أوبن إيه آي تلمح إلى بلوغ AGI.. لكن ما هو أصلاً؟
08:33 - 07 سبتمبر 2026
في سباق محموم بين شركات التكنولوجيا لتطوير الجيل التالي من الذكاء الاصطناعي، يزداد الحديث عن مفهوم "الذكاء الاصطناعي العام" (AGI) بوصفه المحطة الفاصلة التي قد تفتح الباب أمام ما يسميه البعض "انفجاراً في الذكاء" يعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع. لكن المفارقة أن الجهات الساعية لتحقيق هذا الهدف لا تزال تختلف حول تعريفه وكيفية الوصول إليه، وفقا لوكالة بلومبرغ نيوز.
وخلال ما يقرب من أربع سنوات منذ إطلاق "شات جي بي تي"، ضخت شركات التكنولوجيا في الولايات المتحدة والصين مئات المليارات من الدولارات في مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية واستقطاب المواهب، سعياً إلى تطوير نماذج أكثر تقدماً. ولم يعد الهدف يقتصر على بناء أنظمة ذكاء اصطناعي أفضل، بل بات يتجه نحو تحقيق ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي العام.
من فكرة هامشية إلى هدف استراتيجي
بعد أن كان يُنظر إليه لسنوات باعتباره مفهوماً نظرياً بعيد المنال، تحول الذكاء الاصطناعي العام إلى محور أساسي في خطط أكبر مختبرات الذكاء الاصطناعي العالمية. وأصبح يؤثر في مسارات البحث العلمي والرسائل التسويقية وحتى النقاشات السياسية، وسط مخاوف متزايدة لدى بعض صناع القرار الأميركيين وقادة القطاع من تداعيات وصول الصين أو أي دولة أخرى إلى هذا الإنجاز قبل الولايات المتحدة.
وفي مطلع سبتمبر، بدأت شركة "أوبن إيه آي" طرح نموذجها الجديد الأقوى GPT-6 Astra، مشيرة إلى أنه قد يُنظر إليه مستقبلاً باعتباره إحدى البدايات المبكرة لعصر الذكاء الاصطناعي العام.
وقال رئيس الشركة، غريغ بروكمان، خلال مؤتمر صحفي للإعلان عن النموذج الجديد: "مرحباً بكم في عصر الذكاء الاصطناعي العام"، بحسب وكالة بلومبرغ نيوز.
ورغم هذه التصريحات، لا يزال مفهوم AGI نفسه محل جدل واسع. فالأكاديميون وقادة شركات التكنولوجيا يختلفون حول تعريفه، وحول مدى ارتباطه بالقيمة الاقتصادية، وما إذا كان يجب أن يتجاوز القدرات البشرية، بل وحتى حول إمكانية تحقيقه أساساً باستخدام التقنيات الحالية.
واعترف بروكمان نفسه بأن الحكم على ما إذا كان نموذج Astra قد بلغ مرحلة AGI ما زال أمراً مفتوحاً للتفسير، قائلاً إنه يترك للقارئ أن يقرر بنفسه ما إذا كان النموذج يحقق هذا المعيار.
ما هو الذكاء الاصطناعي العام؟
لا يوجد تعريف موحد للذكاء الاصطناعي العام. فشركة "أوبن إيه آي" تعرفه بأنه نظام يتفوق على البشر في معظم المهام ذات القيمة الاقتصادية.
أما شركة "غوغل ديب مايند"، فقد ركزت في دراسة نشرتها عام 2023 على مفهوم أوسع، يتمثل في القدرة على التعامل مع طيف واسع من المهام وتعلم مهارات جديدة ببيانات محدودة.
في المقابل، ترى مؤسسة ARC Prize، المسؤولة عن أحد أشهر معايير قياس التقدم نحو AGI، أن القيمة الاقتصادية ليست مقياساً مناسباً للذكاء، وتعرّف الذكاء الاصطناعي العام بأنه "نظام قادر على اكتساب مهارات جديدة بكفاءة خارج نطاق البيانات التي تدرب عليها".
كما تختلف التسميات نفسها بين الشركات. فالرئيس التنفيذي لشركة Anthropic (إنثروبيك)، داريو أمودي، يفضل استخدام مصطلح "الذكاء الاصطناعي القوي"، بينما أطلق رئيس قطاع الذكاء الاصطناعي في مايكروسوفت مصطفى سليمان مصطلح "الذكاء الاصطناعي القادر".
وفي الآونة الأخيرة، بدأت شركات مثل "ميتا" و"أوبن إيه آي" تتحدث بشكل متزايد عن مفهوم "الذكاء الفائق" (Superintelligence)، وهو نظام افتراضي يُفترض أن يتجاوز الذكاء الاصطناعي العام نفسه ويتخطى القدرات البشرية.
خارطة الطريق نحو AGI
سبق لـ"أوبن إيه آي" أن طرحت تصوراً من خمس مراحل للتقدم نحو الذكاء الاصطناعي العام.
وتبدأ هذه المراحل مع روبوتات المحادثة الحالية، ثم أنظمة الاستدلال المنطقي والوكلاء الرقميين القادرين على تنفيذ المهام نيابة عن المستخدمين، وهي فئة من المنتجات بدأت الشركات بالفعل في إطلاقها خلال الأشهر الأخيرة.
أما المرحلتان الأخيرتان فتشملان أنظمة تساعد في الابتكار والاختراع، وأخرى تستطيع أداء أعمال مؤسسة كاملة.
ورغم الطابع الطموح لهذه الرؤية، تؤكد الشركة أن الذكاء الاصطناعي العام لا يعني بالضرورة الوصول إلى الوعي أو المشاعر أو الإدراك الذاتي. وحتى الآن لا يوجد دليل على أن تطور الذكاء الاصطناعي سيسلك هذا المسار، رغم أن قدرته على محاكاة اللغة البشرية تدفع بعض المستخدمين أحياناً إلى الاعتقاد بعكس ذلك.
انقسام واسع حول مدى قرب AGI
أدت ضبابية التعريفات إلى تباين كبير في تقييم الوضع الحالي للتكنولوجيا. فبينما يرى بعض الباحثين أن الوصول إلى AGI لا يزال يبعد سنوات وربما عقوداً، يعتقد آخرون أن نماذج مثل GPT من "أوبن إيه آي"، وClaude من "Anthropic"، وLlama من "ميتا" قد تجاوزت بالفعل الحد الأدنى المطلوب لتحقيق هذا المفهوم.
جذور الفكرة
فكرة الذكاء الاصطناعي العام ليست جديدة. إذ تعود محاولات تطوير أنظمة قادرة على حل المشكلات بشكل عام إلى خمسينيات القرن الماضي.
لكن الزخم الحقيقي للمفهوم بدأ في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة بفضل عالم الحاسوب بن غورتزل، الذي نشر عام 2007 كتاباً بعنوان "الذكاء الاصطناعي العام".
كما تبنت "ديب مايند" هذا الهدف مبكراً، إذ وضعته في صلب خطتها التشغيلية منذ عام 2010، بحسب شين ليغ، المؤسس المشارك للشركة وكبير علماء AGI فيها.
وفي عام 2021، قال ليغ إنه يعتقد بوجود احتمال بنسبة 50 بالمئة للوصول إلى AGI بحلول عام 2028، و90 بالمئة بحلول عام 2040، وهو تقدير يقول إنه يتبناه منذ عام 1999.
لماذا يثير كل هذا الاهتمام؟
يرى مؤيدو الذكاء الاصطناعي العام أنه قد يؤدي إلى ما يسمى "انفجار الذكاء"، حيث تصبح الأنظمة قادرة على تحسين نفسها بوتيرة متسارعة، ما يفتح الباب أمام اكتشافات علمية واقتصادية غير مسبوقة.
وفي أحد السيناريوهات المطروحة، يمكن لأنظمة AGI أن تسهم في علاج أمراض مستعصية، وأتمتة نطاق أوسع بكثير من الوظائف، وتسريع وتيرة التقدم البشري.
وكتب الرئيس التنفيذي لـ"أوبن إيه آي" سام ألتمان في تدوينة عام 2025: "خلال عقد من الزمن ربما يصبح كل شخص على الأرض قادراً على إنجاز ما يفوق ما يستطيع أكثر الأشخاص تأثيراً تحقيقه اليوم"، بحسب وكالة بلومبرغ نيوز.
كما تشير دراسات إلى أن السباق نحو AGI قد يحمل تداعيات جيوسياسية كبيرة، سواء في مجالات الأمن السيبراني أو المراقبة أو الأسلحة الذاتية التشغيل. وتحذر بعض التقديرات من أن الدولة التي تصل أولاً إلى AGI قد تتمتع بأفضلية استراتيجية تعيد رسم موازين القوة الاقتصادية والعسكرية عالمياً.
ماذا يقول المشككون؟
رغم الضجة الكبيرة، لا يزال كثير من الباحثين يشككون في إمكانية تحقيق AGI عبر المسار التقني الحالي.
وأظهر استطلاع أُجري عام 2025 وشمل مئات الباحثين أن توسيع نطاق النماذج الحالية وحده لن يكون كافياً للوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام.
ويعد يان لوكون، كبير علماء الذكاء الاصطناعي السابق في "ميتا"، من أبرز المنتقدين لهذا التوجه، إذ يرى أن النماذج اللغوية الضخمة الحالية تعاني من قصور جوهري، لأنها لا تفكر قبل التصرف، ولا تتعلم من الخبرة الواقعية، وتفتقر إلى الذاكرة طويلة الأمد والقدرة على التخطيط الهرمي.
كما يصف بعض النقاد هذه النماذج بأنها مجرد "ببغاوات إحصائية"، تعيد تركيب الأنماط اللغوية دون فهم حقيقي لمعانيها، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت المحاكاة الإحصائية يمكن أن ترتقي فعلاً إلى مستوى الذكاء البشري.
من يقود السباق؟
تضع "أوبن إيه آي" تحقيق ذكاء اصطناعي بمستوى البشر في صلب رسالتها منذ عام 2015، فيما تؤكد "غوغل ديب مايند" أنها تعمل منذ سنوات على تطوير هذا النوع من الأنظمة.
كما أنشأت "أمازون" مختبراً متخصصاً في AGI بمدينة سان فرانسيسكو، فيما أعلنت "ميتا" سابقاً أن هدفها تطوير الذكاء الاصطناعي العام قبل أن تتحول للحديث عن "الذكاء الفائق الشخصي".
وفي الصين، تبنت شركات كبرى التوجه ذاته، إذ تعتبر "علي بابا" أن AGI يمثل هدفها الرئيسي، بينما تقول شركة "ديب سيك" إن مهمتها تتمثل في "فك لغز الذكاء الاصطناعي العام".
إلى أي مدى وصلوا؟
التقديرات لا تزال متباينة. ففي حين يرى سام ألتمان أن مؤشرات AGI بدأت بالظهور وأن الوصول إلى الذكاء الفائق قد يحدث خلال سنوات قليلة، يعتقد داريو أمودي أن أنظمة "الذكاء الاصطناعي القوي" قد تصبح واقعاً خلال عامين أو ثلاثة.
في المقابل، يقدر ديميس هاسابيس، المؤسس المشارك لـ"ديب مايند"، أن الذكاء الاصطناعي العام لا يزال يبعد ما بين خمس وعشر سنوات، معتبراً أن بعض التوقعات المتفائلة تستند إلى تخفيف معايير تعريف AGI نفسه.
ورغم التطورات اللافتة التي حققتها روبوتات المحادثة ووكلاء الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة، لا تزال النماذج الأكثر تقدماً تعاني من اختلاق معلومات غير صحيحة، كما تخفق أحياناً في مهام بسيطة يستطيع الأطفال إنجازها بسهولة.
ويحذر خبراء من الاعتماد المفرط على الاختبارات والمعايير القياسية، لأن الأنظمة قد تحقق نتائج ممتازة في بيئات اختبارية منظمة، لكنها تتعثر عند مواجهة ظروف العالم الحقيقي الأكثر تعقيداً وتنوعاً.
وبينما يتسابق القطاع التكنولوجي نحو تحقيق AGI، يبقى السؤال الأهم من دون إجابة حاسمة: إذا كان الجميع يلاحق الذكاء الاصطناعي العام، فكيف سنعرف فعلاً أننا وصلنا إليه؟









