غرينلاند: ثروات طبيعية هائلة قيمتها 4 تريليونات دولار
07:43 - 13 يناير 2026
في خطوة عكست تصعيداً لافتاً في منطق الصراع الجيوسياسي الاقتصادي، أعاد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب تسليط الضوء على جزيرة غرينلاند، ملوّحاً بالسيطرة عليها "بالطريقة السهلة أو الصعبة".
ورغم طابعها الجغرافي القاسي وقلة عدد سكانها، اكتسبت غرينلاند أهمية استراتيجية واقتصادية بالغة، نظراً لموقعها الحيوي بين الولايات المتحدة وأوروبا، ووقوع ثلث أراضيها ضمن الدائرة القطبية الشمالية، التي شهدت تنافساً متزايداً بين واشنطن وموسكو وبكين.
وكانت الجزيرة تطل مباشرة على طرق التجارة الرئيسية في شمال الأطلسي، فضلاً عن احتوائها على ثروات طبيعية هائلة قُدّرت قيمتها بأكثر من أربعة تريليونات دولار. وأي نفوذ أميركي مباشر هناك كان يعني تفوقاً استراتيجياً في التحكم بالممرات البحرية والموارد، غير أن هذا التوجه حمل مخاطر سياسية، أبرزها توتير العلاقات مع أوروبا وتهديد تماسك حلف الناتو، باعتبار أن غرينلاند إقليماً تابعاً للدنمارك، ما طرح تساؤلات مفتوحة حول حدود التصعيد وإمكان قلب موازين اللعبة الدولية.
في حديثه إلى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، قدم أستاذ العلوم السياسية الدكتور نبيل ميخائيل قراءة تحليلية معمّقة لتصريحات الرئيس الأميركي السابق بشأن جزيرة غرينلاند، واضعاً هذه التصريحات ضمن إطار سياسي–أمني–اقتصادي مركّب، تتداخل فيه منطق القوة العسكرية مع ذهنية "رجل الصفقات"، في ظل غياب موقف أوروبي موحّد قادر على كبح اندفاعة واشنطن.
"الطريقة الصعبة": قراءة في دلالات التصريح
فسّر د. ميخائيل استخدام ترامب لعبارة "الطريقة الصعبة" باعتبارها إحالة مباشرة إلى الخيار العسكري.
ووفق تحليله، كان احتلال غرينلاند عسكرياً يُعد عملية سهلة التنفيذ من الناحية العملياتية، نظراً لصغر مساحة الجزيرة، وضعف قدراتها الدفاعية، وغياب أي قدرة دنماركية حقيقية على مقاومة تدخل عسكري أميركي مباشر.
ورأى أن إنزال قوات بحرية ومظلّات أميركية كان كفيلاً بفرض السيطرة، من دون أن تتمكن الصين أو روسيا، رغم اتهام ترامب لهما بالتواجد العسكري قرب الجزيرة، من منع وصول القوات الأميركية إليها.
المقارنة مع سيناريوهات سابقة
أشار ميخائيل إلى أن هذا السيناريو اختلف عن حالات أخرى، مثل فنزويلا، حيث كانت تعقيدات الداخل ووجود ميليشيات موالية للحزب الاشتراكي تمثل عائقاً أمام أي تدخل عسكري مباشر. أما في حالة غرينلاند، فقد بدت "الطريقة الصعبة" أقل كلفة وأكثر مباشرة، ما فسّر خطورة التصريحات الأميركية وتسارع وتيرتها.
غياب موقف أوروبي موحّد
طرح ميخائيل خلال حديثه تساؤلاً محورياً حول غياب موقف أوروبي جامع، سواء بالرفض أو القبول. ورأى أن أي موقف أوروبي محتمل كان قد يتبلور بصورة فردية، دولةً بدولة، تبعاً لموقف الدنمارك نفسها. فإذا أعلنت كوبنهاغن تمسكها بغرينلاند كجزء لا يتجزأ من المملكة، كانت الدول الأوروبية الأخرى ستتفاعل مع هذا الموقف كلٌ وفق حساباته الخاصة، ما أفرغ فكرة "الموقف الأوروبي الموحد" من مضمونها العملي.
الطريقة السهلة: اتفاقيات وصفقات محتملة
كما تحدث ميخائيل عن "الطريقة السهلة"، والتي قد تتمثل في اتفاق مع الحكومة الدنماركية يسمح لأمريكا بشراء أو تأجير أراضٍ أو إقامة قاعدة عسكرية واستثمارات اقتصادية. إلا أن الرئيس ترامب لم يتلقَّ ردًا رسميًا من الدنمارك، وهو ما جعل التصريحات الرسمية للسلطات الدنماركية حاسمة في تحديد مسار أي صفقة محتملة.
وأشار ميخائيل إلى أن دوافع ترامب تجاوزت البعد العسكري لتشمل الطموحات الاقتصادية واستغلال الموارد الطبيعية للجزيرة، مع إبراز رغبة في ترك إرث توسعي، على غرار إضافة ولايتي هاواي وألاسكا للولايات المتحدة في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور. كما ربط ميخائيل بين هذا الطموح واستكشاف نجله ومستشاريه في واشنطن فرص امتلاك أو إدارة الجزيرة بما يعزز الاقتصاد الأميركي.
ألمانيا: اللاعب الحاسم
قدّم ميخائيل أطروحة مفصلية مفادها أن الموقف الألماني كان العامل الوحيد القادر فعلياً على دفع ترامب إلى التراجع. فألمانيا، بوصفها العملاق الاقتصادي الأوروبي والشريك التجاري الأكبر لمعظم دول القارة، امتلكت وزناً لا يمكن لواشنطن تجاهله.
ورأى أن اعتراض برلين الصريح قد يدفع ترامب إلى إعادة النظر، والانتقال من منطق الضم إلى منطق الاستثمار والتفاهم مع الدنمارك، بخلاف اعتراضات محتملة من دول أوروبية أخرى لم تحظَ بالتأثير نفسه.
القطب الشمالي والنفوذ الروسي–الصيني
في خطوة تحمل أبعاداً جيوسياسية واقتصادية معقدة، اعتبر أستاذ العلوم السياسية د. نبيل ميخائيل أن المقترح الألماني المعروف بـ"حارس القطب الشمالي"، الهادف إلى مواجهة النفوذ الروسي والصيني، قد يضع الرئيس الأميركي في موقف محرج.
وأوضح ميخائيل أن نجاح هذا المقترح يعتمد على وضوح الموقف الألماني بشأن معنى "الخطر الروسي والصيني"، خاصة في ظل العلاقات القوية بين برلين وموسكو وتفضيل ألمانيا للحفاظ على توازن دبلوماسي مع الصين ضمن الإطار الأوروبي.
وبحسب تحليله، فإن عدم تحديد ألمانيا موقفها بدقة قد يؤثر مباشرة على قرارات واشنطن الاستراتيجية في المنطقة.
اضطراب دولي وحسابات داخلية
وفي سياق أوسع، أشار ميخائيل إلى أن العالم شهد أزمات متزامنة في الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية، ما كان قد يدفع ترامب، إذا قُدمت له نصيحة داخل البيت الأبيض، إلى تأجيل ملف غرينلاند.
كما لفت إلى وجود خلافات داخل الإدارة الأميركية نفسها، قد أثرت على طريقة إدارة هذا الملف.
الإمبريالية الجديدة
اختتم ميخائيل تحليله بالإشارة إلى أن ما شهدته القضية يندرج ضمن ما يسميه بعض منظّري السياسة بـ"الإمبريالية الجديدة" أو "نظرية الملكية الجديدة"، حيث سعت القوى الكبرى إلى توسيع رقعة نفوذها الجغرافي بوسائل مباشرة وغير مباشرة. وفي هذا الإطار، بدت غرينلاند نموذجاً مكثفاً لتحولات أعمق في بنية النظام الدولي الراهن.







