الإمارات: الوجهة الأكثر تنافسية وتكاملا للاستثمارات السيادية
10:46 - 05 يناير 2026
في مشهد مالي عالمي شديد التقلب، نجحت دولة الإمارات في ترسيخ مكانتها كقوة استثمارية رائدة، مدفوعة برؤية استشرافية حولت مؤسساتها الوطنية إلى محركات نمو عابرة للقارات. ووفقاً لأحدث البيانات الدولية، لم تعد الأذرع الاستثمارية للدولة مجرد لاعبين تقليديين، بل تحولت إلى بوصلة للسوق العالمي، حيث تدير أصولاً ضخمة تتجاوز حاجز الـ 10.7 تريليونات درهم.
هذا الحضور المميز لم يكن وليد الصدفة، بل جاء بـفضل استراتيجية استهداف الفرص في قطاعات المستقبل، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، مما جعل العام 2025 نقطة تحول تاريخية تضع الإمارات في المرتبة الرابعة عالمياً كأكبر مستثمر سيادي.
وأمام هذه الأرقام القياسية يبرز السؤال: كيف تصدرت الكيانات الاستثمارية الإماراتية قائمة الصناديق الأكثر نشاطاً عالمياً؟ وهل تصبح الإمارات الوجهة الأفضل لاستثمارات الصناديق السيادية العالمية؟"
صدارة عالمية بـ 10.7 تريليونات درهم
وفقاً للتقرير السنوي الصادر عن مؤسسة «غلوبال إس دبليو إف»، المتخصصة في تتبع نشاط صناديق الثروة وصناديق التقاعد، قفزت دولة الإمارات إلى المرتبة الرابعة عالمياً ضمن قائمة أكبر المستثمرين السياديين لعام 2025.
وتدير المؤسسات الاستثمارية المملوكة للدولة أصولاً إجمالية بلغت قيمتها 10.75 تريليونات درهم (نحو 2.93 تريليون دولار). وبهذا الإنجاز، تأتي دولة الإمارات بعد كل من الولايات المتحدة (13.2 تريليون دولار)، والصين (8.22 تريليونات دولار)، واليابان (3.84 تريليونات دولار).
ويأتي بعد دولة الإمارات، مملكة النرويج التي حلت خامساً بأصول بلغت 2.27 تريليون دولار.
"أديا" و"مبادلة" .. محركات النمو العالمي
وأظهر التقرير أن جهاز أبوظبي للاستثمار «أديا» يمثل الركيزة الأكبر للأصول الإماراتية، حيث حل في المرتبة السابعة عالمياً بقيمة أصول بلغت 4.33 تريليونات درهم (1.18 تريليون دولار). وعلى صعيد الحيوية الاستثمارية، حافظت شركة مبادلة للاستثمار على موقعها كأكثر الصناديق نشاطاً في العالم للعام الثاني على التوالي، مسجلة رقماً قياسياً باستثمار 120 مليار درهم (32.7 مليار دولار) عبر 40 صفقة كبرى. كما استثمرت 47.3 مليار درهم (12.9 مليار دولار) في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
استثمارات المستقبل: رهان الذكاء الاصطناعي
وكشف التقرير عن توجه استراتيجي كثيف نحو قطاعات التكنولوجيا، حيث ضخت ثلاثة صناديق إماراتية كبرى (أديا، مبادلة، والقابضة ADQ) أكثر من 23.6 مليار دولار في الاستثمارات الرقمية. وقد نال الذكاء الاصطناعي حصة الأسد بتمويلات تجاوزت 7.1 مليارات دولار، تصدرتها "مبادلة" بـ 4.9 مليارات دولار، تلاها جهاز أبوظبي للاستثمار بـ 1.2 مليار دولار، ثم "القابضة ADQ" بنحو مليار دولار.
خارطة توزيع الأصول السيادية
وتتوزع القوة المالية الاستثمارية للدولة على عدة مؤسسات كبرى بحسب حجم الأصول التي رصدها التقرير:
- جهاز أبوظبي للاستثمار (أديا): 4.33 تريليونات درهم.
- مؤسسة دبي للاستثمار: 1.57 تريليون درهم.
- شركة مبادلة للاستثمار: 1.31 تريليون درهم.
- "القابضة" (ADQ): نحو921 مليار درهم.
- جهاز الإمارات للاستثمار: 609 مليارات درهم.
- صندوق دبي للاستثمار: 293 مليار درهم.
- دبي القابضة: 264 مليار درهم.
بيئة جاذبة للاستثمارات الدولية
لم تكتفِ الإمارات بكونها مصدراً لرؤوس الأموال، بل برزت كوجهة عالمية مفضلة، حيث أكد التقرير أن الدولة كانت خامس أكبر متلقٍ لاستثمارات الصناديق السيادية في عام 2025، بجذب تدفقات بلغت 9.9 مليارات دولار، مسجلة نمواً ملحوظاً مقارنة بـ 7.9 مليارات دولار في عام 2024، مما يعكس الثقة العالمية المتزايدة في البيئة الاقتصادية الإماراتية.
في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" قال الخبير الاقتصادي حسين القمزي: "النموذج الاستثماري الإماراتي انتقل من نموذج إدارة الفوائض إلى صناعة الفرص. وهو ما يعكس تحوّلاً هيكلياً عميقاً في دور الإمارات داخل النظام المالي الدولي، وليس مجرد طفرة ظرفية مرتبطة بتقلبات الأسواق وهذا ما يجعلها تتصدّر الكيانات الاستثمارية كأحد الصناديق الأكثر نشاطًا عالمياً.
وتحدث القمزي عن بعض الأسباب التي جعلت دولة الإمارات تتصدر الكيانات الاستثمارية كأحد الصناديق الأكثر نشاطًا عالمياً، وفق مايلي:
- تتميز الصناديق الإماراتية بوضوح استراتيجي نادر في الأسواق العالمية: مزيج بين الاستثمار طويل الأجل واقتناص الفرص. ففي ظل ارتفاع أسعار الفائدة عالمياً، وتراجع التقييمات في قطاعات التكنولوجيا والعقار التجاري والبنية التحتية، تحرّكت هذه الكيانات بسرعة لاقتناص أصول ذات جودة عالية بأسعار أكثر جاذبية، بينما فضّلت العديد من الصناديق العالمية التريّث.
- النشاط المرتفع للصناديق الإماراتية يعكس قدرة تنفيذ مؤسسية عالية. فهذه الكيانات لا تكتفي بضخ رأس المال، بل تمتلك فرقاً داخلية متخصصة في إدارة المخاطر، وهيكلة الصفقات المعقّدة، والدخول في شراكات استراتيجية طويلة الأمد، ما يجعلها شريكاً مفضّلاً للحكومات والشركات الكبرى حول العالم، لا سيما في أوروبا وآسيا والأسواق الناشئة.
- البيئة الاستثمارية داخل دولة الإمارات نفسها أصبحت عنصر جذب رئيسي. فالاستقرار السياسي، والمرونة التنظيمية، والتشريعات المتقدمة في المناطق المالية، إضافة إلى البنية التحتية القانونية والرقمية، حوّلت الدولة إلى منصة تشغيل عالمية للصناديق وليس مجرد مقر إداري. وهذا ما يفسر انتقال بعض الصناديق السيادية العالمية ومديري الأصول الدوليين إلى إدارة جزء متزايد من محافظهم من أبوظبي ودبي.
رؤية اقتصادية واضحة
ورداً على سؤال، هل أصبحت الإمارات الوجهة الأفضل لاستثمارات الصناديق السيادية العالمية؟ قال الخبير الاقتصادي القمزي: "الإجابة الأقرب للدقة هي: الإمارات باتت من بين الوجهات الأكثر تنافسية عالمياً، وربما الأكثر تكاملاً. فهي تجمع بين رأس المال، والحوكمة، وسهولة الوصول إلى أسواق آسيا وإفريقيا، إضافة إلى رؤية اقتصادية واضحة قائمة على التنويع، والاقتصاد الجديد، والطاقة النظيفة، والتكنولوجيا المتقدمة".
وأضاف: "بكلمات أخرى، لم تعد الإمارات مجرد مستثمر عالمي نشط، بل أصبحت مركز ثقل في إعادة توجيه تدفقات رأس المال السيادي عالمياً — وهو تحوّل مرشح للتعزز أكثر في السنوات المقبلة مع استمرار إعادة رسم خريطة المخاطر والفرص في الاقتصاد العالمي".
بدوره، قال الخبير الاقتصادي علي حمودي في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية": "أصبحت صناديق الثروة السيادية الإماراتية من أبرز المستثمرين العالميين بفضل تنويعها الاقتصادي الاستراتيجي طويل الأجل بعيداً عن النفط، حيث تدير عائدات النفط الضخمة في محافظ استثمارية عالمية متنوعة في مجالات التكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية، وتستفيد من السياسات المالية الاستباقية لدولة الإمارات العربية المتحدة، مما جعلها لاعباً رئيسياً في تشكيل الأسواق العالمية المستقبلية".
عوامل بروز صناديق الثروة السيادية الإماراتية
وذكر حمودي أبرز العوامل وراء جعل صناديق الثروة السيادية الإماراتية من أبرز المستثمرين العالميين كما يلي:
- استراتيجية التنويع الاقتصادي: تستخدم دولة الإمارات صناديقها السيادية (مثل جهاز أبوظبي للاستثمار، ومبادلة، وADQ) للانتقال إلى اقتصاد ما بعد النفط، وتستثمر بكثافة في قطاعات غير نفطية مثل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعات المستدامة.
- رؤوس أموال ضخمة: توفر عائدات النفط والغاز رؤوس أموال هائلة، مما يسمح لهذه الصناديق بإجراء استثمارات عالمية كبيرة والتأثير في الأسواق.
- التخطيط الاستباقي طويل الأجل: تُنفذ هذه الصناديق صفقات استراتيجية طويلة الأجل، مما يضمن لها الموارد، ويبني نفوذاً عالمياً، ويعزز شراكاتها الدولية.
- نشاط مكثف وحجم صفقات كبير: تُعدّ صناديق الثروة السيادية الإماراتية، ولا سيما صندوق أبوظبي، من بين أكثر المستثمرين نشاطاً في العالم، حيث أبرمت مئات الصفقات في السنوات الأخيرة عبر قطاعات متنوعة.
- دبلوماسية الاستثمار: تُعزز الاستثمارات الخارجية العلاقات الدولية، وتُنمّي القوة الناعمة، وتُسهم في تحقيق أهداف السياسة الوطنية.
- التركيز الاستراتيجي على القطاعات: تتجه الاستثمارات نحو مجالات مستقبلية مثل الطاقة النظيفة، والتكنولوجيا الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والبنية التحتية، مما يضمن أهميتها.
وقال حمودي: "تصنف دولة الإمارات ضمن أفضل الدول في مجال أصول الثروة السيادية، حيث تُدير كيانات مثل جهاز أبوظبي للاستثمار، ومبادلة، وADQ محافظ استثمارية ضخمة. في السنوات الأخيرة، قادت هذه الكيانات نشاط صناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط، مُستحوذةً على حصة كبيرة من المعاملات العالمية، وجاذبةً كبرى الشركات المالية العالمية إلى المنطقة.
وأضاف: "كما أن دولة الإمارات نفسها تُصبح بسرعة مركزاً مفضلاً لرؤوس الأموال العالمية، جاذبةً ليس فقط صناديقها السيادية الضخمة، بل أيضاً رؤوس الأموال المؤسسية العالمية، والمكاتب العائلية، والشركات المالية، وذلك بفضل موقعها الاستراتيجي، ولوائحها المُيسّرة للأعمال (مثل الملكية الأجنبية الكاملة)، ومزاياها الضريبية، وقطاعاتها التقنية والتنويعية المزدهرة. وبينما لا تزال الولايات المتحدة والصين تتصدران قائمة الدول من حيث إجمالي الأصول، تحتل الإمارات (وخاصةً أبوظبي) مرتبةً متقدمةً عالمياً، حيث تعمل صناديقها كمستثمرين عالميين رئيسيين، وتبرز دبي كمركز مالي هام يُنافس لندن ونيويورك".
الأسباب الرئيسية لجاذبية الإمارات
كما تحدث الخبير الاقتصادي حمودي عن عدد من الأسباب الرئيسية لجاذبية دولة الإمارات كما يلي:
- مركز مالي استراتيجي: تتطور دبي لتصبح مركزاً مالياً هاماً، جاذبةً صناديق التحوّط، وشركات التداول، ومديري الثروات من المراكز التقليدية.
- بيئة أعمال مُشجعة: تُتيح الملكية الأجنبية الكاملة في العديد من القطاعات، وإعفاءً تامًا من ضريبة الشركات (في المناطق الحرة)، وإمكانية تحويل الأرباح بالكامل إلى الخارج.
- التنويع الاقتصادي: الاستثمار بكثافة في قطاعات مستقبلية مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والتكنولوجيا والصناعات المستدامة، مما يخلق فرص نمو عالية.
- الابتكار التنظيمي: تحديثات مستمرة لجذب الاستثمارات الدولية، كما يتضح من مبادرات جهات مثل مركز دبي المالي العالمي.











