الاقتصاد الأميركي أمام اختبار حاد للثقة
07:55 - 14 يناير 2026
في تطور غير مسبوق يضع الاقتصاد الأميركي أمام اختبار حاد للثقة، وجد المستثمرون أنفسهم أمام صدمة مؤسسية تطال رأس الهرم النقدي في الولايات المتحدة، بعدما كشف رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول عن توجيه وزارة العدل اتهامات جنائية بحقه على خلفية تجديد مبنى البنك في واشنطن.
هذا التصعيد، الذي كسر نهج الصمت والاتزان الذي التزم به باول لسنوات، أعاد إلى الواجهة معركة استقلالية البنك الفيدرالي، في لحظة حساسة تقود فيها قراراته تحركات أصول وديون عالمية تتجاوز قيمتها 800 تريليون دولار.
ومع تصاعد التحذيرات من تداعيات المساس باستقلالية السياسة النقدية، وفي مقدمتها تحذير وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين من مخاطر انزلاق الولايات المتحدة نحو نموذج "جمهورية الموز"، تتجه الأنظار إلى تداعيات هذه المواجهة على مصداقية الفيدرالي ومكانة الدولار والأسواق العالمية.
أسواق الأسهم الأميركية بين الأداء الجيد والضغوط السياسية
قال جو يرق، رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، خلال حديثه لبرنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، إن الأسواق الأميركية شهدت قبل افتتاح جلساتها انخفاضات طفيفة أعقبها ارتداد جزئي في أسعار الأسهم.
وأشار يرق إلى أن هذه التحركات تأتي في ظل سياسات الرئيس ترامب، الذي يمارس ضغوطاً مستمرة على الاحتياطي الفيدرالي لتخفيض الفائدة بهدف دعم الاقتصاد ودفع النمو، معتبراً أن معدل فائدة 2 بالمئة يعد محفزاً للنشاط الاقتصادي وداعماً للمالية الحكومية في ظل الدين الأميركي الضخم.
وأوضح يرق أن الأسواق حالياً تركز على الأداء الكلي للاقتصاد الأميركي، متجاهلة إلى حد كبير الضغوطات السياسية التي يمارسها ترامب، خاصة مع بداية صدور نتائج الشركات الأميركية.
وأضاف أن دعم استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، سواء من رؤساء الاحتياط السابقين أو من أعضاء وزارات الخزانة أو البنوك المركزية الأخرى، ساهم في الحفاظ على استقرار الأسواق، رغم التهديدات المحتملة لسيادة السياسات النقدية.
سندات الخزانة والدولار الأميركي تحت المجهر
تطرق يرق خلال حديثه إلى الأسواق المالية الأميركية، مشيراً إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل، خصوصاً سندات 30 سنة التي اقتربت من 5 بالمئة، وسندات 10 سنوات عند 4.2 بالمئة.
واعتبر أن هذه المستويات تمثل ناقوس خطر في ظل حجم الدين الأميركي الذي بلغ نحو 38 تريليون دولار.
وأوضح أن وزير الخزانة سكوت بيسنت يلعب دوراً محورياً في مراقبة هذا الموضوع، لا سيما بعد التجارب السابقة مثل الحرب التجارية التي بدأها ترامب، حيث أثرت بشكل مباشر على عوائد سندات الخزانة الأميركية، وهو ما يفرض ضغوطاً على السياسات المالية والنقدية.
وأشار يرق إلى أن ضعف الدولار الأميركي المستمر، الذي سجل تراجعاً بنسبة 10 بالمئة في 2025، يعكس تحرك المستثمرين نحو التنويع، بعيداً عن الدولار وسندات الخزانة، في ظل تفضيلهم لوجود استقلالية للبنوك المركزية والشفافية في السياسات المالية.
ولفت إلى أن هذا الاتجاه يعزز العملات البديلة مثل اليورو واليوان، بما يسهم في تنويع الاحتياطيات العالمية.
التوازن بين الأسواق العالمية: الأسهم الصينية والأوروبية
أوضح يرق أن الاستثمار الناجح يتطلب مزيجاً من الأسواق الثلاثة: الأميركية، الصينية، والأوروبية.
وقال إن الأسهم الصينية تتميز حالياً بتقييمات جذابة مقارنة بالأسهم الأميركية، مع دعم حكومي للاستهلاك وإعادة هيكلة القطاع العقاري، فضلاً عن الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، ما يجعل القطاع قابلاً للنمو.
كما أشار يرق إلى جاذبية الأسهم الأوروبية، رغم الضغوط العسكرية والإقليمية، موضحاً أن قطاع الدفاع الأوروبي يشهد ارتفاعات ملحوظة، وأن التحفيز المالي للحكومات، مثل حزمة ألمانيا البالغة 600 مليار يورو، يدعم استقرار السياسات النقدية والفوائد عند مستويات 2 بالمئة.
وأكد أن التنويع بين الأسواق يقلل المخاطر ويستفيد من النمو المتوقع في أرباح الأسهم الأميركية التي من المتوقع أن تتجاوز 14 بالمئة في 2026، مع التركيز على قطاع الذكاء الاصطناعي الذي شهد استثمارات ضخمة تجاوزت 600 مليار دولار.
الذهب والفضة: الملاذات الآمنة للمستثمرين
في ظل حالة الضبابية السياسية والاقتصادية، أشار يرق إلى أن المستثمرين لجأوا إلى الذهب والفضة والفرنك السويسري كملاذات آمنة، متوقعاً وصول الذهب إلى مستويات قياسية قد تصل إلى 5000 دولار للأونصة في النصف الأول من 2026، في حال عدم حدوث تطورات دراماتيكية.
وأضاف أن الفضة أقل جاذبية بسبب تقلباتها الكبيرة، مقارنة بالذهب الذي يمثل سوقاً أكبر وأكثر استقراراً.
وأكد يرق أهمية التركيز على العملات التي تتمتع بسيولة جيدة واستقرار نسبي، مثل الفرنك السويسري والدولار الأسترالي والكندي، باعتبارها أدوات تحوطية فعالة ضد المضاربات والتقلبات الناتجة عن السياسات الأميركية.
توقعات 2026: ضعف الدولار واستمرار التقلبات
توقع يرق استمرار ضعف الدولار الأميركي بين 7 بالمئة و10 بالمئة خلال 2026، مع تأثيرات متواصلة من الدين العام المرتفع والسياسات الاقتصادية المتقلبة للرئيس ترامب، إضافة إلى الضغوط السياسية على أوروبا وعلاقة الولايات المتحدة مع حلف الناتو.
وأوضح أن الأسواق تميل لتفضيل الاستثمارات التي توازن بين الأداء المالي المستقر وفرص النمو في القطاعات المستقبلية، مثل الذكاء الاصطناعي والمعادن الثمينة.
وأكد يرق أن الإدارة الحذرة لاستثمارات العملات والأسواق المتنوعة، مع التركيز على الملاذات الآمنة، ستظل ضرورية في ظل حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي الحالية.





