كيف يعيد رمضان تشكيل خريطة الاستهلاك في العالم العربي؟
11:42 - 18 فبراير 2026يُعد رمضان أكثر من مناسبة دينية؛ فهو موسم اقتصادي يغيّر أنماط الاستهلاك في العالم العربي بشكل واضح؛ فخلال هذا الشهر، تشهد الأسواق ارتفاعاً ملحوظاً في الطلب على المواد الغذائية الأساسية، الحلويات، والمشروبات الرمضانية.
وعادة ما تعدل الشركات المحلية وحتى العالمية استراتيجياتها لتلبية هذه القفزة في الاستهلاك، ما يجعل رمضان موسماً ذهبياً للأعمال في قطاعات متعددة.
تتجاوز آثار رمضان حدود الطعام والشراب لتطال قطاع التكنولوجيا والترفيه.. المنصات الرقمية، تطبيقات التوصيل، والمتاجر الإلكترونية تشهد زيادة كبيرة في الطلب.
يعكس هذا التغيير في السلوك الاستهلاكي كيف يمكن لتلك العادات الاجتماعية أن تعيد توجيه القوة الشرائية للمستهلكين، وتخلق فرصاً تسويقية مبتكرة للعلامات التجارية.
كما يظهر رمضان تأثيره على قطاع الخدمات والسياحة الداخلية في المنطقة، حيث تتجه العائلات نحو المطاعم والفنادق التي تقدم عروضاً خاصة، فضلاً عن ارتفاع حجم الإنفاق على الهدايا ذات الصلة بالمناسبة.
تؤكد هذه التحولات أن شهر الصوم هو محرك اقتصادي يستفيد منه كل من المستهلكين والشركات على حد سواء، مع تعزيز دور الثقافة والتقاليد في إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي العربي موسمياً.
موسم استثنائي
في هذا السياق، يقول خبير أسواق المال، محمد سعيد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- شهر رمضان يشكل موسماً اقتصادياً استثنائياً يعيد رسم خريطة الإنفاق والاستهلاك في المنطقة العربية كل عام.
- الشهر الذي يُفترض فيه ترشيد السلوك الغذائي نهاراً يتحول عملياً إلى أكبر دورة استهلاكية موسمية خلال العام.
- الاستعدادات تبدأ قبل حلول الشهر بأسابيع، حيث تتجه الأسر إلى تخزين السلع الأساسية والمواد الغذائية تحسباً لارتفاع الطلب.
- بيانات الأسواق في عدة دول عربية تظهر ارتفاع إنفاق الأسر على الغذاء والمشروبات بنسبة تتراوح بين 25 و50 بالمئة مقارنة بالأشهر العادية.
- هذا الإنفاق يتركز على سلع بعينها ذات طابع رمضاني مثل التمور والياميش واللحوم ومنتجات الألبان والمشروبات التقليدية، وهو ما يخلق ضغطًا استثنائيًا على سلاسل الإمداد وشبكات التوزيع.
ويؤكد سعيد أن هذه الطفرة الاستهلاكية، رغم تحريكها لعجلة التجارة، يصاحبها جانب سلبي يتمثل في ارتفاع معدلات هدر الطعام، ما يشكل عبئاً مالياً على الأسر واستنزافاً للموارد، لافتاً إلى أن جزءاً معتبراً من المشتريات ينتهي به المطاف خارج دائرة الاستهلاك الفعلي.
سوق الإعلانات
في سياق آخر، يشهد قطاع الإعلان في شهر رمضان ذروة موسمية تُعيد تشكيل خريطة الإنفاق التسويقي في المنطقة، حيث تتضاعف معدلات المشاهدة التلفزيونية، ويرتفع استهلاك المحتوى الرقمي، وتتسابق العلامات التجارية على حجز المساحات الأكثر تأثيراً.
تمثل هذه الفترة فرصة استراتيجية للشركات لتعزيز الوعي بالعلامة التجارية وزيادة المبيعات، مستفيدة من كثافة المتابعة للدراما والبرامج الترفيهية، إلى جانب تنامي الإعلانات عبر المنصات الرقمية والتجارة الإلكترونية.
لكن في المقابل، يواجه القطاع تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج والبث، وتشبع السوق بالرسائل الإعلانية، ما يفرض على الوكالات والمعلنين تبني محتوى أكثر ابتكاراً وقدرة على خلق ارتباط عاطفي مستدام مع الجمهور، بدلاً من الاكتفاء بالظهور الموسمي المكثف.
في هذا السياق، يشير سعيد إلى أن:
- رمضان يمثل الذروة السنوية لسوق الإعلانات في العالم العربي، حيث تضخ الشركات نسبة كبيرة من ميزانياتها التسويقية خلال هذا الشهر، مستفيدة من أعلى معدلات مشاهدة تلفزيونية في العام، خاصة في أوقات الإفطار والدراما المسائية.
- المنافسة لم تعد مقتصرة على القنوات التقليدية، بل امتدت بقوة إلى المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تستهدف فئات الشباب عبر حملات تفاعلية تعزز نمو التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل، خصوصًا خلال ساعات الليل.
الإنتاجية في رمضان
في سياق آخر ذا صلة، وعلى صعيد الإنتاجية، يوضح سعيد أن تقليص ساعات العمل الرسمية في العديد من الدول العربية، إلى جانب الإرهاق المصاحب للصيام، يؤدي إلى تراجع نسبي في الإنتاجية النهارية في بعض القطاعات، خاصة تلك التي تتطلب مجهوداً بدنياً أو ذهنياً مكثفاً.
لكنه يشير في المقابل إلى بروز ما يمكن تسميته بـ "اقتصاد الليل"، حيث تنشط قطاعات التجزئة والمطاعم والترفيه بشكل ملحوظ حتى ساعات الفجر، بما يعوض جزئياً حالة الهدوء الصباحي.
ويختم محمد سعيد حديثه بالتأكيد على أن:
- هذه التحولات الموسمية تفرض ضغوطاً تضخمية مؤقتة نتيجة صدمة الطلب وارتفاع تكاليف الإمداد، ما ينعكس في زيادة أسعار بعض السلع الغذائية الأساسية خلال الشهر، خاصة في الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد.
- لكن هذه الضغوط غالباً ما تكون قصيرة الأجل، وتتراجع تدريجيًا مع انتهاء الموسم وعودة أنماط الاستهلاك إلى مستوياتها الطبيعية.
معدلات التضخم
ويشهد شهر رمضان تأثيراً ملحوظاً على معدلات التضخم؛ إذ تميل أسعار السلع الأساسية والخدمات الاستهلاكية إلى الارتفاع نتيجة زيادة الطلب الموسمي على الأغذية والمشروبات والمنتجات الاستهلاكية اليومية.
يؤدي هذا الضغط المؤقت لجهة الطلب إلى تحريك المؤشرات السعرية، خاصة في الأسواق التي تشهد تقلبات في سلاسل التوريد أو محدودية المعروض، ما ينعكس على القوة الشرائية للمستهلكين. بينما في المقابل، يمكن أن تلعب السياسات الحكومية مثل الرقابة على الأسعار ودعم المواد الغذائية دوراً في التخفيف من حدة هذا التضخم الموسمي، ما يجعل رمضان اختباراً دقيقاً لكفاءة الأسواق والقدرة على استقرار الأسعار خلال ذروة الاستهلاك السنوية.
في هذا السياق، تؤكد خبيرة أسواق المال، حنان رمسيس، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، أن:
- شهر رمضان المبارك يشهد عادةً ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات التضخم نتيجة زيادة معدلات الاستهلاك.
- طبيعة الشهر الكريم ترتبط بزيادة الإنفاق على موائد الطعام وتنوع السلع الغذائية، إلى جانب تكثيف الزيارات العائلية وتعزيز الروابط الاجتماعية وصلة الرحم، وهو ما يرفع حجم الطلب بصورة كبيرة.
- زيادة الطلب تدفع بعض التجار إلى رفع الأسعار مستغلين الزخم الشرائي.
- حدة الارتفاع تختلف من دولة إلى أخرى، حيث تقل معدلات زيادة الأسعار في عدد من الدول العربية ودول الخليج بفضل الرقابة الصارمة على الأسواق، إضافة إلى قيام سلاسل السوبرماركت الكبرى بطرح عروض وتخفيضات لجذب المستهلكين وتوفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة.
وتشير إلى أن الوضع في بعض الدول، مثل مصر، يختلف نسبياً، إذ ترتفع معدلات التضخم بشكل أكبر نتيجة ضعف الرقابة في بعض القطاعات وزيادة حجم الطلب، خاصة مع ارتفاع عدد المستهلكين، ما يخلق ضغوطًا إضافية على الأسواق.
وتشدد على أن حرص الأسر المصرية على إحياء مظاهر الشهر الكريم يدفعها أحياناً إلى تحمل أعباء مالية تفوق قدرتها، بل قد يصل الأمر إلى الاقتراض لتغطية النفقات.
وتوضح أن الدولة تعلن شهرياً عن تراجع معدلات التضخم استنادًا إلى سلة السلع الأساسية، وهو ما يبرر قرارات خفض أسعار الفائدة. إلا أن المواطن، بحسب تعبيرها، يشعر بارتفاع فعلي في الأسعار، ما يخلق فجوة بين المؤشرات الرسمية والواقع المعيشي.
وتشدد على أن غياب التوازن بين فئات المجتمع في بعض البلدان يزيد الضغوط على الأسر، التي قد تضطر للاستغناء عن بعض السلع لتلبية احتياجاتها الأساسية خلال الشهر الفضيل، مؤكدة أن معدلات التضخم تظل مرتبطة بمدى الرقابة على الأسواق، وتوافر السلع، وحجم العروض الترويجية المسبقة التي تطرحها المتاجر الكبرى لدعم حركة البيع وتنشيط السوق.








