انتقاد لنهج حزب العمال.. الحنين للماضي ليس خطة للنمو
10:48 - 21 أكتوبر 2026
يرى الكاتب والمحلل الاقتصادي مارتن وولف أن المؤتمرين الأخيرين لحزبي العمال والمحافظين كشفا عن اتساع الفجوة بين رؤيتيهما الاقتصاديتين، بعد سنوات من التقارب النسبي الذي طبع السياسات البريطانية منذ خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.
ويشير وولف إلى أن زعيم حزب العمال آندي بورنهام وزعيمة المحافظين كيمي بادينوك قدما خطابين يعكسان رؤيتين مختلفتين لمستقبل الاقتصاد البريطاني، حيث دافع بورنهام عن دور أكبر للدولة في الاقتصاد، بينما أعادت بادينوك طرح أفكار تقوم على خفض الضرائب وتقليص حجم الحكومة وتعزيز دور القطاع الخاص، بحسب صحيفة فاينانشال تايمز.
إشادة بخطاب بادينوك
واعتبر الكاتب أن خطاب بادينوك كان أكثر تأثيراً، ليس لأنه استعاد إرث رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر، بل لأنه تبنى أيضاً نهجاً محافظاً تقليدياً يركز على قيم المجتمع والانفتاح، منتقداً ما وصفه بالنزعات الشعبوية والانغلاق السياسي.
ورغم اعتراضه على بعض سياساتها، مثل مقترحات إعفاء المنازل العائلية من ضريبة الميراث، يرى أنها قدمت بديلاً أكثر وضوحاً مقارنة بالأحزاب اليمينية الشعبوية.
بورنهام ينتقد إرث تاتشر
في المقابل، شن بورنهام هجوماً على ما وصفه بالسياسات التي وضعت بريطانيا على "المسار الخاطئ"، بما في ذلك الخصخصة وتخفيف القيود التنظيمية والتقشف وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
كما انتقد بيع أو خصخصة قطاعات مثل الإسكان والمياه والطاقة والنقل والرعاية الاجتماعية، معتبراً أن ذلك ساهم في تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.
لكن وولف يرى أن هذه القراءة تتجاهل جانباً مهماً من الواقع الاقتصادي البريطاني خلال سبعينيات القرن الماضي.
السبعينيات لم تكن نموذجاً ناجحاً
ويؤكد الكاتب أن بريطانيا قبل وصول تاتشر إلى السلطة لم تكن قصة نجاح اقتصادي.
فقد شهدت البلاد آنذاك معدلات تضخم مرتفعة، وإضرابات عمالية واسعة، وتراجعاً في تنافسية الصناعات البريطانية، فضلاً عن أزمات مزمنة في الشركات المملوكة للدولة.
ويضيف أن العديد من القطاعات المؤممة، مثل السكك الحديدية والكهرباء والاتصالات، لم تكن تتمتع بالكفاءة المطلوبة، وأن تحسن الخدمات لاحقاً تحقق في كثير من الحالات بفضل المنافسة والقطاع الخاص.
التصنيع ليس الحل السحري
ويرفض وولف أيضاً فكرة أن تراجع الصناعة التحويلية كان نتيجة مباشرة لسياسات تاتشر فقط، مشيراً إلى أن الظاهرة شهدتها معظم الاقتصادات المتقدمة بدرجات متفاوتة.
وبرأيه، فإن التغيرات التكنولوجية والعولمة كانت عوامل رئيسية وراء انحسار الوظائف الصناعية، متوقعاً أن تتسارع هذه الاتجاهات مع انتشار الذكاء الاصطناعي والأتمتة.
ولهذا، يرى أن شعار "إعادة التصنيع" وحده لا يمثل استراتيجية اقتصادية كافية لتحقيق النمو.
بريطانيا تحتاج إلى تنظيم أقل لا أكثر
وانتقد الكاتب كذلك دعوات زيادة القيود والتنظيمات الاقتصادية، معتبراً أن واحدة من أكبر العقبات أمام النمو في بريطانيا هي صعوبة تنفيذ المشاريع الجديدة.
وأشار إلى أن بناء المساكن والبنية التحتية ومحطات الطاقة والمطارات يواجه عراقيل تنظيمية وبيروقراطية معقدة، لدرجة أن الحديث عن اقتصاد بريطاني "متحرر من القيود" لا يعكس الواقع.
ويرى أن تخفيف بعض التنظيمات قد يكون ضرورياً لتسريع الاستثمار وزيادة المعروض السكني وتحفيز النشاط الاقتصادي.
أزمة الإسكان استثناء مهم
ورغم دفاعه عن بعض نتائج الخصخصة، يقر وولف بأن التجربة لم تكن ناجحة بالكامل. ويضرب مثالاً بقطاع المياه الذي لا يزال محل جدل، إضافة إلى أزمة الإسكان التي تفاقمت بعد تراجع وتيرة البناء الحكومي.
فبين عامي 1960 و1980 شُيد نحو سبعة ملايين منزل في بريطانيا، بينما لم يتجاوز عدد المنازل الجديدة أربعة ملايين وحدة بين عامي 2005 و2025، وهو ما ساهم في ارتفاع أسعار العقارات بشكل كبير، خصوصاً في لندن وجنوب شرق إنجلترا.
أين خطة النمو؟
ويخلص الكاتب إلى أن انتقاد "التاتشرية" أو الدعوة إلى "إعادة التصنيع" أو تعزيز اللامركزية لا يشكل بحد ذاته استراتيجية اقتصادية متكاملة.
ويرى أن السؤال الأساسي يبقى ما إذا كان حزب العمال يمتلك خطة واضحة لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام، مشيراً إلى أن الإجابة قد تتضح مع الموازنة المقبلة.
ويختتم بالقول إن العودة إلى سياسات السبعينيات ليست حلاً لمشكلات الحاضر، لأن الاقتصاد البريطاني يواجه تحديات مختلفة تتطلب سياسات جديدة بدلاً من استحضار نماذج الماضي.

