فنزويلا في قلب التدافع الجيوسياسي بين واشنطن وبكين
08:15 - 09 يناير 2026
في تطور لافت يعكس تحوّلات عميقة في موازين القوى الدولية، أعاد التحرك الأميركي السريع في فنزويلا تسليط الضوء على مستقبل النفوذ الصيني في أميركا اللاتينية، وعلى طبيعة العلاقة المعقّدة بين واشنطن وبكين في ما يُعرف تاريخياً بـ "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة.
هذا التطور، الذي تزامن مع اعتقال رئيس فنزويلا وإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطة أميركية لإدارة البلاد ومواردها، مثّل تهديداً مباشراً لسنوات من العلاقات الاستراتيجية التي نسجتها بكين مع دول المنطقة، وفي مقدمتها كراكاس.
الصين، التي تُعد الشريك التجاري الأول لدول أميركا اللاتينية باستثناء المكسيك، شهد حجم التبادل التجاري بينها وبين دول المنطقة قفزة من 12 مليار دولار عام 2000 إلى نحو 515 مليار دولار بنهاية عام 2024.
كما تستحوذ أميركا اللاتينية على نحو 18 في المئة من الاستثمارات الصينية الخارجية، بقيمة تقارب 568 مليار دولار، فيما تبلغ الديون الصينية على دول المنطقة حوالي 110 مليارات دولار، نصفها تقريباً على فنزويلا.
هذه الأرقام تضع التحرك الأميركي في سياق أوسع من مجرد أزمة سياسية عابرة، بل ضمن مسار استراتيجي يعيد تفعيل مبدأ "مونرو" القائم على حصر النفوذ في الأميركيتين بالولايات المتحدة.
انقلاب على قواعد النظام الدولي
يرى أستاذ الدراسات الدولية في جامعة Sun Yat-sen الصينية - الدكتور شاهر الشاهر في حديث خاص لسكاي نيوز عربية ضمن برنامج "بزنس مع لبنى" أن التحرك الأميركي يمثل انقلاباً على قواعد القانون الدولي والنظام الدولي الذي صاغته الولايات المتحدة نفسها عقب الحرب العالمية الثانية.
ويؤكد أن ما جرى في فنزويلا لم يكن مفاجئاً من حيث المبدأ، إلا أن الطريقة التي تم بها، ولا سيما سيناريو "خطف الرئيس نيكولاس مادورو"، شكّلت مفاجأة غير متوقعة. ويضع هذا السلوك في إطار تطبيق الاستراتيجية الأميركية للأمن القومي، التي تعيد إحياء مفهوم "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، في عودة واضحة إلى مبدأ "مونرو".
من المنافسة إلى التدافع الجيوسياسي
في ما يتعلق بانعكاسات هذا التحرك على الصين، يوضح د. الشاهر أن العلاقة بين واشنطن وبكين كانت قائمة أصلاً على المنافسة في ملفات متعددة وعلى امتداد عدة مناطق.
إلا أن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً من المنافسة التقليدية إلى ما يصفه بـ"التدافع الجيوسياسي"، وهو توصيف يتجنب استخدام مصطلح الصدام المباشر، لكنه يعكس احتدام التنافس على مناطق نفوذ حساسة.
علاقة صينية ـ فنزويلية متواضعة
على الصعيد الاقتصادي، يلفت د. الشاهر إلى أن العلاقات بين الصين وفنزويلا كانت، في جوهرها، متواضعة مقارنة بعلاقات بكين مع دول أخرى في أميركا اللاتينية. فمنذ عام 2013، الذي تزامن مع وصول الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى الحكم، شهدت العلاقات الاقتصادية تراجعاً كبيراً.
ويستشهد بتراجع واردات الصين من النفط الفنزويلي من مستويات كانت تقارب نصف الصادرات النفطية لفنزويلا، إلى نحو 8 في المئة فقط، أي ما يعادل 4 في المئة من إجمالي احتياجات الصين النفطية، وهو رقم يعتبره محدوداً وقابلاً للتعويض من مصادر أخرى.
النفط والديون ومعضلة الحماية
ويؤكد د. الشاهر أن النفط الفنزويلي لا يشكل سوى نسبة ضئيلة من واردات الصين، ما يقلل من أهميته الاستراتيجية المباشرة. غير أن الإشكالية الأكبر، برأيه، تتعلق بالديون والاستثمارات الصينية في فنزويلا.
فالصين، على عكس الولايات المتحدة التي تمتلك قواعد عسكرية، أو روسيا التي استخدمت أدوات أمنية مختلفة في مناطق أخرى، غير قادرة على حماية استثماراتها في الخارج.
هذه المعضلة دفعت بكين إلى تبني سياسة تحوط اقتصادي، وإعادة تقييم كلفة العلاقة مع دولة تعاني من مؤشرات الفشل الاقتصادي، في ظل منافسة حادة مع الولايات المتحدة.
استعداد صيني لإعادة التموضع
ويشير د. الشاهر إلى أن عدد الشركات الصينية العاملة في فنزويلا لا يتجاوز 48 شركة، معظمها شبه مغلق، ما يعكس استعداداً صينياً للانسحاب التدريجي ونقل الاستثمارات إلى وجهات أخرى. ويرى أن فنزويلا لم تكن مجرد مصدر نفطي للصين، بل مثّلت أيضاً موطئ قدم استراتيجي. وبالتالي، فإن اقتراب الولايات المتحدة من هذا الملف يعني، بشكل غير مباشر، اقترابها من المصالح الصينية، بما قد يفتح الباب أمام تدافع استراتيجي أوسع مع بكين.
شراكة لا تحالف
ورغم ذلك، يشدد د. الشاهر على أن الصين لا تتعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها عدواً، ولا تنظر إلى فنزويلا كحليف بالمعنى التقليدي. فبكين، على غرار واشنطن، تفضل استخدام مصطلح "الشريك الاستراتيجي"، بما يعكس مقاربة براغماتية قائمة على نقل المصالح عند الضرورة، دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة. ومن هذا المنطلق، يستبعد أن تذهب الصين إلى مواجهة مع الولايات المتحدة دفاعاً عن فنزويلا.
أميركا اللاتينية في الحسابات الصينية
وفي ختام تحليله، يؤكد د. الشاهر أن الصين تعيد حساباتها باتجاه دول أخرى في أميركا اللاتينية، حيث الاستثمارات الصينية كبيرة، ولا سيما في البرازيل. ويشير إلى حساسية هذا الملف، في ظل لجوء الصين إلى استئجار أراضٍ زراعية لتعويض واردات كانت تعتمد فيها على الولايات المتحدة. ورغم إدراك بكين للتهديدات، فإنها تظل متمسكة بهدفها الاستراتيجي الأوسع، المتمثل في إعادة تشكيل صورة النظام الدولي، وتفادي الانشغال بمواجهة مباشرة مع واشنطن. وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة، وفق هذا التحليل، إلى ترسيخ صورة الصين كحليف غير قادر على حماية شركائه، مستشهدة بما جرى في فنزويلا بوصفه نموذجاً دالاً على هذه الرسالة.





