طريق بحر الشمال.. صراع النفوذ وتحول التجارة
17:30 - 28 أكتوبر 2026
تتجه الأنظار نحو القطب الشمالي مع تسارع الخطى بين بكين وموسكو لتعزيز قبضتهما على طرق الشحن البحرية القطبية، في خطوة تعيد ترتيب الخريطة الجيوسياسية والاقتصادية عالمياً، وتضع الاتحاد الأوروبي أمام تحدٍ استراتيجي غير مسبوق.
وبينما يتيح هذا المسار الناشئ تقليص زمن الرحلات البحرية بين آسيا وأوروبا وتوفير شريان حيوي لنقل الطاقة والسلع، يطرح هذا التحالف علامات استفهام حول حدود القدرة الأوروبية على التعاطي مع الواقع الجديد في الشمال الأقصى.
وأمام هذا التحول في موازين النفوذ، يبقى التحدي قائماً حول مدى جاهزية هذا الطريق للتحول من مسار موسمي هامشي إلى شريان استراتيجي دائم، وهو ما يدفع إلى التساؤل عما إذا كان طريق بحر الشمال سيتحول إلى بديل رئيس للممرات التقليدية، وعن مدى قدرة أوروبا على مواجهة الشراكة الصينية الروسية في القطب الشمالي، إضافة إلى طبيعة التأثير الذي ستتركه هذه الشراكة في الشمال على مستقبل التجارة العالمية.
تحالف قطبي مكثف ومحدودية في الخيارات الأوروبية
تتسارع خطى التعاون اللوجستي بين بكين وموسكو لتثبيت التواجد الصيني الروسي في القطب الشمالي، عبر اتفاق رسمي ينص على توسيع نقل البضائع، وزيادة الرحلات بين الموانئ، وتعميق الشراكة في بناء سفن قطبية مخصصة، بحسب تقرير نشرته شبكة (سي إن بي سي) واطلعت عليه سكاي نيوز عربية.
وأوضح التقرير أن هذه التحركات جاءت رداً على طرح الاتحاد الأوروبي استراتيجية جديدة لمواجهة النفوذ المتنامي للبلدين، غير أن خبراء اقتصاديين أكدوا أن الخيارات الأوروبية للتحدي تظل محدودة، في ظل إحكام موسكو سيطرتها على "طريق بحر الشمال" وإدارتها للتصاريح ورسوم العبور وأسطول كاسحات الجليد النووية، مقابل ما تقدمه بكين من بضائع وسفن وقدرات صناعية متكاملة.
وأشار التقرير إلى أن "طريق بحر الشمال" يبرز كبديل جذاب في ظل الاضطرابات التي تشهدها الممرات البحرية التقليدية في الشرق الأوسط، إذ تظهر بيانات شركة "فيرتاماكس" إمكانية تقليص زمن الرحلة بين آسيا وأوروبا إلى ما بين 18 و22 يوماً، بنسبة انخفاض تصل إلى 35 بالمئة مقارنة بممر قناة السويس.
ولفت الخبراء والمراقبون إلى أن هذا الشريان يمنح موسكو متنفساً لإعادة توجيه صادرات الطاقة نحو الأسواق الآسيوية للالتفاف على العقوبات الغربية، بينما يمنح بكين خياراً تجارياً إضافياً يقلل اعتمادها على الممرات البحرية الحساسة. كما نوّه الخبير الاستراتيجي ديفيد روش إلى أن الأهمية الرئيسية لهذا المسار لا تكمن فقط في تحول حركة الشحن، بل في تعميق الاعتماد الاقتصادي المتبادل وزيادة نفوذ الصين على روسيا نتيجة حاجتها لتصريف طاقتها وتدبير بدائل لأسواق الغاز الأوروبية التي فقدتها.
وذكر التقرير أن الاتحاد الأوروبي أقر بهذه التحديات الاستراتيجية عبر تحركات أعلنتها مسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس، حيث تتضمن الاستراتيجية الأوروبية تعزيز أسطول كاسحات الجليد، وتكثيف المراقبة البحرية، وتطوير البنية التحتية، فضلاً عن حماية الكابلات البحرية وإنشاء مركز للأمن البحري.
ومع ذلك، أفادت كبيرة الاقتصاديين في بنك "ناتيكسيس" أليسيا غارسيا هيريرو بأن هذه الخطوات قد ترفع التكاليف التجارية والتنظيمية لاستخدام المسار، لكنها لن تمكن أوروبا من منع الشراكة الروسية الصينية أو إيجاد بديل لها دون دفعة صناعية مستدامة. وأضاف التقرير أن المشغلين الغربيين يواجهون معضلة استراتيجية وعقبات معقدة تتعلق بالعقوبات والتأمين والامتثال، وهو ما دفع الرئيسي السابق للأبحاث العالمية في شركة "فيرتاماكس" دايجين لي لتأكيد أن هذا الطريق يمنح التنوع التجاري فقط وليس الاستقلالية الكاملة.
واختتم التقرير بالتحليل المالي والحجم الفعلي لحركة التجارة عبر هذا الممر، موضحاً أن القطب الشمالي لا يزال يشكل لاعباً هامشياً يمثل نحو 0.3 بالمئة فقط من حركة الشحن العالمية حالياً، مع توقعات بصولها إلى 1بالمئة بحلول عام 2030 استناداً إلى بيانات "روساتوم" والأمم المتحدة. وبيّن التقرير أن معظم حركة المرور الحالية تتركز في النفط والغاز المسال بدلاً من الحاويات التجارية، إضافة إلى تحديات التجمد ومصاريف التأمين ورسوم العبور التي تحد من الجاهزية على مدار العام.
وفيما رجح محللون استمرار الطريق كمسار موسمي سريع لبضائع محددة عالية القيمة بدلاً من استبدال قناة السويس، أظهرت بيانات سبتمبر 2026 نمواً في رحلات العبور لتصل إلى 3.7 مليون طن، في حين تشير دراسات مناخية إلى أن ذوبان الجليد المستقبلي قد يرفع الطاقة الاستيعابية السنوية للممر لتتراوح بين 127 و463 مليون طن بحلول عام 2050.
عقبات هيكلية تحول دون إزاحة الممرات التقليدية
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور عماد الدين المصبح أستاذ الاقتصاد في كليات الشرق العربي، في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية": "يتيح طريق بحر الشمال الممتد عبر الشواطئ الروسية إمكانية تختصر المسافة المباشرة بين الموانئ الصينية وأوروبا الشمالية بما يزيد على أحد عشر يوماً مقارنة بمسار قناة السويس أو ممر رأس الرجاء الصالح، وهو رقم يبدو جذاباً للوهلة الأولى من منظور خفض تكاليف الوقود وزمن الرحلة. غير أن الطرح الأكاديمي الهادئ يفرق بدقة بين مفهوم الشريان التكميلي الاستراتيجي ومفهوم البديل الشامل للممرات الملاحية الكلاسيكية".
وأوضح أن تقييم هذا الطريق من منظور اقتصاديات النقل يكشف عن عوائق هيكلية تمنعه من إزاحة الطرق الجنوبية التقليدية في المدى المنظور. وقال: "فالنافذة الملاحية المفتوحة بالكامل تظل محصورة في أشهر الصيف والخريف، بينما تفرض بقية أشهر السنة استعانة مكلفة بكسارات الجليد النووية لمرافقة السفن. يُضاف إلى ذلك غياب الموانئ ومراكز الترانزيت على طول هذا المسار النائي، وهي المراكز التي تشكل جوهر التجارة البحرية الحديثة من خلال تجميع البضائع وإنشاء القيمة المضافة إقليمياً".
وفي ظل ارتفاع أقساط التأمين ضد المخاطر القطبية ورسوم الترانزيت المرتفعة، يغدو هذا الطريق في الحقيقة خياراً تخصصياً مقتصراً على شحنات الطاقة والبضائع الصب بين آسيا وروسيا، أو ممر طوارئ لسلاسل الإمداد العالمية وقت الأزمات الملاحية الجنوبية، دون أن يمتلك المقومات الكفيلة بإلغاء محورية الممرات التاريخية الداعمة للتجارة المفتوحة طوال العام، وفقاً للدكتور المصبح.
ورداً على سؤال حول قدرة أوروبا على مواجهة الشراكة الصينية الروسية في القطب الشمالي قال الدكتور المصبح: "تقف القارة الأوروبية اليوم أمام واقع جيوسياسي جديد تفرض فيه الشراكة المتنامية بين بيكين وموسكو هيمنة ملموسة على طول الشواطئ الشمالية ليوراسيا. تدمج هذه الشراكة بين السيادة الإقليمية والأسطول الضخم لكسارات الجليد النووية التي تملكها روسيا، وبين رؤوس الأموال الضخمة والقدرات الصناعية البحرية المتقدمة والطلب الهائل على الطاقة من جانب الصين. وفي مواجهة هذا التحالف الواقعي، تدرك بروكسل الحدود الهيكلية لموقفها، إذ تفتقر الدول الأوروبية إلى القدرات البحرية القطبية الموازية، وتجد نفسها متأخرة خطوة على صعيد الاستثمارات اللوجستية والبنية التحتية في أقصى الشمال".
وأضاف: "تتجسد المفارقة الأساسية في التباين الأيديولوجي والتنظيمي بين الطرفين، ففي الوقت الذي تركز فيه الاستراتيجية الأوروبية المحدثة للقطب الشمالي على أولوية الاستدامة البيئية، والتغير المناخي، والحوكمة التنظيمية الصارمة، تتصرف روسيا والصين بمنطق جيواقتصادي نفعي مباشر يمنح الأولوية لتطوير الممرات البحرية واستخراج الموارد الطبيعية الحيوية كالنفط والغاز والمعادن دون التزام موازٍ بالقيود البيئية.
ورداً على هذا التحدي، يتضح أن أوروبا لا تراهن على منافسة تشغيلية مباشرة ومستقلة على الشواطئ القطبية الروسية، بل تتجه نحو التعاون الوثيق مع حلف شمال الأطلسي لتعزيز التواجد الأمني في نطاق القطب الشمالي الغربي، والتركيز على الردع العسكري، وحماية البنية التحتية الحيوية كالكابلات البحرية لشبكات الاتصالات، واستخدام الأدوات التنظيمية والمالية لتشديد الخناق على المعايير البيئية للملاحة القطبية، بحسب المصبح.
نظام مالي وتجاري مواز
أما عن تأثير الشراكة الصينية الروسية في الشمال على مستقبل التجارة العالمية فيقول الخبير الاقتصادي المصبح: "يتجاوز مشروع (طريق الحرير القطبي) المنبثق عن التحالف الروسي الصيني حدود الاختصار الجغرافي للمسافات، ليصبح أحد المحركات الرئيسة لإعادة تشكيل الخارطة الجيو-اقتصاديّة الدولية. ويمنح هذا الممر بكين متنفساً استراتيجياً هائلاً يتيح لها تجاوز المخاطر المتعلقة بمضيق مالقا وغيره من الاختناقات البحرية الجنوبية الواقعة تحت نفوذ القوى الغربية، مما يضمن للاقتصاد الصيني استمرار التدفقات السلعية واستقراره النفطي والمعدني حتى في أكثر سيناريوهات التوتر الجيوسياسي حرجاً.
علاوة على ذلك، يشرح الدكتور المصبح أن هذا التعاون المتزايد يؤسس لنظام لوجستي ومالي موازٍ ينشط خارج نطاق العقوبات والمؤسسات المالية الغربية، حيث تُسوى المعاملات التجارية وتدفع رسوم الملاحة بالعملات الوطنية كالروبل واليوان، وتغطي أخطار الشحن شركات تأمين شرق آسيوية وروسية، وهذا التحول لا يؤدي فقط إلى تغيّر اتجاهات سلاسل التوريد، بل يعيد توجيه موارد الطاقة القطبية الاستثنائية كالغاز الطبيعي المسيل في شبه جزيرة يامال مباشرة إلى الأسواق الآسيوية المتنامية، ما يحرم الاقتصاد الأوروبي مستقبلاً من مصادر طاقة قريبة ويثبت تحول مركز الثقل الصناعي والاستهلاكي للقطب الشمالي نحو الشرق، دافعاً التجارة العالمية بثبات نحو مرحلة أكثر انقساماً وتعدداً في أقطاب النفوذ والسيطرة.
مسار استراتيجي بديل وصعوبات تشغيلية
وفي حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" أوضح الخبير الاقتصادي علي حمودي أن "طريق بحر الشمال" قد يتحول إلى مسار مختصر ومفيد موسمياً لبعض الرحلات البحرية بين الصين وأوروبا، لكن من غير المرجح أن يحل محل المسارات المعتمدة في المستقبل القريب، مشيراً إلى أن وجود الجليد، والظروف الجوية الصعبة، ومحدودية البنية التحتية، وارتفاع تكاليف التأمين، فضلاً عن سيطرة روسيا على الوصول إلى الطريق والخدمات المرتبطة به، كلها عوامل تجعل استخدامه أقل قابلية للتنبؤ مما قد يوحي به مجرد مقارنة المسافات.
لذا، ينبغي النظر إليه لا كطريق بحري رئيسي جديد، بل كمسار استراتيجي بديل، تتفاوت قيمته وفقاً للظروف المحيطة والمتغيرات الجيوسياسية، بحسب تعبيره.
ويرى حمودي أنه من الصعب على أوروبا أن تضاهي بشكل مباشر الوجود الروسي في القطب الشمالي أو القدرات الصناعية الصينية الضخمة. وأضاف: "وبدلاً من ذلك، تكمن استجابة أوروبا الأكثر فاعلية في تعزيز قدرتها على الصمود، وذلك من خلال:
- حماية البنية التحتية تحت سطح البحر.
- تنويع سلاسل التوريد الحيوية.
- والاستثمار في القدرات الخاصة بالقطب الشمالي بالتعاون مع شركائها في الشمال.
- واستغلال نفوذها في الأسواق لفرض معايير موثوقة للسلامة وحماية البيئة.
وأكد حمودي أن جوهر النفوذ الأوروبي لا يكمن في السيطرة على الطريق ذاته، بل في ضمان عدم استغلاله لجعل أوروبا تابعة لأطراف أخرى أو عرضة للمخاطر.
قواعد تنظيمية أوروبية ومنافسة استراتيجية
ورداً على سؤال حول كيفية تأثير الشراكة الصينية-الروسية في الشمال على مستقبل التجارة قال الخبير الاقتصادي حمودي: "تضيف هذه الشراكة بُعداً جديداً للتجارة العالمية، إذ ستصبح مسارات الشحن، وموارد الطاقة، والمعادن، والبنية التحتية خاضعة بشكل متزايد لتأثير التحالفات الاستراتيجية، إلى جانب اعتبارات التكلفة والسرعة".
وأضاف: "قد يوفر هذا خياراً إضافياً لبعض شركات الشحن، لكنه في الوقت ذاته يركز السيطرة على ممر حساس في أيدي موسكو وبكين. وقد تكون النتيجة نظاماً تجارياً أكثر مرونة، ولكنه في المقابل أكثر انقساماً من الناحية السياسية، حيث تصبح إمكانية الوصول والموثوقية لا تقل أهمية عن زمن الرحلة".
ويختم حمودي بأن "منطقة القطب الشمالي تتحول في نهاية المطاف من تخومٍ هامشية إلى ساحة مركزية للمنافسة الاستراتيجية الشاملة. لا تستطيع أوروبا منع انفتاح هذه المياه، لكن بوسعها وضع (قواعد الطريق)، مما يجعل من الصعب والمكلف على التحالف الروسي-الصيني اعتبار هذه المنطقة غنيمة استراتيجية حصرية لهما".






