النفط الثقيل يعيد فنزويلا إلى قلب الحسابات الأميركية
08:10 - 08 يناير 2026في ظل التحولات المتسارعة في أسواق الطاقة العالمية، يعود النفط الفنزويلي إلى واجهة الاهتمام الأميركي، ليس من زاوية الحجم الاحتياطي فقط، بل من منظور النوعية والمواءمة التقنية مع البنية التحتية للتكرير في الولايات المتحدة..
فرغم كون واشنطن أكبر منتج للنفط عالمياً، فإن نحو 70 بالمئة من مصافي التكرير الأميركية صُممت لمعالجة النفط الثقيل، في وقت يتركز فيه الإنتاج الأميركي الحالي على النفط الخفيف. هنا تبرز أهمية النفط الفنزويلي من نوع "إكسترا هيفي"، القابل للمزج مع الخام الأميركي الخفيف لإنتاج مزيج ملائم لهذه المصافي.
غير أن هذا الخيار يواجه تحديات جسيمة، إذ يبلغ الإنتاج الحالي نحو 900 ألف برميل يومياً، ويتطلب الحفاظ عليه استثمارات سنوية بقيمة 5.5 مليارات دولار، بينما يستلزم رفع الإنتاج إلى مستوى 3.4 ملايين برميل يومياً كما في عام 1998 استثمارات تُقدّر بـ190 مليار دولار على مدى 15 عاماً، في ظل تعقيدات الاستقرار الأمني والسياسي.
احتياطي هائل… وإنتاج في أدنى مستوياته
يؤكد المستشار وخبير أسواق الطاقة د. مصطفى البزركان أن الحديث عن امتلاك فنزويلا احتياطياً نفطياً يقدَّر بـ303 مليارات برميل لا يعني بالضرورة القدرة على تحويل هذا الرقم إلى إنتاج فعلي في المدى القريب. فالاحتياطي، وفق توضيحه، موجود تحت الأرض سواء في اليابسة الفنزويلية أو في المياه المقابلة لها، إلا أن استخراجه يحتاج إلى استثمارات وزمن وبنية تشغيلية غير متوفرة حالياً.
ويشير إلى أن إنتاج فنزويلا تراجع في شهر سبتمبر إلى نحو 436 ألف برميل يومياً، وهو أدنى مستوى له خلال سنوات، مقارنة بإنتاج بلغ 3.5 ملايين برميل يومياً في تسعينيات القرن الماضي، ما يعكس حجم العقبات التي تواجه أي محاولة لرفع الإنتاج.
تطورات متسارعة خلال 24 ساعة
يلفت البزركان إلى أن الأربع والعشرين ساعة الأخيرة شهدت ثلاثة تطورات بارزة، في مقدمتها تراجع أسعار النفط عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن بيع نفط فنزويلي إلى الولايات المتحدة بحدود 50 مليون برميل.
ويشرح أن هذا الرقم يعادل إنتاج فنزويلا عند مستويات سبتمبر لمدة 120 يوماً، ما يعني أن الكميات التي كانت متجهة إلى الصين ستتحول إلى المصافي الأميركية، عبر شركات النفط، وهو ما يفسر الأثر الفوري على الأسعار.
الشركات الأميركية في صلب المشهد
في التطور الثاني، يشير البزركان إلى اجتماع مرتقب بين رؤساء شركات النفط الأميركية والرئيس ترامب لمناقشة الخطوات التالية. ويستعيد في هذا السياق تصريحات سابقة لترامب قال فيها إن الولايات المتحدة لن تدخل عسكرياً ولن تستثمر مباشرة، بل إن الشركات الأميركية هي من ستقود الاستثمار.
ويؤكد البزركان أن ترامب قال حرفياً إن النفط في أراضي فنزويلا هو نفط أميركي، وهو ما يعيد النقاش إلى عام 1975، أي إلى مرحلة ما قبل تأميم النفط، ويفتح الباب أمام إعادة النفط إلى الشركات الأميركية.
عقبة الدستور وتأميم النفط
يرى البزركان أن من أبرز التحديات التي ستواجه فنزويلا والحكومة الجديدة مسألة إعادة النظر في الدستور الفنزويلي، ولا سيما ما يتعلق بالتأميم. فالسؤال الجوهري، وفق تحليله، يتمحور حول ما إذا كانت فنزويلا ستتراجع عن خطوات التأميم، وهي النقطة التي يركز عليها الرئيس الأميركي.
ويضيف أن التدخل قد لا يكون عسكرياً، بل عبر دخول الشركات النفطية الأميركية بقوة إلى السوق الفنزويلية.
تنافس نفطي على الأرض الفنزويلية
يوضح البزركان أن شركة شيفرون هي الشركة الأميركية الوحيدة العاملة حالياً داخل فنزويلا، إلا أن المرحلة المقبلة قد تشهد دخول شركات أخرى مثل إكسون موبيل، ما يجعل الأراضي الفنزويلية ساحة تنافس بين شركات النفط الكبرى.
ويربط ذلك بحساسية القطاع، كونه قطاعاً حيوياً لإيرادات الدولة وللأمن القومي الفنزويلي، إضافة إلى كونه جزءاً من منظومة الأمن القومي الأميركي.
اقتصاد متراجع وحاجة للتفاعل الإيجابي
يتوقع البزركان أن تتضح الرؤية بشكل أكبر مع معرفة ما ستفعله الشركات النفطية الأميركية ورد فعل الحكومة الفنزويلية.
ويرجّح أن يكون موقف الحكومة الفنزويلية إيجابياً في التعاطي، نظراً لتراجع الاقتصاد وارتفاع معدلات التضخم، رغم امتلاك البلاد أرخص سعر للجازولين في العالم، وهو عامل لا يكفي وحده لمعالجة التضخم.
ويؤكد أن الحكومة ستأخذ مصالحها القومية في الحسبان، وستتعامل تدريجياً، كما يفعل الرئيس الأميركي.
لماذا النفط الفنزويلي الثقيل؟
يفسر البزركان اعتماد المصافي الأميركية على النفط الثقيل بأن النفط الخفيف الأميركي، المكتشف بعد عام 2013، لا يلبي وحده احتياجات معظم المصافي المصممة لمعالجة النفط الثقيل الفنزويلي، الذي كان يصل سابقاً بأكثر من 1.5 مليون برميل يومياً.
ويضيف أن الحاجة إلى هذا النوع من النفط ترتبط أيضاً بإنتاج الديزل وأنواع وقود أخرى، ما يجعل نوعية النفط، وليس الكمية فقط، هدفاً أساسياً.
الأسعار وذروة الطلب على النفط
يشير البزركان إلى عقبة إضافية تتمثل في تراجع أسعار النفط، حيث تتراوح حالياً بين 55 و60 دولاراً للبرميل، مع توقع استمرار هذه المستويات في النصف الثاني من العام. لكنه يلفت إلى نقطة لم تحظَ باهتمام كافٍ، وهي أن عودة الإنتاج الفنزويلي، بالتوازي مع تراجع ترامب عن دعم مصادر الطاقة المتجددة، قد تؤدي إلى تأخير ما يعرف بذروة الطلب على النفط، ما يعني استمرار الطلب إلى ما بعد عام 2050.
احتياطي ضخم دون قلق فوري
يختم البزركان بالتأكيد على أن الاحتياطي يختلف جذرياً عن الإنتاج الحالي الذي لا يزال عند أدنى مستوياته، معتبراً أن ذلك لا يثير قلق الدول النفطية الأخرى. كما يستبعد عودة الإنتاج الفنزويلي خلال سنة أو سنتين إلى مستويات التسعينيات، ما يعكس فجوة زمنية واضحة بين الإمكانات النظرية والواقع الفعلي لقطاع النفط الفنزويلي.



