أزمة تمويل تهدد قطاع الإسكان البريطاني
16:00 - 07 يناير 2026
يواجه قطاع الإسكان في المملكة المتحدة مطلع عام 2026 مأزقاً اقتصادياً ناتجاً عن تراجع الموافقات الإنشائية، مدفوعاً بحالة ركود تسود سوق العقارات.
وتُشير البيانات إلى وجود ارتباط وثيق بين تعثر مبيعات العقارات الفاخرة وتوقف العمل في مشاريع السكن الميسر، حيث يعتمد المطورون في تأمين السيولة لبناء الوحدات الاجتماعية على الأرباح المحققة من بيع المنازل مرتفعة القيمة. ومع انخفاض الطلب العام، جفت الموارد المالية التي كانت تدعم التزامات البناء الميسر.
وفي ظل الإجراءات الضريبية الجديدة والضغوط التنظيمية على قطاع الإيجار، نشأت فجوة مالية حالت دون قدرة جمعيات الإسكان على شراء الوحدات الجديدة أو تطوير مشاريع مستدامة.
هذا الخلل في التدفقات النقدية دفع المؤسسات غير الربحية إلى تشديد معايير القبول المالي للمستأجرين لضمان تغطية التكاليف، مما يعكس تحولاً من أزمة ندرة في المباني إلى أزمة في السياسات المالية والضريبية المتبعة، وهو ما يطرح التساؤلات التالية: هل قوضت السياسات الضريبية في بريطانيا تمويل الإسكان الاجتماعي؟ وهل أطاحت الضرائب الجديدة بفرص تمويل الإسكان الميسر في بريطانيا؟
وبحسب تقرير نشرته وكالة "بلومبرغ" واطلعت عليه سكاي نيوز عربية، يعاني قطاع الإسكان في المملكة المتحدة من نقص حاد في المعروض نتيجة اختلال آليات السوق العقاري.
وأوضح التقرير، استناداً إلى مسح المؤسسة الملكية للمساحين القانونيين (RICS)، أن طلب المشترين سجل انخفاضاً ملحوظاً بواقع 8 نقاط في شهر نوفمبر الماضي ليصل إلى -32 بالمئة، مما أدى إلى ركود حركة المبيعات وتوقف التدفقات النقدية اللازمة لتمويل المشاريع الجديدة.
وأشار التقرير إلى أن "السياسات الضريبية الجديدة، ولا سيما الضريبة الإضافية على العقارات التي تتجاوز قيمتها مليوني جنيه إسترليني، ستؤدي وفق النماذج الحكومية إلى خفض التقييمات العقارية بنسبة 2.5 بالمئة. ويستنتج من هذا المشهد وجود أثر تسلسلي يمتد من السوق الفاخرة إلى قطاع الإسكان الميسر، حيث يعمد المطورون لربط بناء الوحدات الاجتماعية بمدى نجاحهم في بيع العقارات المربحة، وبفقدان هذه السيولة، تعثرت القدرة على استكمال بناء باقي الوحدات".
تراجع الموافقات الإنشائية وأزمة السيولة
وفي السياق ذاته، لفت التقرير إلى أن الإجراءات التنظيمية الحكومية التي استهدفت تقليص نفوذ مُلاك العقارات في القطاع الخاص قد تسببت في عزوف المطورين عن الاستثمار. ورغم اشتراط القوانين تخصيص 35 بالمئة من المشاريع الجديدة للإسكان الاجتماعي، إلا أن التقرير أكد أن هذه الوحدات تظل شاغرة في كثير من الأحيان، نظراً لافتقار منظمات الإسكان الاجتماعي للتمويل الكافي للاستحواذ عليها.
وأوضح التقرير أن قطاع الإسكان الاجتماعي شهد انكماشاً ملموساً بخسارة صافية تجاوزت 180 ألف وحدة خلال العقد الماضي، في حين وصلت الموافقات على التخطيط السكني في السنة المنتهية في يونيو إلى أدنى مستوى قياسي لها، مما يعكس غياب أي "خط إنتاج" معتمد للمشاريع في المدى القريب لسد العجز المزمن.
إدارة المخاطر المالية في قطاع الإسكان
واختتم التقرير بالإشارة إلى أن التراجع الحاد في المعروض دفع الجمعيات الإسكانية إلى تبني استراتيجيات صارمة لإدارة الطلب، تحاكي في طبيعتها معايير القطاع الخاص. وبسبب نقص الموارد، أصبحت هذه الجمعيات تطبق فحوصات "قدرة مالية" دقيقة قبل التأجير، حيث أفاد ثلثها تقريباً بأن هذه المعايير تؤدي إلى استبعاد المتقدمين الذين لا يغطي دخلهم قيمة الإيجار.
ويُظهر هذا التحول كيف أدت المثبطات الاقتصادية إلى خلق بيئة عمل تركز على الملاءة المالية وتجنب الديون، مما زاد من حدة الأزمة الهيكلية في سوق العقارات البريطاني.
في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" قال علي حمودي الخبير الاقتصادي، المختص في الشأن البريطاني: "أثرت السياسات الضريبية في بريطانيا، ولا سيما التغييرات التي طرأت منذ عام 2015، سلباً على تمويل الإسكان الاجتماعي وتوفيره، وذلك من خلال تقليل ربحية الملاك، وزيادة حالة عدم اليقين لدى المستثمرين، وتحويل الموارد، مما أدى إلى انخفاض عدد المساكن الميسورة التكلفة وزيادة الاعتماد على إعانات السكن، وخلق ما يُعرف بـ(أزمة الإسكان الخفية).
وأوضح أن سياسات رئيسية، مثل تقييد الإعفاءات الضريبية على فوائد الرهن العقاري للملاك الخصوصيين، ورفع ضريبة الدمغة، والإصلاحات المستمرة في نظام الرعاية الاجتماعية، أسهمت في جعل بناء وصيانة الإسكان الاجتماعي أكثر صعوبة على الجمعيات، بينما شجعت في الوقت نفسه على تفضيل التأجير الخاص على الخيارات الاجتماعية.
وذكر حمودي عدداً من السياسات الضريبية الرئيسية وتأثيراتها على القطاع وفقاً لمايلي:
- تخفيضات الإعفاءات الضريبية على فوائد الرهن العقاري (المادة 24): أدى تقليص الإعفاءات الضريبية لملاك العقارات المؤجرة إلى انخفاض ربحيتها، مما دفع البعض إلى البيع، وبالتالي انخفاض المعروض من الوحدات السكنية المتاحة للإيجار وزيادة الطلب على الإسكان الاجتماعي.
- ضريبة الدمغة على الأراضي (SDLT): أدت الرسوم الإضافية على العقارات الإضافية وارتفاع المعدلات الإجمالية إلى تثبيط الاستثمار والتنقل، مما أدى إلى حصر السكان وتقليل المخزون المحتمل.
- إصلاحات نظام الرعاية الاجتماعية (الائتمان الشامل): تُشكّل التغييرات في إعانة السكن ومعايير المساحة (ضريبة الغرف) ضغوطًا مالية على المستأجرين والمؤجرين، مما يُرهق موارد جمعيات الإسكان ويُعقّد خطط التطوير.
- ضريبة المجلس وضرائب العقارات: على الرغم من استنادها إلى القيم القديمة، تُؤدي مشاكل الضرائب العقارية عموماً إلى تشوهات في السوق وتُساهم في أزمة القدرة على تحمل تكاليف السكن.
التأثير الأوسع
وتحدث الخبير الاقتصادي حمودي عن عدد من العوامل التي تركت آثاراً أوسع على قطاع الإسكان البريطاني وفاقمت الأزمة، وفقاً لمايلي:
- انخفاض العرض والجودة: أدت التغييرات الضريبية إلى تباطؤ عمليات البناء الجديدة ودفع المستثمرين إلى الانسحاب، مما فاقم نقص المساكن بأسعار معقولة.
- زيادة التكاليف على الخزانة العامة: انخفاض العرض الخاص يعني زيادة الطلب على إعانة السكن، مما يزيد الإنفاق العام على الرغم من الجهود المبذولة لخفضه.
- عدم يقين المستثمرين: التغييرات المستمرة في قواعد ضريبة السكن تجعل الاستثمار طويل الأجل محفوفاً بالمخاطر، مما يُثني عن توفير رأس المال اللازم لتطوير الإسكان الاجتماعي.
وعن تأثير ذلك على تمويل الإسكان الميسور قال حمودي: "شهدنا بالفعل انخفاضاً في الاستثمار، إذ أن ارتفاع الضرائب والتكاليف يُثني عن الاستثمار في شراء العقارات بغرض التأجير، مما يُقلّص قطاع الإيجار الخاص ويُقلّل من خيارات الإسكان بأسعار معقولة، كما أشار إلى التحول نحو السكن بالتملك، حيث يهدف الإصلاح الضريبي إلى تشجيع السكن بالتملك عن طريق الحد من طلب الملاك، مما قد يُحسّن القدرة الشرائية لبعض المشترين.
وختم بقوله: "رغم عدم القضاء على سوق تمويل الإسكان المُيسر، إلا أن المشهد يتغير بشكل جذري، حيث تُفرض الضرائب الجديدة ضغوطاً مالية كبيرة، فضلاً عن تغيير ديناميكيات سوق الإسكان في المملكة المتحدة".
انعكاسات ركود العقارات الفاخرة على الإسكان الميسر
من جانبه، قال الرئيس التنفيذي لمركز "كوروم" للدراسات الاستراتيجية في لندن، طارق الرفاعي، في حديث خاص لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية": " لقد أضعفت السياسات الضريبية والمالية البريطانية محرك التمويل الذي اعتمد عليه قطاع الإسكان الاجتماعي لسنوات. فأصبح الإسكان الميسور التكلفة في العديد من المناطق، وخاصة لندن، يتطلب بشكل متزايد (دعماً متبادلاً) من مبيعات السوق الخاصة، وعندما تتباطأ هذه المبيعات، يصبح الجزء المخصص للإسكان الميسور التكلفة غير مجدٍ اقتصادياً بسرعة".
وفي الوقت نفسه، قال الرفاعي: "أدت سلسلة من الإجراءات التي استهدفت العقارات ذات القيمة العالية وطلبات المستثمرين إلى تراجع نشاط هذه الشريحة (العقارات الفاخرة) في السوق، مما يقلل من فائض العقارات الذي غالباً ما يستخدمه مطورو العقارات لدعم مشاريع الإسكان الميسور التكلفة، وهذا ما أعنيه من (الدعم المتبادل) من القطاع الخاص. فكجزء من التزاماتهم للمساهمة في معالجة أزمة الإسكان الميسور التكلفة، يلتزم مطورو العقارات الذين يرغبون في بناء عقارات ذات قيمة عالية ببناء عدد معين من وحدات الإسكان الميسور التكلفة كجزء من المشروع الكلي".
ومع ذلك، وبسبب تراجع سوق العقارات ذات القيمة العالية نتيجة للسياسات الحكومية، انخفض أيضاً بناء وحدات الإسكان الميسور التكلفة، بحسب تعبيره.
وأشار الرفاعي إلى أن الضرائب الجديدة والضغوط التنظيمية أدت إلى تضييق مناخ الاستثمار في قطاع الإسكان الإيجاري. وقال: "يواجه المالكون أعباءً ضريبية وتكاليف أعلى، مما أدى إلى خروج بعضهم من القطاع وزيادة الضغط على نظام الإسكان ككل. وفي الوقت نفسه، لم تواكب برامج دعم الإسكان ارتفاع الإيجارات، مما وسع الفجوة بين التكاليف الحقيقية وبين ما يمكن للمستأجرين ذوي الدخل المنخفض تحمله".





