كيف تحول زيت الوقود من منتج مهمل إلى تهديد للاقتصاد العالمي؟
14:18 - 18 مارس 2026
في صناعة النفط، يُعرف "زيت الوقود" تقليدياً بلقب "قعر البرميل"، باعتباره من أرخص المنتجات وأقلّها جاذبية في الأسواق، ولكن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب، إذ تحوّل هذا المنتج إلى سلعة مرتفعة الثمن بشكل ملفت، في تطوّر يعتبر نذير شؤم للاقتصاد العالمي.
ويتم استخلاص "زيت الوقود" فعلياً من قاع هيكل مصفاة التكرير، التي يتم عبرها تسخين النفط الخام وتفكيكه إلى مشتقات متعددة، ولذلك تم تلقيبه بـ"قعر البرميل".
ورغم أن هذه المادة يتم إنتاجها في أدنى مراحل تكرير النفط الخام، إلا أنها تبقى واحدة من أكثر المنتجات النفطية أهمية بالنسبة للاقتصاد العالمي.
فـ "زيت الوقود" هو الوقود الأساسي الذي تعتمد عليه سفن الشحن العملاقة، ولا سيما سفن الحاويات التي تنقل الجزء الأكبر من تجارة العالم بين القارات.
وبفضل "زيت الوقود" تستمر حركة الموانئ وسلاسل الإمداد العالمية في العمل، ولذلك، فإن أي اضطراب في إمدادات هذا الوقود أو أي ارتفاع كبير في أسعاره يمكن أن ينعكس مباشرةً على تكاليف الشحن البحري، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع تكاليف نقل السلع وزيادة الضغوط على التجارة العالمية بأكملها.
وضع مثير للقلق
وبحسب تقرير أعدته "بلومبرغ"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإنه حتى الآن، ورغم ارتفاع الأسعار بشكل كبير تمكنت سوق الطاقة وتحديداً سوق النفط، من الصمود أمام صدمة الحرب بشكل معقول، ولكن وضع "زيت الوقود" مثير للقلق ولا يحظى بالاهتمام الكافي، حيث أصبحت إمدادات هذه المادة منخفضة للغاية في اثنين من أهم ثلاثة مواقع للتزود بها، أي في سنغافورة وفي الفجيرة في الإمارات العربية المتحدة.
وأيضاً بدأت تلوح في الأفق مؤشرات مقلقة حول تناقص إمدادات "زيت الوقود" ضمن قائمة أكبر عشرة مراكز عالمية للتزود بهذه المادة، رغم أن الإمدادات لا تزال مستقرة في موانئ أوروبا والولايات المتحدة.
انفصال تاريخي
وعادةً ما تتحرك أسعار النفط الخام بالتوازي مع أسعار المنتجات المكررة المستخلصة منه، ولكن الظروف الحالية الاستثنائية التي يمر بها العالم كسرت هذا النمط المعتاد، فمثلاً عندما وصل مؤخراً سعر برنت إلى 100 دولار للبرميل، سبقه "زيت الوقود" ليتم تداوله بنحو 140 دولاراً للبرميل في سنغافورة.
أما في ميناء الفجيرة، فيقترب سعر "زيت الوقود" من 160 دولاراً للبرميل، بينما تصل بعض الأنواع المطابقة لمعايير بيئية أكثر صرامة، إلى نحو 175 دولاراً للبرميل، حيث تُعتبر هذه الأسعار غير مسبوقة، وتفوق بكثير الذروات المسجلة في عامي 2008 و2022.
خلفيات الأزمة
ويعزى هذا الارتفاع في الأسعار إلى تعطل حركة مرور السفن عبر مضيق هرمز، فالممر المائي ليس مجرد طريق لملايين براميل النفط الخام، بل هو أيضاً قناة رئيسية لكميات كبيرة من "زيت الوقود" التي يتم تكريرها في مصافي سعودية وكويتية وإماراتية، إذ تُنتج هذه المصافي مجتمعة 20 في المئة من زيت الوقود المتداول عالمياً، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.
مُعضلة البدائل
ورغم أن العديد من الدول خارج الخليج العربي تنتج "زيت الوقود"، إلا أن خامات النفط من الخليج تنتج كميات أكبر من هذه المادة مقارنة بخامات مناطق أخرى، فعلى سبيل المثال، وعند تقطير خام "أراب لايت"، وهو الخام الرئيسي في السعودية، نجد أن حوالي 50 في المئة من الناتج، عبارة عن "مخلفات"، وهي المادة المستخدمة في صناعة "زيت الوقود"، في حين أنه وعند تقطير خام "غرب تكساس الوسيط" نجد أن حوالي 33 في المئة من الناتج عبارة عن "مخلفات".
ولذلك، فإنه حتى عندما تلجأ مصافي التكرير في آسيا إلى خامات بديلة من الولايات المتحدة أو روسيا، تكون كمية "زيت الوقود" المنتجة تكون أقل بكثير مما تنتجه خامات دول الخليج العربي.
خطر النفاد
ورغم أن صناعة الشحن، معروفة بتحفظها عن الكشف عن أي تصريحات علنية، إلا أنها دقّت ناقوس الخطر بشأن نقص "زيت الوقود"، حيث صرّح فينسنت كليرك، الرئيس التنفيذي لشركة الشحن العملاقة إيه بي مولر – ميرسك إيه/إس، لصحيفة لوموند الفرنسية هذا الأسبوع قائلاً: "إذا لم نتحرك، فإننا نخاطر بنفاد الإمدادات في آسيا".
وفي الوقت الحالي، تسعى صناعتا الشحن والنفط جاهدتين للتخفيف من حدة النقص، من خلال نقل "زيت الوقود" من موانئ في أوروبا، مثل روتردام وجبل طارق، ومن الولايات المتحدة، مثل لونغ بيتش وبنما، إلى آسيا.
غير أن استمرار إغلاق مضيق هرمز يزيد من خطر عدم توفر الوقود الكافي للسفن لمواصلة الإبحار ونقل البضائع.
أسباب انفصال الأسعار
ويقول المهندس النفطي أنطون شماس، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الارتفاع الحاد في أسعار "زيت الوقود" يعكس خللاً هيكلياً في سوق المشتقات النفطية، ناتج عمّا يحدث في مضيق هرمز، حيث أدّى تعطل تدفقات الإمدادات من أحد أهم مراكز الإنتاج والتصدير في العالم، إلى اختناق في المعروض، خصوصاً لهذا النوع من الوقود الذي يتمتع بمرونة عرض محدودة، ما تسبب في انفصال أسعاره عن أسعار النفط الخام وارتفاعها بوتيرة أسرع من المعتاد.
مشيراً إلى أن الاختلال الحاصل حالياً في السوق يرتبط بعوامل جيوسياسية ظرفية، ولكنه يكشف عن هشاشة في توازن سوق التكرير العالمية، حيث إن القدرة على تعويض النقص في "زيت الوقود"، تبقى محدودة مقارنة بمنتجات أخرى.
ويوضح شماس أن قدرة المصافي على إنتاج "زيت الوقود" محدودة بطبيعتها، ولا يمكن ببساطة إنتاج كميات إضافية بسرعة عند حدوث أي نقص، فمعظم المصافي مصممة لإنتاج مجموعة محددة من المنتجات وفق نسب ثابتة، ما يجعل زيادة إنتاج "زيت الوقود" صعبة دون إعادة تهيئة العمليات أو اللجوء إلى تقنيات مكلفة، وهذا يعني أن أي اضطراب في مواقع الإنتاج الرئيسة مثل الخليج العربي، يخلق فجوة مباشرة في المعروض لا تستطيع السوق تعويضها بسهولة، حتى مع وجود مخزونات استراتيجية أو بدائل من مناطق أخرى.
قفزة في تكاليف التشغيل
ويرى شماس أن أزمة "زيت الوقود" تكشف عن نقطة ضعف أساسية أخرى ترتبط بهيكل التجارة العالمية، التي تعتمد بشكل كبير على وقود واحد، لتشغيل العمود الفقري للنقل البحري المتمثل بسفن الحاويات العملاقة، المسؤولة عن نقل نسبة ضخمة من التجارة العالمية.
وهذا ما يضع الاقتصاد العالمي أمام تحديات مزدوجة، تتمثل في ارتفاع تكاليف النقل وإمكانية حدوث فجوات في توفر السلع الأساسية، مع الإشارة إلى أن ارتفاع سعر "زيت الوقود" إلى المستويات الحالية يعني أن تكلفة تشغيل السفن قد قفزت بنسبة تتجاوز 100 في المئة في غضون أسابيع.
تراوح سعر برميل زيت الوقود في الأسبوع الثالث من فبراير الفائت بين 60 و 63 دولاراً أميركياً ليصل الآن إلى ما يفوق 150 دولاراً أميركياً.
خيار تقليل السرعة
من جهته يقول الكاتب والصحفي المختص بالاقتصاد جوزيف فرح، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إنه لا يوجد بديل سريع لـ "زيت الوقود" في تشغيل سفن الشحن العملاقة، حيث إن تحوّل هذه السفن إلى الغاز الطبيعي المسال أو الميثانول يتطلب محركات مزدوجة وتعديلات تقنية تستغرق سنوات، لافتاً إلى أنه في حال استمرار هذه الأزمة، سنشهد ظاهرة "الإبحار البطيء" حيث تقوم السفن بتخفيض سرعتها لتقليل استهلاك الوقود، مما يعني تأخراً في وصول الشحنات واضطراباً في جداول الإنتاج العالمي.
ويلفت فرح إلى أن الخيار العلمي الثاني يتمثل بنقل فائض "زيت الوقود" المتوفر في الموانئ الأوروبية والأميركية التي تعتمد خامات مختلفة، إلى الموانئ في آسيا التي تعاني من نقص في هذه المادة.
إلا أن هذه العملية تزيد من كلفة طن "زيت الوقود" وتساهم في رفع السعر النهائي بشكل تضخمي، كاشفاً أن ارتفاع أسعار "زيت الوقود" لا يؤثر فقط على شركات الشحن، بل يمتد إلى كامل سلسلة القيمة من المصنع إلى المستهلك، إذ أن أي زيادة في تكلفة الشحن البحري تنعكس على أسعار السلع، خصوصا السلع الأساسية والمواد الغذائية.
سيناريو عال المخاطر
ويرى فرح، أن استمرار تعثر حركة مرور السفن في مضيق هرمز، يمثل سيناريو عال المخاطر، حيث يمر عبره نحو 20 في المئة من تجارة النفط ومشتقاته، ما سيخلق اختلالات كبيرة في الأسواق الدولية، ويضع المصافي العالمية أمام مأزق تقني يتمثل في ندرة الخامات الثقيلة، مما يعمق أزمة نقص زيت الوقود ويرفع أسعار المشتقات النفطية إلى أرقام غير مسبوقة.













