ترامب ونفط فنزويلا.. طموح يصطدم بواقع متهالك
09:30 - 07 يناير 2026تتجه الأنظار اليوم نحو "كاراكاس" في أعقاب التطورات السياسية المتسارعة التي شهدتها البلاد، حيث لم يتأخر الصدى الاقتصادي لهذه الأحداث عن الظهور، متمثلاً في تعهدات أميركية رسمية بإعادة إحياء قطاع الطاقة الفنزويلي عبر استثمارات بمليارات الدولارات.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب كشف عن اتفاق لتسليم الولايات المتحدة ما يصل إلى 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي، مؤكداً أن العائدات ستدار تحت إشرافه لضمان استخدامها لصالح شعبي البلدين. ويأتي ذلك بالتزامن مع استعداد البيت الأبيض لعقد اجتماع مع كبار شركات النفط الأميركية لبحث ضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية للطاقة الفنزويلية.
لكن الطموح الأميركي يصطدم بواقع ميداني معقد، إذ تواجه الصناعة النفطية في فنزويلا إرثاً ثقيلاً من التدهور الهيكلي ونقص الاستثمار، إلى جانب بنية تحتية متهالكة وديون ضخمة ومخاطر سياسية وقانونية قائمة.
هذه التحديات (كالبنية التحتية المتهالكة، والديون العالقة، والمخاطر السياسية القائمة) تجعل عودة الشركات الكبرى إلى "حزام أورينوكو" الغني بالنفط رهناً بحسابات دقيقة للمخاطر مقابل العوائد في سوق عالمية تتسم بالتقلب والحذر.
وعليه، تبرز التساؤلات الملحة التي تحكم مستقبل هذا الملف: هل تمتلك واشنطن والشركات الأميركية القدرة على ضخ الاستثمارات الهائلة اللازمة لترميم البنية التحتية المنهارة في وقت قياسي؟ وكيف ستوازن الشركات العالمية بين إغراء الاحتياطيات الأضخم عالمياً وبين مخاطر عدم الاستقرار السياسي والقانوني الذي لا يزال يخيم على البلاد؟
تحديات العودة ومراهنات السوق
وبحسب تقرير نشرته صحيفة "ذي تايمز" (The Times) واطلعت عليه "سكاي نيوز عربية"، فإن المساعي الرامية لإعادة عمالقة النفط الأميركيين إلى فنزويلا تواجه عقبات تقنية ومالية معقدة.
وأوضح التقرير أن الفجوة بين الطموح السياسي والواقع الميداني تتسع عند النظر إلى حالة البنية التحتية، إذ يقول خورخي ليون، رئيس تحليل الجغرافيا السياسية في شركة "ريستاد إنرجي" والمسؤول السابق في منظمة "أوبك": "هناك مشكلات جوهرية، أولها نقص الاستثمار في البنية التحتية، فشركة النفط الوطنية محطمة تماماً ولم تشهد أي استثمارات، ناهيك عن تفشي الفساد، لذا، فإن إصلاح البنية التحتية ضرورة قصوى، وهي عملية مكلفة للغاية".
وأشار التقرير إلى أن فنزويلا، رغم امتلاكها أكبر احتياطيات مؤكدة في العالم بنسبة 17 بالمئة من الإجمالي العالمي، قد شهدت انهياراً في إنتاجها من 3.4 مليون برميل يومياً في عام 1998 إلى نحو 903 آلاف برميل فقط في عام 2024.
ووفقاً لمحللي "غولدمان ساكس"، فإن أي زيادة في الإنتاج لتصل إلى عتبة المليوني برميل يومياً قد تضغط على أسعار خام برنت عالمياً لتنخفض بنحو 4 دولارات للبرميل بحلول نهاية العقد، وهو سيناريو يراقبه الفاعلون في السوق بحذر شديد.
ومع ذلك، ظلت توقعات البنك لأسعار النفط لهذا العام دون تغيير، حيث توقع أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 56 دولاراً للبرميل، وخام غرب تكساس الوسيط 52 دولاراً.
أرقام وتوقعات
كما لفتت تقديرات "ريستاد إنرجي" إلى أن التكلفة التقديرية لإحياء الصناعة والوصول إلى 2 مليون برميل يومياً تبلغ 110 مليار دولار وخمس سنوات على الأقل في ظل قيادة مستقرة، وللوصول إلى 3 مليون برميل يومياً: يتطلب الأمر 190 مليار دولار، ولن يكون ذلك ممكناً قبل عام 2040. وقد تصل إلى 200 مليار دولار، في عملية قد تستغرق أكثر من عشر سنوات.
وفي هذا السياق، أوضح مراقبون أن انخفاض أسعار النفط الحالية، التي تحوم حول 60 دولاراً للبرميل، قد يحد من شهية الشركات الكبرى للمخاطرة، ووفقاً لإيرين هيمونا، رئيسة قطاع النفط والغاز الأوروبي في شركة الوساطة "بيرنشتاين"، فإن انخفاض أسعار النفط قد فرض انضباطاً أكبر في رأس المال بين كبرى شركات النفط في العالم، مع "التركيز على القيمة بدلاً من النمو". وأضافت هيمونا أن هذا التوجه قد يحد أيضاً من الرغبة في خوض المخاطر.
غياب اليقين بشأن الأطر التنظيمية
علاوة على ذلك، ذكر التقرير أن غياب اليقين بشأن الأطر التنظيمية، مثل الحوافز الضريبية وترتيبات تقاسم الأرباح، يظل حجر عثرة أمام الشركات التي سبق وأن تعرضت أصولها للمصادرة في فترات سابقة، مثل "إكسون موبيل" و"كونوكو فيليبس".
فبينما تمتلك هذه الشركات خبرة جيولوجية في الحقول الفنزويلية، إلا أن حالة "عدم الاستقرار القائمة" تجعل من الصعب الالتزام برؤوس أموال ضخمة في المدى القريب، خاصة مع وجود مخاوف من تكرار تجارب التأميم السابقة.
وأشار التقرير إلى أن منطقة "أورينوكو" في وسط فنزويلا توفر مصدراً للنفط الثقيل اللازم للمصافي على ساحل الخليج، والتي صُممت تاريخياً لمعالجة الخام الثقيل من فنزويلا والمكسيك وكندا، قبل طفرة النفط الصخري في أميركا. فحوالي 70 بالمئة من قدرة التكرير الأميركية تعمل بكفاءة أكبر مع الخام الثقيل، بينما تنتج أميركا بشكل أساسي درجات خفيفة من النفط الصخري.
صراع الهيمنة وأمن الطاقة
في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" أكد مستشار الطاقة الدولي عامر الشوبكي أن مراهنة الرئيس ترامب على النفط الفنزويلي تنطوي على تعقيدات ومفاجآت تتجاوز سقف الخطاب السياسي المعلن. وأوضح أن الواقع الميداني لا يزال مضطرباً، مشيراً إلى أن المؤسسات التي كانت قائمة في عهد الإدارة السابقة هي التي تدير مفاصل الدولة حالياً، مما يجعل الحكم على استقرار الوضع سابقاً لأوانه.
وبيّن الشوبكي أن الرهان الاستراتيجي لواشنطن يتجاوز مجرد الاستخراج، ليصل إلى إدخال فنزويلا ضمن معادلة "هيمنة الطاقة الأميركية" لتقليل الاعتماد على نفط الشرق الأوسط وروسيا، وزيادة المعروض العالمي لخفض الأسعار على المدى المتوسط.
واعتبر أن هذا التوجه يهدف في جوهره إلى تعزيز تنافسية الوقود الأحفوري مقابل الطاقة النظيفة، مما يمثل ضربة بعيدة المدى للصين التي تهيمن على صناعات الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية.
وشدد مستشار الطاقة الدولي الشوبكي على أن الأزمة الحقيقية في فنزويلا تكمن "فوق الأرض" لا تحتها، فبينما تمتلك البلاد ثروات هائلة وواعدة من النفط والغاز والذهب والحديد، تعاني البنية التحتية من تهالك حاد، ويواجه القطاع "فساداً مؤسسياً وزيفاً في الكفاءات"، بالإضافة إلى مخاطر أمنية عالية.
ووصف الشوبكي الطريق نحو إحياء هذا القطاع بأنه "مليء بالمطبات وغير متوقع"، خاصة في ظل احتمالات وجود حركات داخلية قد تزعزع الاستقرار، وهو ما يتنافى مع المبادئ الأساسية لجذب الاستثمار.
مخاطر الاستثمار
وعن القدرات التشغيلية، أشار الشوبكي إلى أن الاحتياطي الضخم (303 مليار برميل) لا يصنع إنتاجاً بمفرده، مبيناً أن استعادة الإنتاج من مستوياته المتدنية (أقل من مليون برميل يومياً) إلى سابق عهدها تتطلب استثمارات ضخمة تقدر بنحو 10 مليارات دولار سنوياً، لتصل التكلفة الإجمالية خلال عقد من الزمن إلى حوالي 100 مليار دولار.
واختتم الشوبكي حديثه بالإشارة إلى "الأولوية اللوجستية" للنفط الفنزويلي، حيث إن نحو 70% من طاقة المصافي الأميركية مصممة للتعامل بكفاءة أعلى مع النفوط الثقيلة. ويرى أن نجاح الاستثمارات الأميركية - وعلى رأسها "إكسون موبيل" و"كونوكو فيليبس"—ممكن جزئياً بفضل التقنيات الحديثة، لكنه سيسير وفق "سقوف متواضعة" وعلى مراحل، مالم تسيطر الولايات المتحدة على الوضع بشكل كامل، نظراً لأن حالة عدم اليقين السياسي والحصار البحري تظل عوامل "تجمد" القرار الاستثماري الكبير في الوقت الراهن.
رهانات الإنتاج وكلفة الاستدامة
بدوره، أوضح مصطفى السيد الخبير بشؤون الطاقة، في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، أن الطموحات الراهنة لإعادة بناء قطاع النفط الفنزويلي تصطدم بجدول زمني وتكاليف تقنية قد تمتد إلى ما بعد العقد الحالي.
وأشار السيد إلى أن الحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية وحدها يتطلب استثمارات تصل إلى 53 مليار دولار على مدى 15 عاماً، نظراً للتهالك الكبير الذي طال مرافق الاستخراج والشحن.
وأكد الخبير بشؤون الطاقة السيد أن رفع الإنتاج إلى عتبة 1.5 مليون برميل يومياً قد يستغرق 18 شهراً كحد أدنى، بالاعتماد على الأصول القائمة لشركة "شيفرون"، أما العودة إلى المستويات التاريخية السابقة فستحتاج إلى إنفاق رأسمالي يتراوح بين 8 إلى 9 مليارات دولار سنوياً لمدة عقد كامل.
ولفت إلى أن النفط الفنزويلي، بطبيعته كخام ثقيل، يتطلب عمليات تكرير معقدة ومكلفة، وهو ما قد يقلل من جاذبيته في سوق عالمية تتسم بالتنافسية العالية ووفرة المعروض.
كما أشار السيد إلى وجود عقبات قانونية ومالية تتمثل في "الديون المستحقة" للشركات الأميركية منذ موجات التأميم السابقة، معتبراً أن هذه الالتزامات المالية، إلى جانب المخاطر الأمنية، تزيد من تردد الشركات الكبرى مثل "إكسون موبيل" و"كونوكو فيليبس" في العودة السريعة.
واختتم رؤيته بالتأكيد على أن النجاح في هذا الملف يعتمد بشكل جذري على إقرار "قوانين استثمار مرنة" وتوفير ضمانات تشغيلية قوية، موضحاً أن إحياء القطاع بشكل كامل يظل هدفاً بعيد المنال في ظل المعطيات الفنية الراهنة.
من جانبها، قالت الدكتورة كارول نخلة الرئيسة التنفيذية لشركة كريستول إنرجي في تصريح لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية": "انخفض إنتاج النفط في فنزويلا بشكل مستمر لعدة سنوات، حتى قبل فرض العقوبات، بسبب قلة الاستثمار وسوء الإدارة. هذا الانخفاض الطويل يتطلب استثمارأً كبيراً لإعادة بناء البنية التحتية والقدرات التقنية. من المتوقع أن يكون التعافي بطيئاً، وقد يستغرق استعادة الإنتاج بالكامل سنوات".
وذكرت أن قطاع النفط الفنزويلي يواجه العديد من الحواجز الاستثمارية مثل البنية التحتية القديمة والمشاكل الإدارية، بالإضافة إلى كثافة الكربون العالية. كما أن ظروف السوق العالمية الحالية، التي تتميز بالوفرة المفرطة للنفط والأسعار المنخفضة، تجعل جذب الاستثمار أكثر صعوبة.
وأضافت: "قد تؤدي الأسعار المنخفضة إلى تقليل شهية المستثمرين، خاصة مع المخاطر السياسية العالية. لذا فإن توقيت وحجم تعافي قطاع النفط في فنزويلا سيكونان مرتبطين بالظروف السياسية وأسواق النفط العالمية".






