النفط، الدولار والهيمنة: التحرك الأميركي في قلب فنزويلا
08:01 - 06 يناير 2026شهد العالم صدمة غير مسبوقة مع اعتقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئيس الفنزويلي، وسط اتهامات وجهتها واشنطن لنظيره الفنزويلي بكونه تاجر مخدرات وتحميله سجلًا حافلًا بالجرائم الإنسانية. وفي المقابل، أثارت هذه الخطوة جدلاً واسعًا حول الدوافع الاقتصادية المحتملة وراء القرار، إذ يتهم البعض ترامب بالسعي للسيطرة على ثروات فنزويلا ومواردها الطبيعية الضخمة.
وتعد فنزويلا من أبرز الدول الغنية بالموارد الاستراتيجية على مستوى العالم، فهي تمتلك أكبر احتياطي نفط عالمي يبلغ 303 مليارات برميل، تصل قيمته بأسعار اليوم إلى نحو 18 تريليون دولار، وذلك دون احتساب تكاليف الاستخراج والإنتاج.
كما تستحوذ البلاد على 75 بالمئة من احتياطي الغاز في قارة أميركا الجنوبية، بما يعادل 6.3 تريليون متر مكعب، تكفي نظريًا لتلبية احتياجات العالم لمدة عام ونصف. وليس النفط والغاز وحدهما من كنوز هذا البلد، إذ يضم احتياطيًا من الذهب يصل إلى 8 آلاف طن، بقيمة تقدر حاليًا بنحو تريليون دولار، إلى جانب ثروات ضخمة من المعادن الحيوية والصناعية.
وفي تصريحات لاحقة، أقر ترامب بأن فنزويلا بعد حكم مادورو لن تكون كما كانت سابقًا، مؤكدًا أن شركات النفط الأميركية سيكون لها دور محوري في استغلال ثرواتها الهائلة، ما يفتح ملفًا حساسًا يجمع بين السياسة والاقتصاد على الساحة الإقليمية والدولية.
تدخل جيوستراتيجي يحاكي التاريخ الأميركي
يرى عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، د. محمد أنيس، خلال حديثه الى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية أن الأحداث الجارية في فنزويلا لا تندرج ببساطة تحت خانة السياسة أو الاقتصاد، بل تمثل حدثا جيوستراتيجيا يتضمن بعدًا اقتصاديًا لاحقًا، مؤكدًا على أهمية فهم التحرك الأميركي ضمن إطار السيادة الإقليمية.
وأوضح أن أي قوة عظمى يجب أن تحقق أولًا سيادة على الإقليم الذي تنتمي إليه، مع تعزيز قوتها الاقتصادية والعسكرية.
واستشهد د. أنيس بالتاريخ الأميركي، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة حققت سيطرتها على الأميركيتين في نهاية القرن الثامن عشر، وتبوأت الاقتصاد رقم واحد عالميًا بعد الحرب العالمية الأولى، ثم حافظت على قوتها العسكرية بعد الحرب العالمية الثانية.
وأضاف أن صعود الصين أوجد حالة من الشك في استمرار الولايات المتحدة كقوة عظمى، ما استدعى تحركًا أميركيًا حازمًا في فنزويلا للتأكيد على سيطرتها الإقليمية، بعد أكثر من عشرين عامًا من الوضع السياسي نفسه منذ عهد تشافيز.
النفط الفنزويلي: أثر محدود على المدى القصير وفرص على المدى المتوسط
فيما يتعلق بالبعد الاقتصادي، لفت د. أنيس إلى أن التأثير المباشر على سوق النفط العالمي لحظيًا محدود، نظرًا لأن إنتاج فنزويلا يشكل حوالي 1بالمئة فقط من الإنتاج العالمي، أي ما يعادل مليون برميل يوميًا من إجمالي 103 ملايين برميل.
لكن على المدى المتوسط، يتوقع أن يؤدي دخول الشركات الأميركية إلى زيادة الإنتاج إلى ما بين 3 و4 ملايين برميل خلال ثلاث سنوات، مما يعزز فائض المعروض في الأسواق ويحد من احتمالات ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 80-90 دولارًا للبرميل.
وأكد أن النفط الثقيل الفنزويلي سيذهب أساسًا إلى مصافي جنوب أميركا، لتعويض النفط الصخري الخفيف الأميركي المستخدم في الديزل والوقود البحري، مع الإشارة إلى أن إنتاج النفط الصخري الأميركي وصل إلى ذروته حاليًا ولن يشهد زيادة مستقبلية.
التأثير الاستراتيجي على اللاعبين الدوليين
أكد د. أنيس أن الصين ليست الخاسر الأكبر من التدخل الأميركي، فالصمت أو البيانات الشكلية ستكون الرد الرئيسي، مشيرًا إلى أن الخسارة الاستراتيجية تتجاوز بأضعاف خسارة البراميل النفطية، إذ تحمل الرسالة الجيوستراتيجية للعالم: من يعتمد على الصين أو روسيا قد يفقد موقعه بالكامل.
وأشار إلى أن التدخل الأميركي في فنزويلا يعزز وجود الولايات المتحدة في مناطق مثل بنما ويسيطر على الموارد الحيوية، مؤكدًا أن ذلك يتم دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر في كوبا أو كولومبيا، لكنه يحمل تبعات سياسية واضحة.
الدولار يكتسب قوة من اليقين الأميركي
اعتبر د. أنيس أن الأحداث في فنزويلا تعزز من مكانة الدولار، إذ تؤكد قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار كقوة عظمى من خلال القدرة العسكرية وإنفاذ الإرادة. ولفت إلى وجود مشكلتين أساسيتين، الأولى مالية مرتبطة بالدين، والثانية استراتيجية تتعلق بالاستمرارية كقوة عالمية، ما يجعل الدولار يظل في مواجهة باقي العملات الدولية بأفضلية واضحة.
المستفيدون الرئيسيون: الشركات الأميركية والطاقة المستقلة
وفق د. أنيس، المستفيد الاقتصادي الأبرز هو شركات النفط الأميركية، التي ستعمل تحت غطاء سياسي لتطوير البنية التحتية النفطية في فنزويلا، ما يعود أيضًا بالنفع على الدولة والمواطن الفنزويلي بشكل جزئي من خلال جزء من إيرادات النفط.
وأضاف أن الرسالة الاقتصادية التي تصل إلى روسيا وإيران ودول أميركا الجنوبية واضحة: الولايات المتحدة تعزل نظام الطاقة الخاص بها عن التأثير الخارجي، ما يمنحها السيطرة الكاملة على إنتاج الطاقة في منطقتها، ويقلص قدرة أي طرف آخر على تهديد النشاط الاقتصادي الأميركي.
واختتم بالإشارة إلى أن الصين ستظل تحت تأثير استراتيجي شديد، إذ ستضطر لاستنزاف رؤوس الأموال في مشاريع الطاقة المتجددة المكلفة، بما يتوافق مع الهدف الأميركي في تقليص الفائض التجاري الصيني الحالي.
تحرك الولايات المتحدة في فنزويلا هو تأكيد على سيطرتها الجيوستراتيجية والاقتصادية، يجمع بين البعد العسكري والسياسي، مع تأثير اقتصادي محدود على المدى القصير، وفرص استراتيجية للنفط الأميركي على المدى المتوسط، في رسالة واضحة لكل اللاعبين الدوليين.

