صندوق النقد يخفض التوقعات.. والحرب تُعمّق الجرح الاقتصادي
08:03 - 16 أبريل 2026في خضمّ أشدّ موجات الاضطراب الاقتصادي العالمي حدةً منذ عقود، يُقدّم مستشار الاستثمار مازن سلهب خلال حديثه الى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية رؤيةً تحليلية نافذة تتحدى كثيرًا من المسلّمات السائدة؛ فمن مفهوم الذهب بوصفه "ملاذًا آمنًا"، إلى ثقة راسخة في بيتكوين على المدى البعيد، مرورًا بتشريح بنيوي لأزمة الاقتصاد العالمي التي يرى أن جذورها تسبق اندلاع الحروب الراهنة بعقدين كاملين.
خلال حديثه إلى برنامج "بزنس مع لبنى" على قناة سكاي نيوز عربية، رسم سلهب خريطةً استثمارية شاملة لمرحلة بالغة الحساسية.
تخفيض متحفّظ وأمل بنهاية سريعة للصراع
لفت سلهب إلى ما وصفه بالتحفّظ اللافت في تخفيض صندوق النقد الدولي لتوقعات النمو العالمي بمقدار 20 نقطة مئوية فحسب، مؤكدًا أن هذا الرقم المحدود ينطوي على رسالة ضمنية مفادها أن ثمة تفاؤلًا حذرًا بأن الصراع القائم قد ينتهي في وقت قريب، ولا سيما في ظل جولات التفاوض الجارية التي يُرجّح أن تُفضي إلى تسوية ما. ويرى سلهب أن صندوق النقد الدولي ينبني على قناعة راسخة بأن "لا اقتصاد على وجه الأرض يستفيد فعلًا من هذه الحرب".
بيد أن سلهب يُحذّر من الاطمئنان المبكر؛ إذ يُميّز بين تبعات الأزمة في راهنها وتداعياتها المستقبلية، معتبرًا أن "التبعات هي الأخطر وليست في الوقت الحالي". ويرى أن المكوّنات الأساسية للاقتصاد العالمي لم تتغيّر جوهريًا، غير أنها أُصيبت بضرر جليّ تجلّى في ارتفاع الأسعار وتصاعد التضخم، وهو تضخم وصفه بـ"العنيد"، مشيرًا إلى أنه "بقي عنيدًا وسوف يكون أكثر عنادًا في المرحلة القادمة".
جذر الأزمة في سياسات عقدين لا في أتون الحروب
يُقدّم سلهب تشخيصًا بنيويًا يخالف فيه السردية السائدة؛ إذ يعتبر أن الأزمة الاقتصادية الراهنة لم تنشأ بسبب الصراعات الجارية، بل تعود في أصولها إلى منهجية التعامل مع الاقتصاد العالمي خلال العقدين الأخيرين. ويوضح سلهب أن الاقتصاد العالمي كان يعتمد اعتمادًا شبه كلي على تدخّل البنوك المركزية؛ من ضخٍّ للسيولة بتريليونات الدولارات إلى خفض أسعار الفائدة بصورة مستمرة، وهو ما أفضى إلى بلوغ مستويات الديون في الاقتصاديات المتقدمة أرقامًا تاريخية غير مسبوقة.
ويُحلّل سلهب مكوّنات التضخم بدقة، مشيرًا إلى أن قطاع الإسكان يُشكّل وحده نحو 40 بالمئة من معدل التضخم، فيما يُسهم قطاع الطاقة بما بين 15 و18 بالمئة، وقطاع النقل بنحو 12 بالمئة.
وفيما قد تبدو حصة الطاقة متواضعة بمفردها، يُنبّه سلهب إلى أنها مرتبطة بكل القطاعات الأخرى، بما فيها الغذاء، مما يُضاعف تأثيرها التراكمي على بقية مكوّنات التضخم.
ويطرح سلهب معضلةً حقيقية: إذا استمرّت الحرب وارتفع التضخم أكثر، فإن البنوك المركزية ستواجه خيارين أحلاهما مرّ؛ إما الإبقاء على الفائدة المرتفعة بما يُجرّ الاقتصاد نحو الانكماش، أو خفضها بما يُغذّي التضخم. ويُقرّ بأن الحكم في هذا الملف "مبكر" لكونه رهينًا بمدة الصراع التي تبقى "غير واضحة".
الذهب ليس ملاذًا آمنًا.. بل مستودع للقيمة
يُفنّد سلهب ما يصفه بـ"الفكرة الخاطئة" الشائعة حول الذهب في أوقات الأزمات، مؤكدًا بصراحة تامة: "الذهب ليس ملاذًا آمنًا قولًا واحدًا". ويُبرّر موقفه بالقول إن من الصعب تسييل الذهب والحصول على سيولة سريعة في أوقات الحروب والأزمات.
في المقابل، يُعرّف سلهب الذهب على حقيقته؛ بوصفه "مستودعًا للقيمة" وأداةً تحوطية ضد التضخم. ويستشهد بأرقام دالة: فمن 500 دولار للأونصة حين كان الذهب عند تلك المستويات، وصل اليوم إلى نحو 4800 دولار، وهو ارتفاع يُعادل عملياً معدل التضخم التراكمي على مدى نحو خمسين عامًا. وقد بلغت نسبة النمو التراكمي للذهب منذ عام 2002 حتى اليوم نحو 9.8 بالمئة سنويًا، ليمنح حاملَه قدرةً على تعويض تراجع القوة الشرائية للعملات المحلية.
أما على المدى القريب، فيرصد سلهب تحديين رئيسيين أمام الذهب: الأول، بقاء عوائد السندات مرتفعة بما يُقلّص الجاذبية النسبية للذهب. والثاني، احتمال رفع أسعار الفائدة. غير أنه يميل إلى أن البنوك المركزية لن تلجأ إلى الرفع بل إلى الخفض، لا سيما إذا ثبت أن التضخم الناجم عن الحرب ذو طابع مؤقت، وهو ما سيكون بحسب تعبيره "بالضبط ما سوف يرفع الذهب في المرحلة القادمة".
الفضة بين صدمة الطلب وفرصة الارتداد
يُحلّل سلهب التراجع الحاد بنسبة 15 بالمئة الذي شهدته أسعار الفضة، مردًّا ذلك إلى سببين متشابكين: توقعات تراجع الطلب العالمي، إذ تُعدّ الصين وفق تعبيره "المحرك الأكبر للاقتصاد العالمي فيما يتعلق بالطلب على الفضة" إلى جانب الولايات المتحدة. فضلًا عن أن الفضة معدن صناعي بامتياز، مما يعني ابتعاد المستثمرين عنها تلقائيًا في أوقات الاضطراب، على النقيض من الذهب.
ويستعين سلهب بمؤشر دقيق يُسمّى "Gold/Silver Ratio" أي نسبة الذهب إلى الفضة، معتبرًا إياه أداةً تحليلية بالغة الأهمية. فعند قسمة سعر الذهب البالغ نحو 4802 دولارًاعلى سعر الفضة البالغ نحو 78 دولارًا، تُعطينا النسبة رقمًا قريبًا من 62، وهو مستوى يدل وفق قراءته على أن الفضة "لا تزال رخيصة" قياسًا بالذهب. وكانت هذه النسبة قد بلغت مستوى 100 قبل نحو أربعة أشهر، أي حين كانت الفضة تقارب 120 دولارًا، وهو ما أشار وقتها إلى ضرورة تصحيح السعر.
يرى سلهب أن الفضة أمامها مجال للارتفاع مجددًا، ويُرجّح أن تصل إلى مستوى 90 دولارًا خلال عام 2026، مدفوعةً بثلاثة عوامل: احتمال تعافٍ اقتصادي عالمي، وإمكانية انتهاء الصراع، واستمرار الطلب القوي من قطاعات التكنولوجيا والسيارات الكهربائية. ويُنوّه كذلك إلى ندرة الاكتشافات المنجمية الجديدة للفضة، قائلًا: "ما في عندنا أي اكتشافات جديدة في المناجم"، مما يُعيق أي تحسّن ملحوظ في جانب العرض.
الدولار استنفد زخمه.. واليورو والفرنك في صعود
يُعلن سلهب أن الدولار الأمريكي "ربما استنفد معظم قوته"، مستدلًا على ذلك بأن مؤشره اقترب من مستوى 100 نقطة وهو ما ينبئ باحتمال تصحيح وشيك، وإن كان يستبعد أن يكون هذا التصحيح سريعًا. ويُرجع ذلك إلى عوامل عدة، منها: السياسات المثيرة للقلق التي يتبناها دونالد ترامب، والخلاف المحتمل مع شركاء الاقتصاد الأمريكي بشأن قيادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي المقبلة، إضافةً إلى "لا يريد دونالد ترامب دولارًا قويًا"، وهو ما يُرجّح في نظره ارتفاع اليورو والين ياباني في المرحلة المقبلة.
خريطة المحفظة الاستثمارية في زمن الاضطراب
يختتم سلهب بتوصياته للمستثمرين، إذ يُوصي بأن لا تقل نسبة المعادن الثمينة في المحفظة الاستثمارية عن 30 بالمئة، مشيرًا إلى أن "الأصول الحقيقية" هي الرهان الأنسب في المرحلة الراهنة. كما يُنصح بتخصيص ما بين 15 و20 بالمئة نقدًا أو في أدوات سوق المال قصيرة الأجل (موني ماركت) لأجل ستة أشهر إلى سنة، للاستفادة من فرص التراجع. وفيما يتعلق بالسندات، يُحدد سلهب نافذته في المستحقات المتوسطة بين خمس وسبع سنوات، رافضًا السندات طويلة الأجل بصورة قاطعة.
أما الأسهم، فيرى سلهب فرصًا جيدة فيها، لكنه يحثّ على انتقاء القطاع بعناية. ويُثني على قطاع الطاقة، ويرى في تراجع أسهم التكنولوجيا فرصةً وقتية لا تُبرّر التخلي عنها كليًا. بيد أنه يُحذّر من الانجراف نحو الشركات الكبرى في قطاع الذكاء الاصطناعي التي باتت تعاني من مشكلة في التقييم، مُوصيًا عوضًا عن ذلك بقطاعات ذات طابع أكثر استراتيجية كالطيران والصناعات العسكرية المتقدمة والروبوتات.
وعلى صعيد العملات، يُوصي سلهب بتنويع الادخار بين الدولار الأمريكي والفرنك السويسري واليورو، مُعلّلًا اختياره للفرنك بكونه "عملة الملاذ الآمن" لبلد هو "الأكثر استقرارًا سياسيًا واقتصاديًا في العالم"، فيما يُعلن ثقته بسياسات البنك المركزي الأوروبي أكثر من نظيره الأمريكي من حيث الانضباط النقدي.
وفي ختام حديثه، يبقى سلهب مقتنعًا بالبيتكوين على المدى البعيد، منصحًا بشرائها تدريجيًا عبر المحفظة الرقمية الفعلية لا عبر الرافعة المالية، ويتوقع سلهب أن نُنهي عام 2026 بسعر يتراوح بين 90,000 و100,000 دولار للبيتكوين.





