متى يكون الاقتراض قراراً مالياً ذكياً؟
11:20 - 25 يوليو 2026
تُعد القرارات المالية التي يتخذها الأفراد، من أكثر العوامل تأثيراً في مستقبلهم الاقتصادي، إذ قد يساهم قرار واحد في بناء الثروة وتحقيق الاستقرار، بينما قد يقود قرار آخر إلى سنوات من الضغوط والالتزامات المالية.
ومن بين كافة القرارات المالية التي يواجهها الأفراد، يبرز قرار الاقتراض كأحد أكثر الخيارات حساسية وإثارة للجدل، إذ يقترن مفهومه غالباً بالتعثر والالتزامات المالية المرهقة، وهو ما ساهم في ترسيخ قناعة لدى كثيرين بأن الديون عدو الثروة.
إلا أن الواقع الاقتصادي يستدعي التحرر من هذه النظرة المطلقة، فليست كل الديون سيئة، حيث أن تجنب الاقتراض ليس دائماً الخيار الأمثل، ففي عالم المال والأعمال، تعتمد كبرى الشركات على الاقتراض لتوسيع استثماراتها، كما تلجأ الحكومات إلى إصدار السندات لتمويل البنية التحتية، وحتى على المستوى الشخصي، قد يكون القرض وسيلة لتحقيق أهداف يصعب الوصول إليها بالادخار وحده.
ومع ذلك، فإن المسار الذي يأخذه الدين إما كرافعة مالية أو كعبء، يتحدد عند نقطة واحدة وهي كيفية استخدام الأموال المقترضة، فالقرض في حد ذاته ليس مشكلة، بل العبرة دائماً بالغاية منه وطريقة إدارته، فعندما يتم استخدام الأموال التي تم اقتراضها لشراء سلعة استهلاكية تفقد قيمتها سريعاً، أو لتمويل نمط حياة يفوق الإمكانات المالية المتوفرة، فإن القرض غالباً ما يتحول إلى عبء طويل الأمد، أما إذا كان موجهاً نحو أصل يحقق عائداً مالياً، فقد يكون وسيلة لبناء الاستقرار المالي وليس العكس.
متى يكون القرض قراراً ذكياً؟
وبحسب آراء العديد من خبراء الاقتصاد والتمويل الشخصي التي اطلع عليها موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن هناك عدة حالات يعتبر فيها الاقتراض خياراً مالياً منطقياً، من أبرزها:
أولاً: شراء منزل للسكن أو الاستثمار
يُعد التمويل العقاري من أكثر أنواع القروض المقبولة اقتصادياً، خصوصاً عندما يكون القسط الشهري قريباً من قيمة الإيجار، أو عندما تكون العقارات في منطقة مرشحة للنمو. فالمنزل قد يتحول إلى أصل ترتفع قيمته مع مرور السنوات، بدلاً من دفع إيجار لا يعود على صاحبه بأي ملكية.
ثانياً: الاستثمار في التعليم
يعتبر الكثير من الخبراء أن التعليم أحد أفضل الاستثمارات طويلة الأجل، حيث أن الاقتراض لتمويل دراسة جامعية أو شهادة مهنية أو برنامج تدريبي، يرفع من فرص الحصول على وظيفة ذات دخل أعلى، ليتحول الدين هنا إلى استثمار حيوي يحقق عائداً يفوق تكلفة القرض نفسه.
ثالثاً: تمويل مشروع تجاري
قد يكون القرض وسيلة للانطلاق في مشروع ناجح، شرط وجود دراسة جدوى حقيقية وخطة مالية واضحة، فالتمويل في هذه الحالة لا يهدف إلى الاستهلاك، بل إلى إنشاء مصدر دخل قادر على تغطية الأقساط وتحقيق أرباح مستقبلية. ولكن هذا النوع من الاقتراض يبقى من أكثر الأنواع التي تتطلب دراسة دقيقة للمخاطر.
رابعاً: إعادة هيكلة الديون
في بعض الحالات، قد يكون الاقتراض الجديد وسيلة لتقليل الأعباء المالية، وذلك من خلال سداد قروض مرتفعة الفائدة بقرض واحد أقل تكلفة، حيث تساعد هذه الخطوة على تخفيض الأقساط الشهرية وتحسين إدارة التدفقات النقدية.
متى يصبح الاقتراض خطراً؟
في المقابل، هناك حالات يحذر منها خبراء التمويل، لأنها غالباً ما تقود إلى ضغوط مالية متزايدة، من أبرزها، الاقتراض لشراء كماليات وتمويل السفر أو المناسبات الاجتماعية، شراء سيارات باهظة الثمن تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها سريعاً، استخدام بطاقات الائتمان لسداد مصروفات يومية مع تراكم الفوائد، إضافة إلى الاقتراض لسداد قروض سابقة دون معالجة أصل المشكلة المالية.
وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الاقتراض حلاً للمشكلة، بل وسيلة لتأجيلها، إذ يتحول الدين إلى عبء يتراكم مع مرور الوقت بدلاً من أن يساهم في تحسين الوضع المالي، ولذلك ينصح خبراء التمويل بعدم الإقدام على أي قرض قبل الإجابة بوضوح عن مجموعة من الأسئلة الأساسية، مثل: هل سيؤدي القرض إلى تحقيق دخل إضافي أو زيادة قيمة أصولي؟ هل أستطيع الالتزام بسداد أقساط القرض حتى في حال تراجع دخلي بشكل مؤقت؟ هل تتناسب تكلفة فائدة القرض مع العائد المتوقع من الاقتراض؟ هل يوجد بديل أقل تكلفة من هذا القرض؟
المشكلة ليست في القرض
ويقول خبير المحاسبة زهير حماصيني، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن المشكلة لا تكمن في القروض بحد ذاتها، بل في الثقافة المالية لدى المقترضين وآلية اتخاذ قرار الاستدانة، فالاقتراض ليس أداة جيدة أو سيئة بصورة مطلقة، وإنما تتحدد قيمته وفق الغاية التي يُستخدم من أجلها والعائد المتوقع منه، وقدرة المقترض على إدارة التزاماته، ولذلك يمكن للقرض أن يكون أحد أفضل القرارات المالية التي يتخذها الفرد إذا استند إلى حسابات دقيقة تُظهر أن العائد المتوقع من الأصل الممول سيتجاوز تكلفة التمويل، أما عندما يُتخذ قرار الاقتراض بدافع الرغبة في تحسين مستوى المعيشة مؤقتاً أو مجاراة أنماط استهلاكية لا تتناسب مع الدخل، فإنه يتحول تدريجياً إلى عبء مالي يجعل جزءاً متزايداً من الدخل رهينة لخدمة الدين بدلاً من تنمية الثروة.
كلفة الانتظار
ويضيف حماصني إن قرار تأجيل الاقتراض ليس دائماً الخيار الأكثر حكمة، لأن للانتظار كلفة اقتصادية قد يغفل عنها الكثير من الأفراد، فمثلاً كان التأجيل يعني خسارة فرصة استثمارية قادرة على تحقيق عائد يفوق تكلفة التمويل، أو كان الأصل المراد شراؤه مرشحاً لتحقيق ارتفاعات في السعر، فإن الاقتراض يكون أكثر جدوى من الانتظار لسنوات لتأمين كامل المبلغ نقداً، مشيراً إلى أن الكثير من الأفراد يركزون على تكلفة الفائدة فقط، ويتجاهلون ما يُعرف بـ"تكلفة الفرصة البديلة"، أي العائد الذي كان يمكن تحقيقه لو تم استثمار الأموال في وقت أبكر.
التضخم والفائدة والدخل
ويؤكد حماصني أن فهم العلاقة بين التضخم وأسعار الفائدة ونمو الدخل، أصبح أمراً أساسياً قبل اتخاذ أي قرار بالاقتراض، إذ أن تجاهل هذه العوامل الثلاثة قد يجعل القرض يبدو مجدياً من الناحية النظرية، بينما يتحول في الواقع إلى عبء مالي، لافتاً إلى أن المقترض الذي يحصل على قرض بفائدة ثابتة قد يستفيد مع مرور الوقت إذا ارتفع دخله بما يتماشى مع التضخم، حيث ستتراجع الكلفة الحقيقية للأقساط مقارنة بدخله، أما إذا كان القرض مرتبطاً بفائدة متغيرة، فإن الصورة تختلف تماماً، لأن أي ارتفاع في أسعار الفائدة سينعكس ارتفاعاً في قيمة الأقساط، ما يزيد الأعباء المالية ويقلص القدرة على السداد، خصوصاً إذا لم يواكب الراتب هذه الزيادات.
التوقيت أولاً
من جهته يقول ميشال الخوري مستشار إدارة الثروات، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن النقاش حول الاقتراض يركز غالباً على سؤال "هل أستدين أم لا؟"، بينما السؤال الأكثر أهمية هو "هل هذا هو الوقت المناسب للاستدانة؟"، فحتى القرض الموجه لشراء أصل جيد قد يتحول إلى قرار سيئ إذا جاء في توقيت اقتصادي غير مناسب، لافتاً إلى أن المستثمر أو الفرد يجب أن يقرأ الدورة الاقتصادية قبل التوقيع على أي عقد تمويل، ففي فترات ارتفاع أسعار الفائدة، تتغير معادلة الجدوى بالكامل، لأن تكلفة التمويل قد تلتهم جزءاً كبيراً من العائد المتوقع، بينما في بيئة الفوائد المنخفضة يصبح الاقتراض أقل كلفة وأكثر قدرة على دعم الاستثمار.
لكل مرحلة قرارها
ويضيف الخوري إن التوقيت لا يرتبط فقط بأسعار الفائدة ، بل أيضاً بمرحلة حياة المقترض، فالاقتراض في بداية الحياة المهنية يختلف عن الاقتراض قبل التقاعد، كما أن الاقتراض في ظل وظيفة مستقرة يختلف عن الاقتراض في قطاع يشهد تسريحات متكررة أو تباطؤاً اقتصادياً، مشدداً على أن الخطأ الشائع هو بناء قرار الاقتراض على الوضع الحالي فقط، بينما القرار الصحيح يجب أن يأخذ في الاعتبار ما قد يحدث خلال السنوات المقبلة، لأن القرض التزام طويل الأجل، في حين أن الظروف الاقتصادية قد تتغير عدة مرات خلال فترة السداد.
كيف نستثمر في سعادتنا الزوجية ؟







