وول ستريت تشكك في "وصفة" بيسنت لإنقاذ السندات
12:46 - 21 أغسطس 2026أرسلت الأسواق المالية في وول ستريت رسالة واضحة مفادها أن مقترح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لإعادة شراء السندات الحكومية لن يكون كافياً لمعالجة المشكلة المتفاقمة التي تواجه الحكومة الفيدرالية فيما يتعلق بارتفاع تكاليف الاقتراض.
وذكرت وكالة بلومبرغ نيوز أن الزخم الإيجابي الذي شهدته سوق السندات قد تلاشى، بينما تراجعت الأسهم وسط رهانات من المستثمرين على أن خطة وزارة الخزانة للحد من الأعباء المالية الضخمة لا تمثل سوى حل مؤقت قصير الأجل.
وارتفعت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً، رغم تأكيد بيسنت إمكانية تنفيذ برنامج أكبر لإعادة شراء السندات ضمن الخطة المالية المقبلة. ويأتي هذا التطور بعد سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها وزارة الخزانة، والتي عكست تزايد القلق الرسمي من استمرار ارتفاع العوائد طويلة الأجل.
ولم تعد تداعيات ارتفاع تكاليف التمويل الحكومي مقتصرة على أسواق الدين، بل بدأت تمتد إلى الاقتصاد الأميركي الأوسع، مع انعكاسها على معدلات الاقتراض والتمويل في مختلف القطاعات.
ويشير مراقبون إلى أن فاتورة الدين الحكومي الأميركي، الذي تجاوز 40 تريليون دولار، بدأت تفرض ضغوطاً متزايدة على صناع القرار والأسواق المالية على حد سواء.
وقالت هارديكا سينغ من شركة "فاندسترات غلوبال أدفايزرز" لوكالة بلومبرغ نيوز: "أعتقد أن ما يُعرف بـ(شبكة الأمان التي يوفرها بيسنت) لن ينجح في إبقاء العوائد بعيدة عن أعلى مستوياتها المسجلة منذ عقود على المدى الطويل".
وأضافت: "خفض العوائد بصورة مستدامة سيتطلب المهمة الأصعب، وهي تقليص حجم الدين العام الأميركي".
تشخيص الأزمة: مسكّن مؤقت وإرباك للسوق
وفي تعليق خاص لسكاي نيوز عربية حول هذه التطورات، أكد وائل مكارم، كبير استراتيجيي الأسواق في شركة Exness، أن خطة وزارة الخزانة الأميركية تعكس بشكل واضح قلقاً رسمياً بالغاً من القفزات المتتالية لعوائد السندات.
ومع ذلك، وصف مكارم هذه الخطوة بأنها "مجرد مسكن مؤقت لا يحل أساس المشكلة"، بل ذهب إلى أبعد من ذلك معتبراً أن تدخل الخزانة في سوق السندات خلق حالة من الارتباك والتشويش الإضافي في السوق.
وأشار مكارم إلى أن الأزمة الحقيقية للاقتصاد الأميركي أعمق بكثير من أن تُحل عبر أدوات شراء الديون، موضحاً أن معالجة الأزمة تتطلب إعادة هيكلة مالية شاملة وجذرية، تبدأ بالدرجة الأولى من خلال:
- كبح جماح الإنفاق الحكومي المتزايد.
- العمل الجاد على خفض العجز المالي للموازنة.
- محاربة الضغوط التضخمية الهيكلية في الاقتصاد.
تحذيرات الخبراء: هندسة مالية وحسابات سياسية
ولم تتأخر الأسواق في تأكيد هذه الرؤية بعد أن تخلت السندات الحكومية طويلة الأجل عن جميع مكاسبها سريعاً، وهو ما يتوافق مع قراءة كبار الاقتصاديين المشككة في نجاعة الخطة:
- محمد العريان (كبير المستشارين الاقتصاديين في Allianz): أشار إلى أن حجم عمليات إعادة الشراء يظل صغيراً نسبياً ومحدود الأثر مقارنة بالكتلة الضخمة لإصدارات الديون الحكومية الأميركية، ووصف العملية بأنها أشبه بـ محاولة للتحكم في منحنى العائد للسيطرة على تكاليف الاقتراض المتصاعدة. وأكد العريان أن هذه الخطوة هي نوع من "الهندسة المالية" (Financial Engineering) مجرد "مسكن مؤقت" (Band-Aid) يشتري بعض الوقت للسيطرة على تكاليف الاقتراض والرهن العقاري، لكنها لا تعالج جذور المشكلة المتمثلة في الديون المتراكمة والعجز المالي الضخم. ووصف الآلية بأنها محاولة غير مباشرة لتطبيق سياسة "التحكم في منحنى العائد" (Yield Curve Control)، مشيراً إلى أن حجم المشتريات يظل متواضعاً جداً مقارنة بحجم المعروض الجديد من السندات في السوق.
- جو بروسويلاس (كبير الاقتصاديين في RSM): اعتبر التدخل مدفوعاً بـ حسابات سياسية مرتبطة بالانتخابات النصفية المقبلة، حيث لا ترغب الإدارة الحالية في التوجه لصناديق الاقتراع مع عوائد سندات وتكاليف اقتراض قياسية. وحذر بروسويلاس من أن هذه الخطوة قد تعرقل جهود مجلس الاحتياطي الفيدرالي الرامية لإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2%.
- بيتر بوكفار (كبير مسؤولي الاستثمار في One Point BFG): صرح بوضوح بأن ما تقوم به الخزانة "ليس سداداً للديون، بل هو مجرد إعادة ترتيب لجدول استحقاق السندات" لتأجيل عبء الفوائد المرتفعة.
دوامة خدمة الدين والخيارات الصعبة
يضع كسر حاجز الـ 40 تريليون دولار للدين السيادي الأميركي المالية الفيدرالية في حلقة مفرغة؛ حيث تلتهم مدفوعات الفائدة المتصاعدة جزءاً كبيراً من الموازنة (بما يتجاوز ميزانية الدفاع الوطني)، وهو ما يفرض مزيداً من الاقتراض لسداد فوائد الديون السابقة. وفي ظل سعي الاحتياطي الفيدرالي لتقليص ميزانيته العمومية، يبدو أن الأسواق المالية تتجه نحو مرحلة من عدم اليقين والتقلبات الحادة، حيث لم تعد الحلول المؤقتة للخزانة كافية لإخفاء الاختلالات الهيكلية العميقة في أكبر اقتصاد في العالم.




