"زيرو جمارك" وكثير من المكاسب.. الصين توسع نفوذها في إفريقيا
21:20 - 15 فبراير 2026
أثار إعلان الرئيس الصيني، شي جينبينغ، إلغاء الرسوم الجمركية على الواردات من جميع الدول الأفريقية ما عدا دولة واحدة، بدءا من أوائل مايو المقبل، تساؤلات حول الدلالات الاقتصادية والسياسية لهذه الخطوة.
كانت بكين تطبق سياسة "معاملة صفرية" على الرسوم الجمركية لواردات 33 دولة أفريقية، قبل أن توسع ذلك لتشمل جميع شركائها الدبلوماسيين في القارة، وعددهم 53 دولة، وباستثناء "إسواتيني"، التي تحتفظ بعلاقات دبلوماسية مع تايوان.
ويعتقد دبلوماسيون ومحللون في حديثهم لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن هذه الخطوة تعكس رغبة الصين في تعزيز الشراكة الاقتصادية مع الدول الأفريقية، وتشجيع التجارة البينية والاستثمارات المشتركة، بما يسهم في استفادة الدول الأفريقية من الوصول إلى الأسواق الصينية، وبما يعود في المقابل على تعزيز النفوذ الصيني بالقارة السمراء ومواجهة الولايات المتحدة.
ماذا ستفعل الصين؟
وتعد الصين أكبر شريك تجاري لإفريقيا، وداعم رئيسي لمشاريع البنية التحتية الكبرى في المنطقة من خلال مبادرة "الحزام والطريق" الطموحة، وتتجه إليها الأنظار منذ فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوما جمركية باهظة على مختلف دول العالم العام الماضي.
وطالما حث قادة أفارقة نظيرهم الصيني للمضي قدمًا في تلك الخطوة، إذ سافر رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا مؤخرًا إلى الصين لدفع مناقشات التجارة قدمًا، كما حث رئيس أوغندا يوري موسيفيني مرارًا على اتخاذ إجراءات لمعالجة الاختلالات الهيكلية في التجارة بين الصين والاقتصادات الأفريقية.
واعتبر شي جينبينغ أن اتفاقية الإعفاء من الرسوم الجمركية "ستوفر بلا شك فرصا جديدة للتنمية الإفريقية".
وأشاد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بالقرار الصيني، داعيًا جميع الدول المتقدمة والدول ذات الإمكانات الاقتصادية الكبيرة إلى اتخاذ الإجراء ذاته تمامًا، مضيفًا أنه "لا يمكن معاقبة أفريقيا، وهي قارة تواجه صعوبات اقتصادية هائلة، بسياسات تجارية تقييدية وبرسوم جمركية لا تسمح للمنتجات الأفريقية بأن تكون قادرة على المنافسة".
ووفق وكالة الأنباء الصينية "شينخوا"، ستواصل بكين دفع مفاوضات وتوقيع اتفاقيات الشراكة الاقتصادية من أجل التنمية المشتركة مع البلدان الأفريقية، وستوسع نطاق وصول الصادرات الأفريقية إلى الصين من خلال آليات محدثة مثل ما تطلق عليها "القناة الخضراء".
وشهدت التجارة بين الصين وأفريقيا نموًا سريعًا خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 222 مليار دولار بين يناير وأغسطس 2025، بزيادة سنوية قدرها 15.4 بالمئة، وفقًا للإدارة العامة للجمارك الصينية.
وقفزت الصادرات الصينية إلى أفريقيا بنسبة 24.7 بالمئة لتصل إلى 140.79 مليار دولار، بينما ارتفعت الواردات من أفريقيا بنسبة 2.3 بالمئة فقط لتبلغ 81.25 مليار دولار، ما يجعل قرار إعفاء الواردات من الرسوم الجمركية فرصة كبيرة لدول القارة لتعزيز صادراتها، وتقليص الفجوة التجارية مع الصين.
أدوات "دبلوماسية"
بدوره، قال وزير الخارجية المصري الأسبق ووكيل لجنة الشؤون الخارجية والأفريقية بمجلس الشيوخ، السفير محمد العرابي، في تصريحات خاصة لـ"سكاي نيوز عربية"، إن "قرار الصين بإعفاء واردات الدول الإفريقية من الرسوم الجمركية خطوة إيجابية لتعزيز الصادرات الإفريقية، خاصة مع النظر إلى أن هذه القطاعات التجارية تُستخدم حاليًا كأداة دبلوماسية ناعمة لتعزيز العلاقات بين الدول".
وأوضح العرابي أن "هناك الكثير من الدول الأفريقية التي ستستفيد بالتأكيد من هذا القرار، إذ ستحظى بفرص للتصدير دون رسوم جمركية وزيادة العوائد الاقتصادية، وفي المجمل، تُعد هذه خطوة إيجابية من الصين لتشجيع الصادرات الإفريقية إلى بكين".
وعن التداعيات السياسية، أضاف العرابي أن "الصين تسعى دائمًا لتعزيز علاقاتها مع أفريقيا، في وقت تسعى فيه جميع دول العالم لتوطيد حضورها بالقارة، فخلال الأيام الماضية، انعقدت قمة إيطاليا–إفريقيا في أديس أبابا، وقبلها قمة الاتحاد الأوروبي–إفريقيا في أنغولا، ما يعكس اهتمام العالم بالقارة، وبالتالي يُعتبر القرار الصيني خطوة مهمة لتعزيز نفوذها وعلاقاتها الاستراتيجية مع الدول الإفريقية".
"دفاع عن التجارة الحرة"
من بكين، اعتبر الباحث السياسي والاقتصادي نادر رونغ هوان، قرار إعفاء واردات الدول الأفريقية من الرسوم الجمركية بأنها "تمثل تجسيدًا لعزيمة الصين الثابتة للمزيد من الانفتاح، والدفاع عن التجارة الحرة، وتسهيل التجارة والاستثمارات، والدفاع عن نظام تجاري متعدد الأطراف في ظل الحرب التجارية التي شنتها الولايات المتحدة ضد مختلف الدول منذ العام الماضي".
وقال هوان في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، إن "القرار يأتي تأكيدًا من الصين على دعمها للدول الأفريقية، وتطوير الشراكة التجارية بين الطرفين لتحقيق الكسب المشترك والتقدم المشترك".
ومع ذلك، أكد الباحث الاقتصادي الصيني أن "هذا القرار ليس لتعزيز النفوذ الصيني السياسي في قارة أفريقيا"، مضيفًا: "رأينا بكين منذ أكثر من 8 سنوات عندما شنت الولايات المتحدة حرباً تجارية ضدها، قامت بتنويع مصادر وأسواق لمنتجاتها، جنبنا إلى جنب مع النمو السريع للتبادل التجاري بين الصين والدول الأفريقية".
ولفت إلى "قارة أفريقيا بهذا القرار ستستطيع الاستفادة من مواردها الطبيعية، وبناء السوق الصينية الموحدة والكبيرة".
ووفق "هوان" فإن "ما تفعله الصين تجاه الدول الأفريقية يأتي بدون أي شروط سياسية مسبقة، وهي مختلفة عن الشروط أو نمط مساعدات الدول الغربية للدول الأفريقية التي دائماً تربطها بالشروط السياسية أو القيم الغربية".
وأشار إلى أن "سيساهم في توسيع حجم التبادل التجاري بين الصين ودول أفريقيا، وتسهيل حركة التجارة، بعدما ساعدت بكين في نقل تكنولوجيا التصنيع، وضخ الاستثمارات الصينية في دول أفريقيا من أجل بناء خطوط الإنتاج المحلية لرفع قدرارتها ودفع عملية التحديثات في تلك الدول".
ووفق الجمارك الصينية، شكلت الموارد المعدنية نحو 40 بالمئة من واردات الصين من أقل البلدان الأفريقية نموًا في عام 2023، تلتها المواد الخام غير الغذائية والسلع نصف المصنعة، وستتخلى بكين بموجب القرار عن نحو 1.4 مليار دولار من إيرادات الرسوم الجمركية.
فرصة للاقتصادات الأفريقية
وعلى هذا المنوال، أشار رئيس لجنة تنمية العلاقات مع الصين بجمعية رجال الأعمال المصرية، أحمد عز الدين، إلى أن "القرار الصيني يمثل فرصة كبيرة للاقتصادات الإفريقية، ومصر على وجه الخصوص، في ضوء اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي أبرمتها القاهرة وبكين عام 2024".
وتوقع "عز الدين" أن ترتفع الصادرات المصر إلى بكين بنحو 20 بالمئة مع المضي قدمًا في تطبيق إعفاء الرسوم الجمركية مطلع مايو المقبل.
وأضاف "عز الدين" في تصريحات لموقع "سكاي نيوز عربية"، أن "القرار يشجع الصادرات المصرية للوصول إلى الأسواق الصينية، التي تتميز بحجم سوق ضخم وقدرة شرائية عالية، ما يجعله سوقًا واعدة للمصدرين المصريين".
وأوضح أن "مصر تمتلك مزايا تنافسية بعدد من المنتجات المطلوبة في السوق الصيني، مثل الحاصلات الزراعية، والأغذية المصنعة، والكيماويات، ومشتقات البترول، والرخام المصري، وإعفاء هذه الصادرات من الرسوم الجمركية سيسهم في تعزيز دخولها إلى السوق الصيني وفتح فرص جديدة للنمو الاقتصادي، إلى جانب دعم استثمارات الشركات الصينية في مصر، والتي بلغ عددها نحو 3,600 شركة حتى نهاية يناير الماضي".
وحول تأثير القرار على حجم التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا، أشار "عز الدين" إلى أن "الصين تعتبر من كبار المستثمرين والمستوردين من الأسواق الإفريقية، خاصة في الاقتصادات الكبرى مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا وكينيا والمغرب".
أما بالنسبة للقطاعات التي ستستفيد من القرار، فقال رئيس لجنة تنمية العلاقات مع الصين إن "بكين تستورد المعادن بشكل رئيسي من إفريقيا، بما في ذلك النحاس في زيمبابوي وزامبيا وموزمبيق، فضلاً عن القطاعات الثقيلة مثل الأسمنت والحديد، إضافة إلى الاستثمارات في مجال الاتصالات".
"قدرات أفريقية"
وأوضح رئيس معهد "بنك فنلندا للاقتصاديات الناشئة" والخبير الاقتصادي المهتم بالشؤون الصينية، إيكا كورهونين، في تصريحات خاصة لـسكاي نيوز عربية، أن "إزالة الرسوم الجمركية ستؤدي بشكل طفيف إلى زيادة حجم التجارة بين الصين وأفريقيا، إلا أن السؤال الأهم يكمن في قدرة الدول الأفريقية على توفير منتجات قابلة للبيع للعملاء الصينيين، ومدى حجم الصناعات التحويلية فيها".
وأضاف "كورهونين"، أن "الاتحاد الأوروبي أطلق منذ عام 2001 مبادرة "كل شيء عدا الأسلحة"، التي تتيح لـ49 دولة من أقل البلدان نموًا، معظمها أفريقية، تصدير منتجاتها إلى الاتحاد الأوروبي دون رسوم جمركية"، مشيرا إلى أنه "رغم كون هذه المبادرة مفيدة، لكنها تواجه تحديًا كبيرًا يتمثل في محدودية الصناعات التحويلية في هذه الدول، ما يقيد قدرتها على إنتاج سلع قابلة للتصدير".





