقابل نظامSWIFT.
ويشرح شقفة الفارق الجوهري بين النظامين: فبينما يعمل SWIFT بوصفه نظام رسائل يستغرق تنفيذه ما بين يومين وأربعة أيام عمل، يعتمد CIPS على معيار ISO 20022 وهو نظام تسوية فوري يُنجز المعاملات المالية في غضون ثوانٍ.
ويستعرض شقفة أرقاماً لافتة تعكس حجم النظام: 190 دولة انضمت إليه، وأكثر من 5000 مؤسسة وشركة باتت جزءاً منه. غير أنه يتحفّظ على المبالغة في تقدير قدرة CIPS على زعزعة هيمنة SWIFT في المدى القريب، مشيراً إلى أن نظام CIPS نفسه لا يزال يعتمد جزئياً على SWIFT في بعض جوانبه.
ويربط شقفة مسيرة CIPS بالتوجّه الصيني الأشمل نحو تقليص الاعتماد على التسويات بالدولار الأميركي، وهو مسار تنتهجه بكين منذ عام 2015 وستواصله في السنوات القادمة. ويُلاحظ أن هدف الصين سيسحب البساط من تحتSWIFT .
هيمنة الدولار: الجدل بين الأرقام والطموحات
حين يُثار موضوع كسر هيمنة الدولار، يدعو شقفة إلى التزام الأرقام بدلاً من الانجراف وراء الخطاب التحريضي. ويُذكّر بأن اليوان الصيني، رغم دخوله سلة حقوق السحب الخاصة لصندوق النقد الدولي عام 2016، لا يزال يُمثّل أقل من 2 بالمئة من احتياطيات النقد الأجنبية العالمية، في حين يحتفظ الدولار بحصة تتراوح بين 56 بالمئة و65 بالمئة من هذه الاحتياطيات.
بيد أن شقفة يُحذّر من الاطمئنان المفرط، إذ يرى أن هذا المشوار طويل، والصين نفسها أطول. فبكين تعمل على هذا الملف منذ أكثر من عقدين بنظرة استراتيجية بعيدة المدى لا تُقاس بمعايير الدورات الانتخابية أو الأجيال الفردية، بل بأُفق دولة تعلم أنها ستحصد نتائجها حتماً.
ويُوضح شقفة أن السيناريو الأرجح ليس إسقاط الدولار عن عرشه بين ليلة وضحاها، بل إعادة توزيع حصص الهيمنة على نحو تكتسب فيه الصين ثقلاً متزايداً كقطب مالي موازٍ، لا كبديل مطلق.
من سلعة رخيصة إلى مُنافس على الجودة: التحوّل الكبير
يختم شقفة تحليله بلفتة دالة على عمق التحوّل الذي شهده الاقتصاد الصيني، إذ يتطرّق إلى ظاهرة السيارات الصينية التي باتت تُزاحم علامات تجارية عالمية راسخة في أسواق المنطقة.
ويُفرّق شقفة بوضوح بين مرحلتين: مرحلة الإغراق التاريخية التي اعتمدت على السلع الرخيصة منخفضة الجودة قبل ربع قرن، ومرحلة اليوم التي تخوض فيها الصين المنافسة على الجودة في قطاعات متقدمة كالسيارات الكهربائية والتكنولوجيا.
وفي نهاية المطاف، يظل جوهر الرسالة التي يُقدّمها شقفة راسخاً: الصين اليوم ليست الصين التي عرفها العالم قبل عقدين.





