الأردن يراهن على الصناعة للنهوض.. والقضاة يكشف خارطة الطريق
08:11 - 06 مايو 202612 مليار دولار صادرات صناعية، و24 بالمئة مساهمة في الناتج المحلي الإجمالي، و130 سوقاً حول العالم تستقبل المنتج الأردني — أرقام لا تصدر عادةً عن دولة تخلو أراضيها من الطاقة الطبيعية.
لكن الأردن صنع من غيابها فرصة، ومن شُحّها دافعاً نحو نموذج صناعي يرتكز على القيمة المضافة والتخصص والانفتاح التجاري. على هامش فعاليات "اصنع في الإمارات 2026"، تحدّث وزير الصناعة والتجارة والتموين يعرب فلاح القضاة خلال حديثه الى سكاي نيوز عربية بلغة الأرقام والمشاريع عن عام وصفه بـ"المفصلي والمحوري"، مُسدلاً الستار عن خطط تستهدف مضاعفة الصادرات الصناعية إلى 28 مليار دولار ومنح المملكة موقع المحرّك الرئيسي لإعمار المنطقة.
حين يصبح الفقر في الموارد محرّكاً للتنويع
لا يمتلك الأردن آباراً نفطية ولا احتياطيات غاز تُذكر. وبدلاً من أن يكون ذلك نقطة ضعف بنيوية، جعله يصوغ استراتيجية صناعية تقوم على القيمة المضافة العالية، بوصفها الحلّ البديل عن الريع الطبيعي.
وقد أفضت هذه الاستراتيجية إلى نتائج لافتة؛ إذ بلغت مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي نحو 24 بالمئة بقيمة تجاوزت 13 مليار دولار.
ويُضاف إلى هذه الإنجازات أن الأردن حلّ في المركز الأول عربياً من حيث مساهمة قطاع الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الماضي، وهو تقدّم يعكس عمق التحوّل الهيكلي الذي شهده الاقتصاد الوطني.
وتجاوزت قيمة الصادرات الصناعية في العام ذاته 12 مليار دولار، يُنتجها نحو 18 ألف منشأة حرفية وصناعية موزّعة على مختلف أنحاء المملكة، تُصدّر ما يزيد على 1500 سلعة إلى 130 سوقاً حول العالم.
ثلاث ركائز.. وقطاعات بعيدة عن الاكتظاظ التنافسي
كشف الوزير القضاة أن التنمية الصناعية الأردنية ارتكزت على ثلاثة محاور متكاملة: استثمار الموارد الطبيعية المتاحة، ورفع القيمة المضافة المحلية، واستهداف قطاعات ذات منافسة محدودة عالمياً.
وعلى صعيد الموارد، حرص الأردن على تطوير صناعتَي الفوسفات والبوتاس ليتجاوز حدود الاستخراج الخام نحو التحويل الصناعي، كإنتاج الأسمدة وسلاسل التصنيع المتقدمة. وفي هذا السياق، أكد القضاة أنه "لا يُعطى حقوق تعدين جديدة في الأردن إلا إذا ارتبطت بصناعة الصناعات التحويلية"، تعظيماً للقيمة المضافة على الاقتصاد الوطني.
أما على صعيد اختيار القطاعات، فقد نجح الأردن في بناء صناعة دوائية رائدة، باتت تحتلّ المرتبة الثالثة في سلّم الصادرات الوطنية. وإلى جانب ذلك، برزت صناعة الألبسة بوصفها مورداً اقتصادياً واجتماعياً في آنٍ معاً، إذ تُصدّر المملكة ما يتجاوز 2 مليار دولار من المنسوجات والملابس سنوياً إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، فضلاً عن دور بارز في توظيف المرأة الأردنية ودمجها في قطاع الصناعة، وهو بُعد اجتماعي يُعلي من قيمة هذا القطاع.
2026 عام الارتفاع بالصادرات وتسخير المشاريع الكبرى
وصف الوزير القضاة عام 2026 بأنه "مفصلي ومحوري" في مسيرة الصناعة الأردنية، مستنداً إلى مؤشرات تصديرية متصاعدة؛ فقد نمت الصادرات الصناعية الوطنية، باستثناء إعادة التصدير، بنحو 10 بالمئة في عام 2025 مقارنةً بعام 2024، ثم جاء الشهر الأول من 2026 ليُسجّل نمواً إضافياً بلغ 11 بالمئة.
غير أن المشهد لا يقتصر على الصادرات. فثمة ثلاثة مشاريع ضخمة تُعيد رسم الخارطة الصناعية والبنية التحتية: الناقل الوطني للمياه، وهو الأضخم من نوعه في المنطقة، ومشروع السكك الحديدية المنجز بشراكة إماراتية أردنية، إضافةً إلى مدينة عمرة الجديدة بوصفها مشروعاً عقارياً متكاملاً. وسيُضخّ عام 2027 ما يقارب 9 مليارات دولار في هذه المشاريع العملاقة، مع التركيز على توطين المكوّن الصناعي المحلي بنسبة عالية، بما يُعظّم الصناعة القائمة ويخلق فرصاً لصناعات جديدة مرتبطة بهذه الأوراش التنموية الكبرى.
منظومة اتفاقيات التجارة الحرة.. درع الميزة التنافسية
في عالم باتت فيه الدول، لا الشركات وحدها، تتنافس عالمياً بكل معنى الكلمة على حدّ تعبير الوزير، تمتلك المملكة الأردنية الهاشمية محفظةً استثنائية من اتفاقيات التجارة الحرة، تشمل منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأميركية، وكندا، وسنغافورة. ويسعى الأردن حالياً إلى توسيع هذه المنظومة لتشمل دول وسط آسيا وشرق أفريقيا.
وتُتيح هذه الاتفاقيات للمنتج الأردني دخول تلك الأسواق معفىً من الرسوم الجمركية، ما يمنحه ميزةً تنافسية واضحة.
ويستشهد القضاة على ذلك بالنمو المضطرد في الصادرات الأردنية على مدار السنوات الماضية، مؤكداً أن التنوّع في الأسواق التصديرية والمنتجات المُصدَّرة يعكس متانة هذه المنظومة.
بوابة إعمار المنطقة: فرصة تاريخية في صميم الأزمة
يرى القضاة أن الموقع الجغرافي للأردن - الحدود المشتركة مع سوريا والعراق وفلسطين والمملكة العربية السعودية - يُحوّله إلى محور لا غنى عنه في مرحلة إعادة الإعمار الإقليمية المرتقبة، سواء في سوريا أو في غزة والضفة الغربية التي أكد الوزير أنها "تعاني معاناة شديدة" كما تعاني غزة، وهي فرص كبيرة جداً بحسب تعبيره.
ولتحويل هذه الرؤية إلى واقع، تُطوّر المملكة منطقة المفرق التنموية شمالاً، لتضمّ مطاراً للشحن، ومناطق صناعية مؤهّلة، ومستودعات تخزين متطورة، وبوندات جمركية، تتركّز في مجملها على النشاطات المرتبطة بالإعمار. كما يجري العمل على خطة شاملة للربط السككي تصل من دول الخليج العربي إلى أوروبا، عابرةً الأردن بوصفه ممراً لوجستياً استراتيجياً لا بديل عنه.
الصمود أمام الأزمات المتلاحقة.. ومناعة تتجاوز الأزمة الواحدة
لم يتجاهل الوزير الواقع الصعب. فقد أقرّ بأن الأردن يعيش منذ سبعة عقود دوّامةً من الأزمات المتعاقبة: الحرب الأهلية في العراق، وتمدّد داعش، والنزاع السوري، ثم جائحة كوفيد، وصولاً إلى تداعيات الحرب على غزة. وفي كل مرة كان الاقتصاد يبدأ الانتعاش حتى تداهمه الأزمة التالية، مع ما خلّفته من ضغوط على سلاسل الإمداد والشحن واللوجستيات والتمويل.
بيد أن القضاة يُؤطّر ذلك بمنظور مغاير؛ إذ أكد أن "المناعة لدول المنطقة أكبر بكثير من أن تحصرها أزمة بحد ذاتها"، مضيفاً أن هذه التحديات "يقابلها حلول وفرص عديدة". ويلفت إلى أن التكامل العربي، والربط السككي، والقطاع اللوجستي العربي، والصناعة العربية المشتركة، "كانت حديثاً عاماً، واليوم أصبحت حاجة ملحة، والكل يركز عليها بشكل رئيسي". ويُبدي ثقة بأنه "في حال تمكّنا من استغلال هذه الفرص وزيادة التكامل العربي، سنتمكن من تجاوز أي أزمات مستقبلية".
نحو 500 ألف عامل ومضاعفة الصادرات.. هدف 2033 الأكبر
تُجسّد رؤية التحديث الاقتصادي 2033 السقف الطموح الذي يسعى إليه الأردن: مضاعفة الصادرات الصناعية بنسبة 130 بالمئة لتبلغ 28 مليار دولار، ومضاعفة القوى العاملة في القطاع من 270 ألف عامل حالياً إلى 500 ألف شخص، وتحويل المملكة إلى مركز إقليمي للصناعة والإنتاج.










