إيران في عين العاصفة وأسواق الطاقة تحبس أنفاسها
08:05 - 15 يناير 2026في لحظة تتقاطع فيها السياسة بالأمن والطاقة، أعاد التصعيد الأميركي تجاه إيران خلط أوراق المشهد الاقتصادي العالمي، بعدما وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسالة دعم مباشرة للمتظاهرين، ملوّحاً برد قوي في حال لجوء طهران إلى العنف.
هذا الخطاب، المقترن ببحث واشنطن عن خيارات تتراوح بين تشديد العقوبات الاقتصادية، وتنفيذ هجمات سيبرانية، وصولاً إلى ضربة عسكرية محتملة، دفع الأسواق إلى حالة ترقّب حاد، في ظل مخاوف متزايدة من تداعيات أي مواجهة مفتوحة على إمدادات الطاقة العالمية.
فالشرق الأوسط، الذي يوفّر نحو ثلث إنتاج النفط العالمي، ويمر عبر ممراته الحيوية ما يقارب 40 بالمئة من النفط المنقول بحراً و11بالمئة من التجارة البحرية الدولية، يبقى الحلقة الأكثر حساسية في معادلة الاستقرار الاقتصادي، حيث إن أي اضطراب قد يعيد أسعار النفط سريعاً إلى عتبة 100 دولار للبرميل، فاتحاً الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد الولايات المتحدة للمجازفة بخيار المواجهة المباشرة مع إيران.
أميركا تراقب التوترات الإقليمية والأسواق العالمية على المحك
في حديثه لبرنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، أكد أندريه كوفاتاريو، زميل أول غير مقيم في المجلس الأطلسي، أن الولايات المتحدة تتحكم فيما يحدث في المنطقة، مع متابعة دقيقة للتصعيد في الصراعات الراهنة.
وأوضح كوفاتاريو أن هذه السيطرة الأميركية تمثل إشارة واضحة للأسواق والمستثمرين، مشيراً إلى أن تقديرات سابقة للمستثمرين حول تأثيرات الأزمات الإقليمية على الأسواق كانت غير دقيقة، ما يستدعي إعادة تقييم المخاطر على المستوى العالمي.
وقال الخبير إن الأسواق العالمية تواجه حالياً فترة حساسة، إذ تعتمد التأثيرات على استمرارية الصراعات القائمة، مؤكداً أن التوترات في المنطقة تشكل عاملاً أساسياً في تحديد تحركات الأسعار والاستثمارات، وأن فهم هذه الأبعاد أصبح ضرورة للمستثمرين والمتابعين للشأن الاقتصادي الدولي.
سيناريوهات السوق النفطية: من الاستقرار إلى التصعيد المحتمل
حدّد كوفاتاريو خلال حديثه ثلاثة سيناريوهات محتملة لتأثير التوترات الإقليمية على أسواق النفط.
- السيناريو الأول: الاعتداء بلا تأثير جوهري على أسعار النفط، حيث قد تشهد الأسواق ارتفاعات طفيفة ببضعة دولارات فقط، دون إحداث اضطرابات كبيرة في الهيكلة النفطية العالمية.
- السيناريو الثاني: تأثير على البنية التحتية قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل أكبر، ويتوقف ذلك على مدة استمرار المواجهة وأبعادها، مع احتمال تسجيل زيادات أكثر وضوحاً في الأسعار نتيجة اضطراب الإمدادات أو العمليات الإنتاجية.
- السيناريو الثالث: تصعيد متشائم، يتمثل في مواجهة تؤدي إلى تأثير كبير على البنية التحتية للنفط، مما قد يرفع الأسعار بين 10 و20 دولاراً للبرميل، خصوصاً إذا تأثر مرور النفط عبر مضيق هرمز، وهو ما لم تشهده الأسواق سابقاً. ورغم أن هذا السيناريو يبدو مستبعداً، إلا أن كوفاتاريو أشار إلى ضرورة أخذه في الاعتبار ضمن التقديرات الواقعية للأسواق.
فنزويلا والولايات المتحدة: متغيرات الأسواق النفطية ومخاطر الاستثمار
تطرق كوفاتاريو إلى العلاقات بين واشنطن وكاراكاس، مشيراً إلى أن تقديرات ترامب السابقة لم تعكس بدقة تأثير هذه العلاقات على الأسواق، وأن المرحلة الراهنة تعتمد على الهيكلة التي ستتبناها الحكومة الفنزويلية ومدى استمرار الشراكات النفطية مع الولايات المتحدة.
وأوضح أن المحادثات الجارية حالياً بين شركات النفط الأميركية والحكومة الفنزويلية ما زالت في بداياتها، وأن هذه الشركات تتطلع إلى دعم الإدارة الأميركية لضمان استثماراتها وتفادي المخاطر المرتبطة بالعمل في السوق الفنزويلية.
وأضاف أن حجم النفط الفنزويلي المعاد ضخه للأسواق بعد رفع العقوبات سيكون له أثر مباشر على الديناميكيات السوقية، مشيراً إلى أن أي تحركات من هذا النوع ستتأثر بالسياسات المتوسطة المدى للإدارة الأميركية وخطط الحكومة الفنزويلية المستقبلية.
وأكد كوفاتاريو أن هذه الضغوطات السياسية والاستثمارية تترك أثرها على العوائد المتوقعة للشركات النفطية، مشيراً إلى أن الأسعار المرتفعة أو المنخفضة قد لا تؤثر مباشرة على الشركات المستثمرة إذا توفرت لها العلاوات الحكومية، ما يعزز من جاذبية الاستثمارات حتى في ظل أسعار النفط عند مستويات 50 دولاراً للبرميل.
الحوارات المستمرة وضمانات الاستثمار
أشار كوفاتاريو إلى أن الحوار القائم بين الأطراف الأميركية والفنزويلية ما زال في بداياته، وأن استمراره يعتمد على التزام الأطراف المعنية على المدى المتوسط.
وأوضح أن نجاح هذه المحادثات سيسهم في تحديد حجم الضخ النفطي ومدى استقرار الأسعار، كما سيوفر للشركات المستثمرين إطاراً أكثر وضوحاً للضمانات والالتزامات التي تمنحها الحكومات المعنية، سواء من الولايات المتحدة أو فنزويلا.
وأضاف أن الأسواق الكبيرة لا تحصل على نفس العوائد التي تستفيد منها الشركات، مؤكداً أن العلاوات الحكومية الممنوحة للشركات تشجع على ضخ المزيد من النفط واستثمارات جديدة، بما يعزز النشاط الاقتصادي في السوق الفنزويلية ويقلل من المخاطر المرتبطة بأسعار النفط.
الأسواق العالمية تحت مراقبة دقيقة
شدد كوفاتاريو على أن المستثمرين بحاجة إلى متابعة دقيقة للتطورات الإقليمية والتصعيدات المحتملة، مؤكداً أن الأسواق العالمية تواجه سيناريوهات متعددة، تتراوح بين الاستقرار النسبي وارتفاع الأسعار بفعل تأثيرات البنية التحتية والنقل.
وأضاف أن مرحلة الحوار بين الشركات الأميركية والفنزويلية ستشكل عاملاً محورياً في تحديد حجم الإمدادات النفطية واستقرار الأسعار على المدى المتوسط، وأن أي تغييرات في السياسات الأميركية أو الفنزويلية ستكون لها انعكاسات مباشرة على الأسواق العالمية.
ويخلص تحليل كوفاتاريو إلى أن فهم هذه المتغيرات يشكل ضرورة أساسية للمستثمرين وصانعي السياسات، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتداخل العوامل السياسية والاقتصادية المؤثرة على النفط والأسواق المالية العالمية.










