كيف يؤثر الخلاف الدبلوماسي مع الصين على الاقتصاد الياباني؟
13:09 - 19 فبراير 2026تتصاعد حدة التوترات الدبلوماسية بين طوكيو وبكين، لتتحول من خلاف سياسي حول أمن تايوان إلى اختبار اقتصادي حقيقي لاقتصاد طوكيو؛ فالعلاقات المتشابكة بين اليابان والصين تمتد عميقاً إلى قلب النشاط التجاري وسلاسل الإمداد وحركة السياحة والاستثمار.
تكشف المؤشرات الأولية أن التداعيات لم تتأخر في الظهور، إذ بدأ قطاع السياحة الياباني يفقد أحد أهم روافده مع تراجع أعداد الزوار الصينيين، فيما تراقب الأسواق عن كثب انعكاسات التوتر على التجارة الثنائية والصادرات الصناعية. ويضع هذا المشهد الاقتصاد الياباني أمام معادلة دقيقة بين الحسابات السياسية والضرورات الاقتصادية.
وبحسب تقرير لـ "نيويورك تايمز"، فإن:
- الخلاف الدبلوماسي بين اليابان والصين بشأن أمن تايوان يؤثر سلباً على الاقتصاد الياباني، الذي يعتمد بشكل كبير على السياح الصينيين.
- حثّت الصين مواطنيها على الامتناع عن السفر إلى اليابان رداً على تصريح أدلت به رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، في نوفمبر، والذي أثار غضب بكين. فقد ألمحت تاكايتشي إلى أن اليابان ستدافع عن تايوان ، التي تعتبرها الصين جزءاً من أراضيها، في حال غزوها.
- تراجع عدد السياح الصينيين، الذين يمثلون أكبر مصدر للسياحة الوافدة وإنفاق السياح في اليابان، بشكل حاد. فقد انخفض عدد الوافدين بنسبة 45 بالمئة في ديسمبر مقارنة بالعام السابق.
- كشفت بيانات صادرة عن الحكومة اليابانية يوم الاثنين عن انخفاض إنفاق السياح الوافدين بنسبة 2.8 بالمئة ليصل إلى 45.6 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي.
- يمثل هذا أول انخفاض سنوي منذ أكثر من أربع سنوات. وأظهر التقرير أن الاقتصاد الياباني نما بنسبة 0.2 بالمئة خلال الربع الأخير.
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن الصين شكلت في السنوات الأخيرة نحو ربع إجمالي الزوار الأجانب لليابان.
وأفادت منظمة السياحة الوطنية اليابانية مؤخراً بأن السياح الصينيين أنفقوا ما يزيد بنحو الربع عن غيرهم من الزوار في العام الماضي.
في اليابان، يُعدّ السياح الصينيون من كبار المنفقين في أماكن مثل المتاجر الكبرى، حيث يشترون الملابس ومستحضرات التجميل المعفاة من الضرائب. وقد توقعت ستة من هذه المتاجر مؤخراً انخفاضاً في أرباحها التشغيلية بنسبة تتجاوز 10 بالمئة على أساس سنوي خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في فبراير.
تأتي هذه التعقيدات مع الصين في وقت تسعى فيه تاكايتشي جاهدةً لدعم الاقتصاد الياباني. وقد اقترحت رئيسة الوزراء، التي حقق حزبها فوزاً ساحقاً في الانتخابات التي جرت الأسبوع الماضي، القيام باستثمارات ضخمة بقيادة الدولة في قطاعات حيوية مثل أشباه الموصلات، فضلاً عن تعليق بعض ضرائب الاستهلاك لمساعدة الأسر اليابانية التي تعاني من التضخم.
الخلافات الدبلوماسية
من جانبه، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في Cedra Markets جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الخلافات الدبلوماسية المتصاعدة بين الصين واليابان بشأن تايوان بدأت تنعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الياباني.
- التوترات السياسية لم تعد محصورة في الإطار الدبلوماسي، بل امتدت لتطال قطاعات حيوية.
- الصين أصدرت تعليمات غير مباشرة حدّت من سفر السياح الصينيين إلى اليابان، وهو ما انعكس على نحو ملحوظ، لا سيما أن السياح الصينيين يمثلون شريحة مؤثرة في قطاع السياحة الياباني.
- هذا التراجع قد يقتطع ما بين 0.2 و0.3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لليابان، في ظل اعتماد بعض القطاعات على التدفقات السياحية والاستهلاك المرتبط بها.
ويوضح يرق أن التأثير لا يقتصر على السياحة فقط، إنما يمتد أيضاً إلى الصادرات والسوق الاستهلاكية؛ إذ تعتمد اليابان بشكل كبير على تصدير السلع الاستهلاكية والتكنولوجية إلى السوق الصينية، ما يجعل أي توتر سياسي ينعكس سريعًا على حركة التجارة الثنائية.
ويؤكد أن الحكومة اليابانية برئاسة ساناي تاكايشي تسعى إلى إطلاق حزم تحفيزية لدعم الاقتصاد، خاصة بعد تسجيل الاقتصاد أداءً ضعيفًا خلال الربعين الأخيرين. ويلفت إلى أن اليابان تمتلك استثمارات كبيرة في قطاعات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، في وقت تُعد فيه الصين لاعبًا رئيسيًا في سوق المعادن النادرة، التي تمثل عنصرًا أساسيًا في الصناعات التكنولوجية.
ويشار إلى أن أي قيود أو تغييرات قد تفرضها الصين على صادرات المعادن النادرة ستؤثر بشكل مباشر على الصناعات اليابانية وسلاسل الإمداد، بحكم القرب الجغرافي والتشابك الصناعي بين البلدين، ما قد يضغط على وتيرة النمو الاقتصادي الياباني خلال المرحلة المقبلة.
وفي السياق ذاته، يتابع يرق:
- تصاعد التوترات دفع اليابان إلى مراجعة سياساتها الدفاعية وزيادة الإنفاق العسكري لمواجهة التحديات الإقليمية.
- نتائج الانتخابات الأخيرة وما حملته من دعم شعبي للحكومة تعكس تفويضًا واضحًا للتعامل بحزم مع المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة.
- المرحلة المقبلة ستظل رهينة تطورات المشهد السياسي بين بكين وطوكيو، لما لذلك من تداعيات مباشرة على التجارة، وسلاسل التوريد، وآفاق النمو في ثالث أكبر اقتصاد عالمي.
على الجانب الآخر، أعلنت الولايات المتحدة يوم الثلاثاء عن مشاريع بقيمة 36 مليار دولار، وفقًا لتقرير رويترز، بما في ذلك منشأة لتصدير النفط في تكساس، ومصنع للألماس الصناعي في جورجيا، ومحطة لتوليد الطاقة بالغاز الطبيعي في أوهايو، والتي ستمولها اليابان كجزء من تعهدها بالاستثمار في الولايات المتحدة بقيمة 550 مليار دولار.
وقال ترامب عبر تروث سوشيال في وقت سابق هذا الأسبوع: لقد تم إطلاق اتفاقيتنا التجارية الضخمة مع اليابان للتو.. اليابان الآن رسمياً، ومالياً، تمضي قدماً في أول مجموعة من الاستثمارات في إطار التزامها البالغ 550 مليار دولار للاستثمار في الولايات المتحدة الأميركية.
في الأسبوع الماضي، نقلت هيئة الإذاعة والتلفزيون اليابانية (NHK) عن وزير الاقتصاد الياباني ريوسي أكازاوا قوله إنه يأمل في الانتهاء من المشاريع الأولية قبل اجتماع تاكايتشي وترامب.
تباين
من جانبه، يؤكد المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" أن:
- اليابان لا تزال تواصل تصدير منتجاتها إلى الصين، إلا أن النزاع القائم بدأ يُلقي بظلاله الواضحة على سلاسل التوريد في المنطقة.
- بيانات يناير أظهرت ارتفاع الصادرات اليابانية بنسبة 16.8 بالمئة على أساس سنوي، مع قفزة ملحوظة في الصادرات إلى الصين بلغت 32 بالمئة، في حين تراجعت الصادرات إلى الولايات المتحدة بنسبة 0.5 بالمئة.
- يعكس هذا التباين اعتماد النمو الياباني بشكل أكبر في المرحلة الراهنة على الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها السوق الصينية.
ويشير إلى أن إعلان الصين تحقيق نمو في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5 بالمئة خلال عام 2025 يدعم الطلب على الآلات والمكونات اليابانية، ما يوفر دفعة إيجابية للصادرات الصناعية اليابانية. إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في جانب المدخلات، إذ إن القيود الصينية على تصدير العناصر الأرضية النادرة بدأت تؤثر فعلياً على الشركات المصنعة اليابانية، مثل TDK، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وتعطّل بعض سلاسل الإمداد.
ويضيف أن تباطؤ مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة إلى 2.4 بالمئة على أساس سنوي في يناير يعكس ضعف زخم الطلب، وهو ما يتماشى مع التراجع النسبي في أداء الصادرات اليابانية إلى السوق الأميركية.
ويختم الرفاعي بالتأكيد على أن استمرار التوترات التجارية والقيود على المواد الاستراتيجية قد يضع الاقتصاد الياباني أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في الحفاظ على زخم الصادرات من جهة، وتأمين مدخلات الإنتاج الحيوية من جهة أخرى.






