هل أنهى الـ AI دور الوظيفة الأكثر ربحية في قطاع التكنولوجيا؟
13:35 - 15 يونيو 2026
لطالما اعتُبرت هندسة البرمجيات واحدة من أكثر المهن طلباً وربحية في قطاع التكنولوجيا، حيث أمضى الملايين من المبرمجين حول العالم سنوات في تعلم لغات البرمجة وصقل مهاراتهم التقنية لبناء التطبيقات والأنظمة الرقمية التي يعتمد عليها الاقتصاد الحديث.
ولكن هذه المهنة، التي شكلت لعقود بوابة رئيسية إلى وظائف المستقبل، تواجه اليوم تحولاً غير مسبوق بفعل التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي. فخلال الأشهر القليلة الماضية، أطلقت شركات التكنولوجيا الكبرى نماذج ذكاء اصطناعي، قادرة على تنفيذ مهام برمجية معقدة بسرعة قياسية، وهو ما كان يتطلب في السابق سنوات من التدريب.
وسواء أعجبهم الأمر أم لا، فإن مهندسي البرمجيات يخوضون اليوم غمار معركة وجودية، حيث يتسأءل هؤلاء عن جدوى أن تكون مبرمجاً في عصر أصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادراً على بناء التطبيقات وكتابة الأكواد دون الحاجة لخبرة البشر.
المهنة الأكثر تأثراً
وبحسب تقرير أعده موقع "بزنس إنسايدر"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن هندسة البرمجيات التي تستوعب عشرات الملايين من الكوادر عالمياً، كانت أكثر عرضةً للتأثر بالذكاء الاصطناعي من غيرها من المهن، إذ لم يعد بناء أي تطبيق يحتاج لكتابة كود برمجي بالطريقة التقليدية.
وهذا التحول الجذري الذي حصل خلال الأشهر القليلة الماضية، تغذى على طفرة أطلاق شركات التقنية الكبيرة مثل غوغل، وOpenAI، وAnthropic نماذج للذكاء الاصطناعي قادرة على أتمتة أعقد المهام البرمجية.
%75 من الأكواد
وبالنسبة للعديد من المهندسين البرمجيين، فإن ما حصل كان مزعزعاً للاستقرار، خصوصاً أنه في شركات مثل غوغل، بات الذكاء الاصطناعي يُساهم الآن في كتابة ما يصل إلى 75% من شيفرة الشركة، علماً
أن التغيير الحاصل الآن مرشح للتفاقم خلال الأشهر القليلة المقبلة، إذا واصلت برامج الذكاء الاصطناعي تطوير قدراتها في مجال البرمجة.
ساعة بدلاً من 3 أيام
وينقل تقرير "بزنس إنسايدر" عن إيمي سوريت، وهي مهندسة برمجيات من غرينفيل بولاية كارولاينا الجنوبية، أن أثر التحول في مهنة البرمجة بدأ يظهر لها في يناير 2026، عندما قامت بتشغيل برنامج Claude Code من Anthropic لمساعدتها في تصميم وبناء ميزة دفع لأحد عملائها، مشيرة إلى أن برمجة مثل هكذا مشروع كانت تستغرق يومين أو ثلاثة، إلا أن برنامج Claude Code أنجزه في ما يزيد قليلاً عن ساعة، وهو ما أكد لها أن هذا القطاع لن يكون كما كان في السابق.
بدوره يرى أندريه كارباثي، الباحث العلمي والمؤسس السابق في OpenAI والذي انضم مؤخراً إلى Anthropic، أنه قبل شهر ديسمبر 2025، لم تكن أنظمة البرمجة عبر الذكاء الاصطناعي تعمل بشكل أساسي، ولكن فجأة، حدث الانطلاق وتغيّر كل شيء.
إلى أين يتجه المبرمجون؟
بدلاً من التركيز على كتابة الأكواد سطراً تلو الآخر، يتجه دور المهندس البرمجي تدريجياً نحو إدارة أنظمة الذكاء الاصطناعي والإشراف عليها وتوجيهها لإنجاز المهام المطلوبة.
وفي هذا النموذج الجديد، يصبح المهندس مسؤولاً عن تحديد الأوامر والتعليمات ومراجعة النتائج والتأكد من جودتها ودقتها، إذ أن أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تزال بحاجة إلى إشراف بشري مستمر لتوجيه عملها وتصحيح أخطائها عند الضرورة.
ومع ذلك، لا يخفي بعض المهندسين استياءهم من هذا التحول، مشيرين إلى أن جزءاً متزايداً من وقتهم بات يُخصص لمراجعة الأكواد التي ينتجها الذكاء الاصطناعي وتنقيحها أو إصلاح المشكلات التي تظهر في التطبيقات المعقدة، بدلاً من تطويرها بأنفسهم كما كان الحال في السابق.
إضافة إلى ذلك، يفتح الذكاء الاصطناعي الباب أمام أدوار جديدة تتجاوز البرمجة التقليدية، من بينها ما يُعرف بـ"هندسة المنتجات"، وهو نهج يركز على تحديد ما يجب بناؤه ولماذا.
وفي هذا النموذج، تتزايد أهمية المهارات البشرية المرتبطة بالفهم والتحليل واتخاذ القرار، إذ تصبح القيمة الحقيقية للمهندس في قدرته على تقييم الأفكار وتحديد المشكلات التي تستحق الحل، والموازنة بين المزايا والعيوب المحتملة لكل خيار، وفهم احتياجات المستخدمين وتوقع ما يمكن أن يقدم لهم قيمة فعلية.
كيف اقتحم الذكاء الاصطناعي عالم البرمجة؟
ويقول الكاتب والمحلل المختص بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ألان القارح، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إنه لفهم ما يحدث اليوم في قطاع البرمجيات، يجب أولاً فهم الدور الحقيقي لمهندس البرمجيات، إذ أن كثيرين يعتقدون أن مهمة المبرمج تقتصر على كتابة الأكواد البرمجية، بينما الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير، فمهندس البرمجيات يقضي جزءاً كبيراً من وقته في تحليل المشكلات، وتصميم الحلول وربط الأنظمة المختلفة ببعضها البعض واختبار التطبيقات، واكتشاف الأخطاء وإصلاحها، إضافة إلى كتابة التعليمات البرمجية التي تسمح للتطبيقات بالعمل.
ويضيف القارح، أن ما جعل مهنة البرمجة من أكثر المهن ربحية خلال العقود الماضية، هو أن كتابة البرمجيات كانت تتطلب مزيجاً نادراً من المهارات التقنية والمنطقية، فضلاً عن سنوات طويلة من التدريب والخبرة، ولكن الذكاء الاصطناعي تمكن من اقتحام هذه المهنة بسرعة لأن البرمجة بطبيعتها تعتمد على لغة منظمة وقواعد واضحة، وهي البيئة المثالية التي تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي التعلم منها.
ويشير القارح إلى أن شركات التكنولوجيا الكبرى قامت خلال السنوات الماضية بتدريب نماذجها على كميات هائلة من الأكواد البرمجية المتاحة عبر الإنترنت، إضافة إلى ملايين الأمثلة الخاصة بحل المشكلات التقنية، حيث أنه ونتيجة لذلك، أصبحت هذه النماذج قادرة على التعرف إلى الأنماط البرمجية المتكررة، وفهم كيفية بناء التطبيقات، بل وحتى اقتراح حلول للمشكلات التقنية المعقدة.
ويوضح القارح أن التطور الأخير لم يقتصر على قدرة الذكاء الاصطناعي على كتابة أجزاء صغيرة من الأكواد، بل امتد إلى قدرته على بناء تطبيقات كاملة، وتنفيذ سلاسل طويلة من المهام بشكل شبه مستقل، فبعد أن كان المبرمج يستخدم الذكاء الاصطناعي كمساعد لكتابة بعض الأسطر البرمجية، أصبح بإمكانه اليوم أن يطلب منه إنشاء نظام كامل أو إضافة ميزة جديدة إلى تطبيق قائم خلال دقائق أو ساعات.
لماذا يشعر المبرمجون بالتهديد؟
ويرى القارح أن السبب الرئيسي وراء شعور كثير من المبرمجين بالقلق هو أن الذكاء الاصطناعي استهدف الجزء الأكثر استهلاكاً للوقت في عملهم، أي عملية البرمجة نفسها، ففي السابق كانت الشركات بحاجة إلى فرق كاملة من المطورين لتنفيذ المشاريع، أما اليوم فأصبح بالإمكان إنجاز جزء متزايد من هذه المهام بعدد أقل من الأشخاص.
انتقال لا اختفاء
ويؤكد القارح أن الحديث عن اختفاء مهنة البرمجة بالكامل، لا يزال أمراً مبالغاً فيه في الوقت الراهن، فالذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج الأكواد، لكنه لا يفهم أهداف الشركات أو احتياجات العملاء، كما يفعل البشر، كما أنه قد يرتكب أخطاء تقنية أو أمنية تتطلب مراجعة بشرية دقيقة، ولذلك فإن ما نشهده اليوم ليس نهاية مهندسي البرمجيات، بل انتقالهم من دور "كاتب الأكواد" إلى دور أكثر ارتباطاً بالإشراف والتصميم واتخاذ القرار، وهي مهام لا تزال تتطلب فهماً بشرياً عميقاً يصعب على الآلات تقليده بالكامل.
إشارات من سوق العمل
من جهتها تقول المستشارة في تطوير الأعمال ميراي ملكي، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن النقاش الدائر اليوم لا يجب أن يقتصر حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقضي على مهنة البرمجة أم لا، بل يجب أن يمتد إلى قراءة الإشارات التي يرسلها سوق العمل نفسه، فالتكنولوجيا لطالما كانت قطاعاً سريع التغير، والوظائف التي كانت الأكثر طلباً قبل عشر سنوات ليست بالضرورة الوظائف التي ستكون الأكثر طلباً خلال العقد المقبل.
وبحسب ملكي فإن التقدم الهائل الذي حققه الذكاء الاصطناعي في مجال كتابة الأكواد البرمجية، يعني أن الشركات لن تحتاج مستقبلاً إلى الأعداد نفسها من مهندسي البرمجيات الذين يقومون بالمهام التقليدية، فحين يصبح بإمكان مهندس واحد مدعوم بأدوات الذكاء الاصطناعي إنجاز ما كان يتطلب في السابق، فريقاً كاملاً من المطورين، فإن الطلب على الكوادر سيبدأ بالتحول من الكم إلى النوعية، أي من عدد المبرمجين إلى مستوى مهاراتهم وقدرتهم على العمل مع هذه الأدوات الجديدة.
أين تتجه الفرص؟
وتضيف ملكي إن هذه الحقيقة لا تعني أن الطلاب يجب أن يبتعدوا بالكامل عن دراسة علوم الحاسوب أو البرمجة، بل تعني أن عليهم إدراك أن سوق العمل يتغير، وأن المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مثل تحليل البيانات وتطوير النماذج الذكية والأمن السيبراني هي المجالات التي يزداد الطلب عليها، حيث نشهد اليوم نمواً متسارعاً في الطلب على خبراء البيانات، ومهندسي تعلم الآلة، ومتخصصي حوكمة الذكاء الاصطناعي، وخبراء تقييم النماذج الذكية، ومهندسي البنية التحتية الحاسوبية.
إعادة توزيع الوظائف
وتؤكد ملكي أن الذكاء الاصطناعي لا يدمر الوظائف بقدر ما يعيد توزيعها، فكل وظيفة تتراجع أهميتها تبرز إلى جانبها وظائف جديدة، لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة، علماً أن مهندسي البرمجيات الحاليين يمتلكون أفضلية مهمة مقارنة بغيرهم، وذلك كونهم يمتلكون خلفية تقنية قوية تسمح لهم بالانتقال إلى هذه المجالات الجديدة بسهولة.






