النفط تحت تأثير ترامب: الأسواق لا تصدّق.. لكنها لا تتجاهل
12:56 - 01 يونيو 2026
في كل مرة يتحدث فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إيران، تتحرك أسواق النفط بشكل لافت. ليس لأن الأسواق تصدّق كل تصريحاته، بل لأن المتداولين لا يستطيعون تحمّل كلفة تجاهلها.
هذا ما خلص إليه تحليل لـ"بلومبرغ إيكونوميكس"، استند إلى دراسة أكثر من 9,900 عنوان إخباري عاجل متعلق بالصراع حول إيران، ليكشف نمطًا واضحًا في سلوك الأسواق: التفاعل مع التصريحات أصبح ضرورة، لا خيارًا.
تراجع في الحدة.. لا في التأثير
في 18 مايو، أعلن ترامب تأجيل ضربة عسكرية ضد إيران لم يكن قد كشف عنها مسبقًا. خلال ساعة واحدة، تراجع خام غرب تكساس بنسبة 2.4 بالمئة، بينما هبط خام برنت بنسبة 2.9 بالمئة.
ورغم أن هذه التراجعات بدت أقل حدة مقارنة بذروة التوتر العسكري، فإن القراءة السطحية قد توحي بأن الأسواق بدأت تفقد حساسيتها تجاه تصريحات البيت الأبيض. لكن التحليل الأعمق يظهر أن جوهر التفاعل لم يتغير.
فالسبب لا يعود إلى ضعف تأثير التصريحات، بل إلى هدوء السوق بشكل عام، بعد الانتقال من التصعيد العسكري إلى مسار المفاوضات. وفي بيئة أقل تقلبًا، تصبح التحركات السعرية بطبيعتها أقل حدة، حتى لو كانت المحفزات قوية.
معادلة المخاطرة تحكم السوق
يعتمد سلوك المتداولين على حساب بسيط لكنه حاسم:
- تجاهل تصريح قد يتحول إلى حدث فعلي (ضربة عسكرية أو اتفاق) قد يؤدي إلى خسائر تتراوح بين 10 بالمئة و15 بالمئة في صفقة واحدة.
- في المقابل، التفاعل مع تصريح عابر يتبين لاحقًا أنه غير مؤثر، يترتب عليه خسائر محدودة يمكن تعويضها.
هذه المعادلة تجعل من تجاهل تصريحات ترامب خيارًا عالي المخاطر، وهو ما يفسر سرعة استجابة الأسواق لكل كلمة تصدر عنه، حتى مع تكرار التراجع أو التعديل في المواقف.
سوق أكثر هدوءًا.. لكنه أكثر حذرًا
إذا هذا هو ما حسمته الأسواق فعلاً.. الصراع محصور، ومضيق هرمز هو ورقة الضغط الرئيسية، دون الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة.
لكن ما يبقى معلقاً هو السؤال التكتيكي اليومي، هل تصمد الهدنة؟ هل ينسحب أحد الطرفين من الاتفاق؟ هذا الغموض هو ما يُبقي كل تصريح جديداً قادراً على تحريك السوق، بصرف النظر عن عدد مرات التراجع عنه سابقاً.
سيناريو التصعيد.. تضاعف التأثير
تحذر "بلومبرغ إيكونوميكس" من أن عودة المواجهة العسكرية المباشرة ستغيّر المعادلة بالكامل، إذ من المتوقع أن تتضاعف حدة التفاعل السعري تقريبًا مع كل تصريح بارز.
وبالتالي، فإن هدوء الأسواق الحالي لا يعكس حالة من الاطمئنان بقدر ما يعبر عن ترقب حذر، بانتظار ما قد يحمله أي تحول مفاجئ في مسار الصراع.
تصريحات ترامب: "المؤشر الجديد" لأسعار النفط عالمياً
من جانبه، أكد هاري استبنيان، الشريك المؤسس لـ IC3 والمستشار في قطاع الطاقة والمياه، أن أسواق النفط العالمية تشهد دخول "مؤشر جديد" لم تكن تعتاده في الظروف الاعتيادية، حيث باتت التصريحات السياسية الصادرة من واشنطن وطهران هي المحرك الأساسي للتقلبات الحالية، متجاوزة العوامل التقليدية مثل قرارات "أوبك بلس" أو مستويات المخزون الاستراتيجي.
المؤشر الجديد وحالة عدم الاستقرار
وأوضح استبنيان في حديثه لـ سكاي نيوز عربية، أن الظروف الاعتيادية لتقلبات أسعار النفط كانت تتمثل في قرارات "أوبك بلس" أو انخفاض المخزونات الاستراتيجية للشركات، لكن مع الأزمة الحالية في مضيق هرمز، نلاحظ دخول مؤشر جديد وهو "التصريحات السياسية، إن كانت من جانب الولايات المتحدة أو من جانب إيران".
وأشار إلى أن أي تصريح يخرج من طهران أو واشنطن بخصوص ضربات محتملة أو فشل مفاوضات يؤدي إلى توتر عام، مما يجعل السوق النفطي في حالة "عدم استقرار، متوقعاً استمرار هذا الظرف لفترة من الزمن.
سيناريوهات المواجهة
يرى استبنيان أن الأسواق استبعدت سيناريو "الحرب الشاملة" لكونها "مكلفة جداً لكلا الطرفين"، سواء في ضرب البنى التحتية أو المنشآت النفطية والنووية. وبدلاً من ذلك، يبقى السيناريو الأكثر احتمالاً هو "الضربات المحدودة" التي ستؤثر على شكل "صدمات" لأسعار النفط العالمية.
كما حذر من أن فشل المفاوضات الجارية حالياً ليس في صالح السوق، لأن انهيار مسار التفاوض يزيد من احتمالية وقوع تلك الضربات المحددة، مما يبقي السوق في حالة "تخوف شديد".
علاوة المخاطر وتوقعات الأسعار
وفيما يخص تسعير المخاطر، كشف استبنيان لـ سكاي نيوز عربية أن علاوة المخاطر المرتبطة بالملف الإيراني تساهم حالياً بما يتراوح بين 10 إلى 20 دولاراً للبرميل الواحد.
وحذر من أن هذه العلاوة "ممكن أن تزداد مع زيادة الأزمة الحالية لتصل إلى 30 أو 40 دولاراً"، متوقعاً أن يتراوح سعر البرميل في الفترة القصيرة المقبلة ما بين 90 و100 دولار اعتماداً على حجم المخاطر في السوق.
مستقبل الأسعار
ووضع استبنيان مسارين لمستقبل الأسعار بناءً على التطورات الجيوسياسية:
- سيناريو التصعيد: في حال العودة للمواجهة المباشرة عبر ضربات محدودة، وما قد يرافقها من إجراءات إيرانية مثل "غلق المضيق أو وضع ألغام" لعرقلة تصدير نفط دول الخليج، فمن المتوقع أن يرتفع السعر إلى ما فوق 100 دولار.
- سيناريو التهدئة: في حال استمرار المفاوضات والوصول إلى نتائج إيجابية، سيشهد السوق "نوعاً من الهدوء النسبي"، وقد تنخفض الأسعار حينها إلى دون مستوى 80 دولاراً للبرميل
الخلاصة
أسواق النفط لا تتعامل مع تصريحات ترامب على أساس المصداقية المطلقة، بل وفق حسابات المخاطر. وفي عالم تتداخل فيه السياسة مع الأسعار، تصبح الكلمة نفسها حدثًا.. حتى قبل أن تتحول إلى فعل.








