هل إطفاء مراكز البيانات ينقذ شبكة الكهرباء الأميركية؟
13:12 - 12 يناير 2026
تحولت مراكز البيانات العملاقة، التي تُعتبر المُحرّك الرئيسي لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، إلى تحدٍّ متزايد لشبكة الكهرباء الأميركية، مع تصاعد المخاوف من أن يتسبب استهلاكها الهائل للطاقة، بزعزعة استقرار الشبكة وحدوث انقطاعات واسعة في التيار الكهربائي.
وتتزايد حدة النقاشات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، بين عمالقة التكنولوجيا مثل غوغل وأمازون ومايكروسوفت، من جهة، وبين مشغّلي شبكات الكهرباء والجهات التنظيمية من جهة أخرى، حول مدى قدرة البنية التحتية الحالية، على تلبية الطلب المتنامي على الكهرباء، خصوصاً خلال فترات الذروة، من دون تعريض العملاء الآخرين لمخاطر الانقطاع.
ويحذّر مسؤولو الطاقة في أميركا من أن شبكة الكهرباء، ليست مهيّأة بعد لاستيعاب العدد المتزايد من مراكز البيانات، التي تخطط شركات التكنولوجيا لإنشائها، مؤكدين أن توسيع خطوط نقل الطاقة وبناء محطات توليد جديدة للطاقة، لضمان استمرار التيار الكهربائي، يتطلب سنوات طويلة من الاستثمار والتنفيذ.
حلول طارئة لإنقاذ الشبكة
وفي مسعى لتفادي أزمة وشيكة، تبحث الجهات المعنية عن حلول انتقالية، تتيح ربط مراكز البيانات بالشبكة، مع إمكانية فصل الكهرباء عن هذه المراكز مؤقتاً، عند ارتفاع مخاطر انقطاع التيار الكهربائي، وهو الاقتراح الذي ترفضه بشكل قاطع الشركات التكنولوجية.
وبحسب تقرير أعدته "وول ستريت جورنال"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن هذه المشكلة تتفاقم بشكل ملحوظ داخل شركة PJM Interconnection، وهي الجهة المسؤولة عن مراقبة وتشغيل وضمان استقرار شبكة الكهرباء، التي تخدم أجزاءً من 13 ولاية أميركية، بالإضافة إلى مقاطعة كولومبيا (واشنطن العاصمة)، حيث حاول مسؤولو PJM على مدار الأشهر الماضية، التفاوض مع شركات التكنولوجيا والجهات المشاركة في بناء مراكز البيانات لإيجاد حلول عملية.
ومن بين المقترحات التي طرحتها PJM، أن تعتمد مراكز البيانات على مصادر طاقة خاصة بها، مثل المولدات الكهربائية، أو أن يتم قطع الكهرباء عن هذه المراكز، بشكل مؤقت عند ارتفاع احتمالية نقص الإمدادات.
مراكز البيانات ترفض
ولكن هذه المقترحات واجهت معارضة من تحالف مراكز البيانات الذي وصفها بأنها منحازة، حيث أبدى التحالف قلقه من الاعتماد المحتمل على مولدات الديزل الاحتياطية، التي تخضع لقيود بيئية صارمة، مؤكداً أن مراكز البيانات بحاجة إلى الطاقة بشكل مستمر، لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى دعم الحوسبة السحابية لقطاعات حيوية مثل الرعاية الصحية والخدمات المالية.
وكانت شركة PJM قد خططت لوضع قواعد جديدة لتوصيل مراكز البيانات بالشبكة بحلول نهاية العام الماضي، ولكن العملية وصلت إلى طريق مسدود في نوفمبر بعد فشل الأعضاء، الذين يشملون شركات المرافق العامة ومالكي محطات الطاقة والعملاء التقنيين، في التوصل إلى اتفاق حول خطة عمل مشتركة.
تكساس تقر قطع الكهرباء
وفي تكساس، التي أصبحت مقراً رئيسياً لتطوير مراكز البيانات، من المتوقع أن يتضاعف الطلب على الطاقة تقريباً بحلول عام 2035، وفقاً لشركة إركوت، المشغلة لشبكة الكهرباء في الولاية، حيث أنه وبحلول ذلك الوقت، ستحتاج مراكز البيانات إلى أكثر من 86 جيغاوات من الطاقة، وهو ما يعادل تقريباً الرقم القياسي للكهرباء التي استخدمها سكان تكساس في يوم شديد الحرارة في أغسطس 2023.
علماً أنه في عام 2025، أقرّ مشرّعو تكساس قانوناً يسمح بفصل مراكز البيانات عن الشبكة الكهربائية عندما يهدد الطلب على الطاقة بتجاوز العرض، وقد وقّع الحاكم الجمهوري غريغ أبوت على هذا القانون.
بدورها تعمل هيئة الطاقة الجنوبية الغربية (SPP)، التي تُشغّل جزءاً من الشبكة الممتدة من منطقة تكساس بانهاندل إلى داكوتا الشمالية، على وضع قواعد جديدة لمراكز البيانات الراغبة بالاستفادة من الشبكة، إذ تعتزم الهيئة البدء في منح مشغّلي مراكز البيانات خيار الخدمة "المشروطة"، والتي تسمح لهم بالاتصال بالشبكة بشكل سريع مع احتمالية فصلهم عنها عند انخفاض الإمدادات.
معركة محفوفة بالمخاطر
وفي ديسمبر 2025 قال راي فاخوري، مدير سياسات الطاقة في شركة أمازون لخدمات الويب، إن الشركة لديها مخاوف بشأن المقترحات، التي تُلزم مراكز البيانات بفصل نفسها عن الشبكة، لفترات تتجاوز فترات وجيزة، مشيراً في الوقت عينه إلى أن مراكز بيانات أمازون مزودة بمولدات ديزل احتياطية لحالات الطوارئ المحدودة. في حين يرى مايكل ويبر، أستاذ الهندسة في جامعة تكساس في أوستن والرئيس التنفيذي السابق للتكنولوجيا في شركة الاستثمار Energy Impact Partners، أن ما يحصل بين مشغّلي شبكات الكهرباء وعمالقة التكنولوجيا معركة محفوفة بالمخاطر، لأن مئات المليارات أو التريليونات من الدولارات من رأس المال على المحك، لافتاً إلى أن الطاقة هي العائق الرئيسي.
حل مبتكر
من جهتها لجأت غوغل إلى أسلوب مختلف، فهي من بين قلة من شركات التكنولوجيا التي تعمل منذ سنوات، على دراسة كيفية تعديل عمليات التعلّم الآلي لديها، لخفض استهلاك الطاقة خلال الفترات التي تتعرّض فيها شبكة الكهرباء لضغوط. وقد أطلقت الشركة برامج تجريبية مع عدد من شركات المرافق، تقوم بموجبها بتقليل استهلاك الطاقة، داخل مراكز بياناتها مقابل الحصول على تعويض مالي، وهي آلية تُعرف باسم الاستجابة للطلب (Demand Response).
إشارة تحذير
ويقول مهندس الكهرباء طارق العبد الله، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن ما يجري اليوم في الولايات المتحدة ليس مجرد خلاف تنظيمي بين شركات التكنولوجيا ومشغّلي شبكات الكهرباء، بل هو إشارة تحذير مبكرة للعالم بأسره من شهية الذكاء الاصطناعي غير المسبوقة للطاقة، والتي قد تفوق قدرة البنى التحتية التقليدية على الاحتمال، مشدداً على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد خوارزميات تعمل في الفضاء الرقمي، بل أصبح صناعة كثيفة الاستهلاك للطاقة، تتطلب استقراراً كهربائياً شبه مطلق.
وبحسب العبد الله، فإن الفجوة المتزايدة بين العرض والطلب على الكهرباء، تعود إلى أن شبكات الكهرباء الحالية صُمّمت لعصر صناعي مختلف، كان فيه الطلب على الكهرباء أكثر استقراراً ويمكن التنبؤ به، أما اليوم فقد أصبحت أنماط الاستهلاك أكثر كثافة، بسبب أحمال رقمية تعمل على مدار الساعة وتتطلب طاقة عالية بزمن استجابة فوري، مشيراً إلى أن مزوّدي الكهرباء في أميركا قرروا إعطاء الأفضلية للمنازل والمستشفيات والمرافق العامة بدلاً من مراكز البيانات، حيث من المتوقع أن يفرض هذا التحدي نفسه قريباً أيضاً في أوروبا وآسيا، مع تسارع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
ويشدد العبد الله على أن ما يحدث في أميركا، يُظهر أن الطاقة أصبحت المشكلة الحقيقية أمام طموحات الذكاء الاصطناعي، لافتاً إلى أنه إذا لم يُعَد التفكير في العلاقة بين التكنولوجيا والطاقة، من حيث كيفية تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء دون المساس باستقرار الشبكات وضمان استمرارية الخدمات الحيوية، فإن ثورة الذكاء الاصطناعي قد تتحول من فرصة اقتصادية إلى مصدر عدم استقرار اقتصادي واجتماعي واسع النطاق.
حلول مؤقتة
من جهتها تقول مستشارة الذكاء الاصطناعي المعتمدة من أوكسفورد هيلدا معلوف ملكي، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الخطاب العالمي حول الذكاء الاصطناعي، بُني على وعود الإنتاجية وتسريع النمو الاقتصادي، ولكن نادراً ما أُدرجت مُشكلة استهلاك الطاقة ضمن هذا الحساب، مشيرةً إلى أن مبادرات مثل "الاستجابة للطلب"، كالتي تقودها غوغل تُعتبر خطوة في الاتجاه الصحيح ولكنها تبقى حلولاً جزئية لا تعالج أصل المشكلة، وهو الأمر الذي ينطبق أيضاً على فكرة الاعتماد على مولدات الديزل.
وتشرح معلوف ملكي، أن الاعتماد على مولدات الديزل الاحتياطية كمخرج سريع لتخفيف الضغط عن شبكات الكهرباء، خيار هشّ وغير مستقر على المدى المتوسط والطويل، فهذه المولدات صُممت لحالات الطوارئ القصيرة وليست لتشغيل مرافق عملاقة تعمل على مدار الساعة، كما أن الديزل يرتبط بتكاليف تشغيل مرتفعة وتقلبات أسعار الوقود وقيود بيئية صارمة، تتعارض مع التزامات شركات التكنولوجيا بخفض الانبعاثات الكربونية، وهو ما يُضعف موثوقية هذا الخيار كمصدر طاقة دائم ومستقر.
مخرج استراتيجي
وتكشف معلوف ملكي، أن النقاش داخل الأوساط الصناعية وصنّاع القرار، يتجه اليوم نحو مصادر طاقة أكثر استدامة واستقراراً، وعلى رأسها المفاعلات النووية الصغيرة، إذ تُقدَّم هذه التكنولوجيا النووية الناشئة بوصفها حلاً استراتيجياً، قادراً على تلبية الطلب المتزايد لمراكز البيانات، من دون تحميل الشبكات العامة أعباء إضافية، مشيرةً إلى أن المفاعلات النووية الصغيرة، تتميّز بحجمها المحدود وإمكانية بنائها بشكل وحدات قابلة للتوسّع، فضلاً عن قدرتها على توفير طاقة ثابتة على مدار الساعة مع مستويات أمان أعلى مقارنة بالمفاعلات التقليدية، كما أن هذه المفاعلات لا تنتج انبعاثات كربونية أثناء التشغيل، ما يجعلها متوافقة مع أهداف الحياد الكربوني التي تتبنّاها شركات التكنولوجيا.
ووفقاً لـ معلوف ملكي، فإن بعض شركات التكنولوجيا بدأت بالفعل دراسة خيارات الاستثمار المباشر في مشاريع المفاعلات النووية الصغيرة، باعتبارها بنية تحتية طاقوية مخصّصة لمراكز البيانات، معتبرةً أن هذه الخطوات، تعكس تحوّلاً في التفكير من البحث عن حلول قصيرة الأجل، إلى تبني حلول تتناسب مع متطلبات عصر الذكاء الاصطناعي.












