الديون السيادية تحت الضغط.. حرب إيران تعيد تسعير المخاطر
15:37 - 04 مارس 2026
شهدت أسواق السندات الحكومية العالمية موجة بيع حادة استمرت يومين، في مؤشر واضح على حجم الضغوط التي تفرضها الحرب الجوية الأميركية–الإسرائيلية ضد إيران على الأسواق المالية العالمية، التي تعاني بالفعل من توترات متزايدة بفعل مخاطر التضخم.
وتراجعت أسعار السندات بشكل ملحوظ وسط مخاوف من أن يؤدي صراع طويل الأمد مع إيران إلى ارتفاع أسعار الطاقة، ما قد يقوّض الآمال في اتجاه البنوك المركزية نحو خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
ورغم أن العوائد قلّصت مكاسبها تدريجياً خلال جلسات التداول في الولايات المتحدة، فإن ذلك عكس قدراً من التفاؤل لدى المتعاملين الأميركيين بأن النزاع لن يتطور إلى أزمة طويلة، خاصة في ظل تمتع الولايات المتحدة بوضع أكثر قوة في سوق الطاقة مقارنة بنظيراتها الأوروبية.
ويُعد هذا التحرك أحدث إشارة إلى تعرض المكانة التقليدية للسندات الحكومية كملاذ آمن يزدهر في أوقات الاضطرابات لضغوط متزايدة، ما يضيف مزيداً من التعقيد إلى قرارات الاستثمار في بيئة تداول مشحونة بالمخاطر.
مخاوف تضخمية متجددة
جاءت القفزة في أسعار الطاقة في وقت لا تزال فيه العديد من البنوك المركزية، بما في ذلك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، تكافح لاحتواء معدلات تضخم تتجاوز المستويات المستهدفة.
وقال ويل كومبيرنول، استراتيجي الاقتصاد الكلي لدى FHN Financial، لوكالة رويترز، إن هذه التطورات تأتي في مرحلة من دورة السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي لا تسمح بتجاهل الارتفاعات المؤقتة في الأسعار، في إشارة إلى محدودية قدرة البنك المركزي على استيعاب صدمات الأسعار دون تعديل مسار السياسة النقدية.
ومن المتوقع أن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي، الذي يشهد انقساماً داخلياً بشأن مسار السياسة النقدية، أسعار الفائدة دون تغيير لعدة أشهر وسط استمرار الضغوط السعرية المرتفعة.
كما كشفت تقلبات السوق، مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية في البداية عقب اندلاع النزاع، عن حالة من عدم اليقين بشأن التداعيات الاقتصادية النهائية للصراع.
وأوضح كومبيرنول أن الأسواق تجد صعوبة في تحديد اتجاهها، وهو ما يفسر التحركات الحادة في الأسعار خلال جلسات التداول اليومية.
وفي السياق ذاته، حذر كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، من أن حرباً مطولة في الشرق الأوسط قد تؤدي إلى ارتفاع كبير في معدلات التضخم بمنطقة اليورو، مع تقليص وتيرة النمو الاقتصادي.
ارتفاع العوائد عالمياً
وسجلت عوائد السندات لأجل عامين ارتفاعاً ملحوظاً، وإن كانت أقل من مستوياتها القياسية المسجلة في وقت سابق.
ففي بريطانيا، بلغت عوائد السندات الحكومية لأجل عامين 3.732 بالمئة بعد أن لامست 3.84 بالمئة، مقارنة بـ3.516 بالمئة يوم الجمعة الماضي، في أكبر زيادة خلال يومين منذ أكتوبر 2024.
كما ارتفعت عوائد السندات الألمانية لأجل عامين إلى 2.177 بالمئة، بعدما سجلت 2.236 بالمئة، وهو أعلى مستوى لها في عام وأكبر ارتفاع خلال يومين في الفترة ذاتها.
وفي الولايات المتحدة، صعدت عوائد السندات لأجل عامين إلى 3.498 بالمئة، مقارنة بأدنى مستوى عند 3.365 بالمئة يوم الاثنين، بعدما بلغت ذروتها عند 3.599 بالمئة، في أكبر زيادة خلال يومين منذ يونيو الماضي.
ويرى جيه بي باورز، كبير مسؤولي الاستثمار في RWA Wealth Partners، أن مدة استمرار النزاع لا تزال غير واضحة، مضيفاً أن التأثير الأكثر وضوحاً يتمثل في أسواق الطاقة، ما يعزز المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية، وفقا لوكالة رويترز.
المستثمرون يعودون إلى سيناريو 2022
وبحسب روهان خانا، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة في منطقة اليورو لدى بنك باركليز، فإن المستثمرين يعيدون حالياً تبني نموذج "صدمة الطاقة" الذي شهدته الأسواق في عام 2022 عقب الحرب الروسية الأوكرانية، مشيراً إلى أن تلك التجربة لا تزال حاضرة بقوة في أذهان المتعاملين بعد الصدمة التضخمية الكبيرة والمستمرة التي أعقبتها.
كما تفاقمت موجة البيع نتيجة تمركز المستثمرين مسبقاً على توقعات بارتفاع السندات بفعل مخاوف من تأثيرات الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد الحقيقي، وهو ما زاد من حدة التحركات الحالية.
وتعتمد أوروبا بشكل كبير على واردات النفط والغاز، في وقت شهدت فيه الأسعار ارتفاعاً حاداً مع شبه توقف لحركة الشحن عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال.
قفزة في أسعار النفط والغاز
وارتفع خام برنت بنسبة 2.5 بالمئة ليصل إلى 80.31 دولاراً للبرميل الثلاثاء، بعدما لامس في وقت سابق مستوى 85.12 دولاراً، وهو الأعلى منذ يوليو 2024.
كما قفزت أسعار الغاز الأوروبية بالجملة بنحو 35 بالمئة إلى 40 بالمئة الاثنين، قبل أن ترتفع بأكثر من 40 بالمئة إضافية خلال تعاملات الثلاثاء، في ظل تصاعد المخاوف بشأن أمن الإمدادات.
وشهدت عوائد سندات الخزانة الأميركية ارتفاعاً أيضاً خلال يومي الاثنين والثلاثاء، وسط مخاوف من أن يؤدي النزاع المطول إلى الضغط على الموازنات المالية، بالإضافة إلى اتجاه بعض المستثمرين، بما في ذلك حاملو السندات الأجانب، إلى بيع السندات لتعزيز السيولة.
ووصف يان نيفروزي، استراتيجي أسعار الفائدة لدى TD Securities، الوضع بأنه "سباق نحو السيولة"، في ظل سعي المستثمرين إلى تعزيز حيازاتهم النقدية.
تراجع رهانات خفض الفائدة
في غضون ذلك، تستعد لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا للاجتماع في وقت لاحق من الشهر الجاري، وسط انقسام بين صناع القرار بشأن أولوية مكافحة التضخم أو دعم النمو الاقتصادي.
ويتوقع المتعاملون حالياً احتمالاً لا يتجاوز 30 بالمئة لخفض أسعار الفائدة، مقارنة بـ75 بالمئة يوم الجمعة الماضي.
كما لم تعد الأسواق تسعّر بشكل كامل خفضاً في أسعار الفائدة الأميركية قبل سبتمبر، بدلاً من يوليو، بينما ارتفعت احتمالات قيام البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة بحلول نهاية العام إلى 17 بالمئة، مقارنة بتوقعات خفض بلغت نحو 40 بالمئة الأسبوع الماضي.
وأظهرت بيانات صدرت أمس الثلاثاء ارتفاع معدل التضخم في منطقة اليورو إلى 1.9 بالمئة على أساس سنوي خلال الشهر الماضي، فيما قفزت توقعات السوق للتضخم خلال العامين المقبلين إلى ما يزيد قليلاً عن 2 بالمئة، مقارنة بنحو 1.8 بالمئة يوم الجمعة.
وتشير تحليلات البنك المركزي الأوروبي إلى أن ارتفاعاً دائماً في أسعار النفط بهذا الحجم قد يرفع معدلات التضخم بنحو 0.5 نقطة مئوية، في وقت يُرجح فيه أن يؤكد صناع السياسة النقدية خلال اجتماعهم المرتقب في مارس أنه من المبكر تحديد التأثير الكامل للنزاع على الاقتصاد.






