من يلتهم سوق الذهب؟
21:25 - 28 يناير 2026في الوقت الذي تواصل فيه أسعار الذهب تسجيل مستويات تاريخية، يبرز سؤال جوهري: من يقف خلف موجة الشراء القياسية؟ فرغم الانطباع الشائع بأن البنوك المركزية تقود هذه القفزة في الطلب، فإن البيانات المتاحة تشير إلى صورة أكثر تعقيدًا، وفقا لـ "فاينانشال تايمز".
داليو: التحول نحو الذهب يعكس اضطرابات النظام المالي العالمي
بحسب صحيفة فاينانشال تايمز، فقد أعاد رواد الأسواق المالية – ومنهم المستثمر الشهير راي داليو – إشعال الجدل حول دور البنوك المركزية في دفع أسعار الذهب إلى الأعلى. وخلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي "دافوس 2026"، قال داليو إن العالم يشهد "اختلالات وترابطات ضخمة"، وإن دولاً عديدة تتحوّط من مخاطر الوصول إلى رأس المال، ما يدفعها إلى زيادة مقتنياتها من الذهب، مضيفًا: "إنها بداية نهاية النظام النقدي كما نعرفه… وجميع العملات الورقية تعاني مشكلات مشتركة."
لكن رغم أهمية هذا الطرح، إلا أن الأدلة الفعلية ما تزال ضعيفة.
بيانات متأخرة… وإشارات غير حاسمة
بعكس صناديق المؤشرات المتداولة (ETF) التي تكشف الطلب شبه الفوري، فإن قياس مشتريات البنوك المركزية يظل مهمة صعبة. فهذه المؤسسات تقدّم بيانات احتياطياتها لصندوق النقد الدولي بتأخر قد يصل إلى ستة أشهر ضمن مراجعة سنوية تُعرف بـ"مشاورات المادة الرابعة".
وللحصول على قراءة أسرع نسبياً، يعتمد محللو السوق على بيانات التجارة الخارجية البريطانية الصادرة عن هيئة HMRC، كمؤشر بديل. فبما أن لندن تُعد أكبر مركز لتداول الذهب في العالم، فإن رقم الصادرات الشهرية البريطانية من الذهب غير النقدي يُستخدم كمؤشر تقريبي لمشتريات البنوك المركزية.
هذه البيانات أظهرت أن البنوك المركزية رفعت مشترياتها إلى مستويات قياسية تجاوزت 1000 طن سنويًا بعد أزمة أوكرانيا. لكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أنه بعد تعديل البيانات وفقاً للأسعار، فإن صادرات الذهب البريطانية تشهد تراجعاً مستقراً نسبياً منذ عام، وهو ما يضعف الفرضية القائلة بأن الشراء الرسمي ما يزال في منحنى صاعد.
وفي نوفمبر الماضي، هبطت الصادرات البريطانية بأكثر من 80 بالمئة على أساس سنوي، ما يجعل القول بأن البنوك المركزية تُكثّف مشترياتها ادعاء يصعب دعمه بالأرقام.
الصين… المشتري الأكثر ثباتًا
ليس من المفاجئ أن تتصدر الصين قائمة مستوردي الذهب من بريطانيا خلال نوفمبر؛ إذ تواصل البلاد تعزيز حيازاتها، لتتجاوز 2300 طن حتى ديسمبر 2025. وتمثل هذه الكمية نحو 8.5 بالمئة من إجمالي الاحتياطيات الصينية.
لكن رغم أن الصين تشتري الذهب للشهر الرابع عشر على التوالي، فإن الزيادة الضمنية لشهر نوفمبر – أقل من 10 أطنان – تبدو دون المعتاد، ولا تدعم الرواية القائلة بأن بكين ترفع مشترياتها بوتيرة متسارعة.
عندما ترتفع الأسعار.. تتراجع المشتريات
من منظور آخر، يرى محللو مورغان ستانلي أن البنوك المركزية تميل إلى تقليص مشترياتها عندما ترتفع قيمة احتياطيات الذهب لديها طبيعيًا، إذ يُفترض – تاريخيًا – أن الدول تستهدف نسبة معينة من الذهب ضمن احتياطياتها.
لكن المفاجئ كان إعلان البنك المركزي البولندي عزمه زيادة احتياطيات الذهب بمقدار 150 طناً، لترتفع إلى 700 طن، رغم أن ارتفاع الأسعار كان من شأنه أن يحقق هدفه السابق تلقائيًا تقريبًا.
ويشير هذا التحول إلى استهداف كمية مطلقة بدلاً من نسبة مئوية إلى نية بولندا مواصلة الشراء رغم ارتفاع الأسعار. وإذا ما تبنت بنوك مركزية أخرى هذا النهج، فقد يؤدي ذلك إلى نمو إضافي في المشتريات خلال السنوات المقبلة بغض النظر عن السعر.
ومع ذلك، فإن واردات بولندا من المملكة المتحدة في نوفمبر – والبالغة 0.00002 طن فقط – لا توحي بتجاهل الأسعار، ولا تدعم وجود موجة شراء نشطة.
أما بالنسبة لبنك الشعب الصيني، فقد سادت تكهنات قبل أشهر بأنه قد يستهدف رفع الذهب إلى 20 بالمئة من الاحتياطيات. وبمعدل الشراء المتوسط منذ 2022 – نحو 33 طناً شهرياً – فإن تحقيق هذا الهدف سيستغرق قرابة ثماني سنوات، وهو ما كان سيشكل دعماً قوياً للأسعار. لكن التباطؤ الأخير في الصادرات البريطانية إلى الصين لا يدعم هذا السيناريو.
البيانات البديلة تؤكد الصورة نفسها
يتابع محللو SG Securities بيانات خزائن رابطة سوق السبائك في لندن (LBMA)، والتي تُظهر تراكمًا بنحو 199 طنًا في ديسمبر.
تاريخيًا، يرتبط تراكم الذهب في الخزائن بانخفاض صادراته، أحياناً لا تتجاوز 4 أطنان طوال الشهر، ما يعني غالبًا أن البنوك المركزية ليست في حالة شراء قوية.
المستثمرون الأفراد قد يكونون القصة الحقيقية
تشير البيانات من مختلف المصادر إلى أن احتمال موجة شراء الحكومات للذهب قد بلغت ذروتها بالفعل أو ربما قد وصلت إلى نهايتها. وكما يذهب بعض المحللين، فإن ملاحقة الزخم – من قبل الصناديق والمستثمرين – قد تكون العامل الأبرز وراء صعود الذهب مؤخرًا، أكثر من كونه نتيجة لمشتريات البنوك المركزية.
وكما يقول المحرر المالي في صحيفة فايننشال تايمز، روب أرمسترونغ، فإن ملاحقة الزخم من قبل الصناديق والمستثمرين تبدو التفسير الأكثر إقناعاً لقوة الذهب في الأشهر الأخيرة.
أما السؤال حول ما إذا كانت "الحمّى الذهبية" عقلانية أم لا، فهو نقاش مختلف تمامًا… وربما من الأفضل عدم الخوض فيه الآن.
